في ذكرى ولادة الإمام الرضا (ع) اختتام مؤتمر المحبّة والعدالة في الاديان

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

إعداد هيئة التحرير

اختتم مؤتمر «المحبّة والعدالة في الأديان» الذي نظمته المستشارية الثقافية الإيرانية والجامعة الإسلامية في لبنان أعماله في قاعة المؤتمرات في حرم الجامعة في الوردانية، في ذكرى ولادة الإمام الرضا، برعاية العتبة الرضوية المقدسة وضمن الندوات التمهيدية للمؤتمر الدولي عن الإمام الرضا (ع)، حضرها حشد من الشخصيات الاكاديمية والتربوية والثقافية والدينية. وقد قدَّم مسؤول الإعلام والعلاقات العّامة في المستشارية الدكتور علي قصير المحاضرين في جلستين. ففي الجلسة الاولى، قدم ممثل العتبة الرضوية وعضو مجلس خبراء القيادة في ايران العلاّمة الشيخ حسن حيدري آل كثير محاضرة، أشار فيها الى ان المؤتمر مقدمة للمؤتمر العالمي للإمام الرضا (ع)، الذي سينعقد في مدينة مشهد هذا العام بعنوان «الإمام الرضا والحوار بين الأديان»، وذلك لتوضيح الخطوط العريضة من سيرته في مجال الحوار مع اتباع الديانات السماوية والفرق الإسلامية، وذلك للإقتباس من تلك السيرة المنورة لبسط الحوار البناء الموضوعي والسلمي في عالمنا المعاصر، واحلاله محل النزاع والتخاصم والحرب والتكفير.

ثم تلا مارون رزق الله محاضرة رئيس المجلس العام الماروني في لبنان وديع الخازن، بعنوان «التقارب بين الأديان ضرورة لمواجهة التحديات»، أكدَّ فيها أنَّ الاديان السماوية كلها تدعو بشكل أو بآخر الى التمثل بصفات الله، لأنه من أجل مواجهة كل ما يحدث من دمار وخراب وقتل وتشريد وتهجير، يجب العمل على بناء ثقافة الحوار والتواصل، وفي محضر الأكاديميين في الجامعة الإسلامية وفي حضرة المستشارية الثقافيّة الإيرانية، يهم المجلس العام الماروني أن يؤكد على التقارب بين مختلف الأديان والمذاهب، وهو ما يشكل خطوة مهمة لتعزيز البحث العلمي واكتشاف المشتركات، فالامام الرضا كان قد قدم لنا عبر مناظراته مع ممثلي خمسة أديان مختلفة دروساً في فن الحوار مع الآخر الديني، عبر استخدام الأدلة المنطقية ومحاورة الخصم بما يعتقد والإستدلال عليه من مصادره، وهنا يحضرني كلام للامام المغيب امام الوطن السيد موسى الصدر عن التقارب بين الأديان، حين يقول التعايش هو أساس التكوين اللبناني وسلامه والتعايش ثروة يجب التمسك بها.

من جهة ثانية، استهل رئيس مؤسسة «العرفان التوحيدية» الشيخ سامي ابو المنى محاضرته عن الحوار والتنوع رؤية توحيدية، بالحديث عن مناقب صاحب الذكرى الامام الرضا للاستفادة من سيرته، مشيراً الى ان الوقائع الأليمة التي حلت ببلادنا في هذا المشرق العربي الإسلامي تؤكد أن ما نحتاجه في مواجهة هذا التعصب والتطرف المقيت هو الحوار العلمي الرصين، وحيث انه لا يمكن النظر الى الحوار بمعزل عن واقع التنوع الثقافي الموجود وعن اشكالات النظام السياسي القائم فإن صيغة التنوع تقضي بخلق ثقافة حوارية، ولا سيما ان قدرنا في هذا الشرق هو قدر العيش الواحد المشترك، والتحدي الدائم هو كيفية تحويل هذا القدر الى خيار وفي منع تحويل النعمة الى نقمة.

وحاضر السيد الدكتور محمد جعفر فضل الله عن سبل التقارب بين الأديان في العالم المعاصر، مؤكداً ان التعاون هو أهم سبل التقارب بين الأديان، فالحب هو طاقة الوصل بين الإنسان وبين الموجودات، والمودة هي أساس تعامله فلا يقدم على الزواج مثلا بدون مودة وحب، ولا يتبع الإنسان الأنبياء من دون مودة وهي التي تحدد تمايز المجتمعات على قاعدة: قل لا اسألكم عليه الا المودة بالقربى...، فالتحديات التي تواجهنا على مستوى المجتمعات والأديان عديدة منها: التحدي الفكري البنيوي ليس أقلها مواجهة الأديان لخطر الإلحاد، وفيه أمران أساسيان وهما أن الإلحاد سابقاً كان يقوم على التشكيك، أما اليوم فيقوم على الاكتشافات والاختراعات العلمية ليحاول الإلحاد أن يعبر عن نفسه في معطى علمي، والأمر الآخر هو العولمة فهي لم تقرب المسافات بين الأفراد والشعوب فقط بل شكلت مستوى عالياً جداً من تدفق المعلومات والصور، ما أدى في البعض الى التشكيك أين هو الله؟ وذلك بعد رؤية صور المجازر والحروب والأمراض على مستوى العالم أجمع.

اما القس الدكتور عيسى دياب، فقال في محاضرته بعنوان «نحو دين بلا عنف»: بصفتي مؤرخ أديان وأنا مؤمن بالطبع أنظر إلى الدين كظاهرة اجتماعية، سأحاول الإجابة على سؤال هام، هل العنف من مكونات الدين؟ فالحروب الدينية أشرس الحروب في التاريخ قد حصدت الكثير من الضحايا ولا يوجد دين من الديانات الإبراهيمية بريء من ممارسة العنف في وقت ما، فالدين ظاهرة اجتماعية منظمة هدفها تنظيم الفطرة الدينية في الإنسان وهذا يسمح لنا أن ندعوه منظومة اجتماعية أو مؤسسة دينية.

الجلسة الثانية

واستهل عميد كلية الدراسات الإسلامية في لبنان ا.د. فرح موسى، في الجلسة الثانية، محاضرته بالقول: لا يمكن الحديث عن المحبة والعدالة في الأديان، وأهل الإيمان يقولون بتكفير الآخر...كما أنه لا يمكن الحديث عن ذلك وأهل القرآن يقولون بنسخ آيات الرحمة والحب والسلام، فالمحبة والعدالة ليستا مطلوبتين بين أهل الإيمان بصفتهم متحيزين الى مذهب أو طائفة أو دين، وإنما بصفتهم بشراً يجمعهم الإيمان وتوحدهم الإنسانية.. فهم صنفان كما يقول الإمام علي، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق...فكلام الإمام يمنع من القول بالتكفير او بالنسخ، فالإشكالية تكمن هنا أن المحبة عرفت طائفياً ومذهبياً وحزبياً وكذلك العدالة، في حين أن المطلوب هو الإستواء على حقيقة الإيمان التي تنطلق من مبدأ أن الناس هم عباد لله تعالى، كما قال تعالى أليس الله بكاف عبده.

والقى مدير «معهد المعارف الحكمية للدراسات الفلسفية» الشيخ شفيق جرادي محاضرة بعنوان «الحوار الديني بين القيم والمصالح الاستهلاكية»، فقال: ان معالجة أي موضوع ديني قد تتداخل فيه نتائج أكثر متقاربة أو زاوية في البحث، وعليه فإن هذه المقاربة هي لأخلاقيات التقارب والحوار بين الإسلام والمسيحية التي أود ان أثيرها اليوم. لطالما جرى النقاش والبحث في مدى قابلية اللاهوت المسيحي في فتح حوار مع الإسلام، هناك ضرورة حاكمة على الدوام تتجلى في القيم والأخلاقيات الحاكمة على سياسات الحوار الديني.

ثم القى عضو المجلس المركزي لـ «تجمع العلماء المسلمين» وخطيب مسجد الخلفاء الراشدين ـ طرابلس الشيخ محمد الزعبي محاضرة بعنوان «التأصيل القرآني للعدل»، استهلها بحديث الإمام الرضا: استعمال العدل والإحسان مؤذن بدوام النعمة، وقال: إن القول ليس خبراً ترغيبياً لصون العدالة بل هو قانون قرآني، فالأمن والطمأنينة والسلام والازدهار يسود الأمم بمقدار ما تحقق من تطبيق لمفهوم العدل.

واكد مطران السريان الأرثوذكس المطران جورج صليبا، في محاضرته، ان المحبة والعدالة صفتان سماويتان سلمهما الله للإنسان في كل زمان ومكان وصولاً الينا، وقال: المسيحية جسدت الله بكلمة وأطلقت عليه لقب الله محبة، وهي صفة تنسب الى الخالق والمخلوق على حد سواء وليس أهم منها شيء، تظهر في محبة الله للكون إذ خلق الإنسان ليكون وكيلاً لله على الأرض.

والقى السيد حسين موالي زاده محاضرة عنوانها العلاقة بين المحبة والعدالة في الكرامة الإنسانية، اكد فيها ان الكرامة الإنسانية يهتم بها الدين الإسلامي وكذلك الأديان السماوية، ولهذا ينبغي أن تجعل موضوعاً للحوار بين الأديان، وهذا يوصلنا إلى سؤال: هل الكرامة الإنسانية اكتسابية عارضة أم موهبة الهية؟ فالقول باكتسابيتها يعني أن الإنسان لا يتحلى بها بذاته، يقابل ذلك وجهة نظر تقول بذاتية الكرامة في الإنسان وتشمل جميع الناس دون استثناء، وبالتأكيد تحتاج إلى الحفظ والمراقبة.

 

الهوامش:

  1. (1) عن صحيفة «الأنوار» الصادرة في بيروت، الثلاثاء الموافق 7 آب 2018م. السنة 59 ـ العدد 19871 ـ ص 2.