فضل الله في اللّقاء التكريميّ للعلامة الشَّيخ عبدالله العلايلي كان تجديدياً ورأى في الدّين رسالةً إنسانيّةً لا طائفيَّةً

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

 إعداد الأستاذ محمد عبد الوهاب عمرو

نظّم ملتقى الأديان والثقافات للحوار والتنمية، وكلية الدراسات الإسلامية في جامعة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة، لقاءً تكريمياً حاشداً للعلامة الشيخ عبدالله العلايلي، تحت عنوان رائد التجديد والحوار والتقريب. وذلك عصر يوم الثلاثاء في 28 شباط 2017م.

أقيم اللقاء في قصر الأونيسكو في بيروت، بحضور شخصيات سياسية وعلمائية وثقافية وأدبية واجتماعية، تقدمها النائب ياسين جابر ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب محمد قباني ممثلاً رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري.

وقد ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، رئيس ملتقى الأديان والثقافات للحوار والتنمية، كلمةً شكر في بدايتها الحضور على مشاركتهم في تكريم واحد من الرموز التي مرّت على هذا الوطن، وخاضت مغامرة التجديد، لا لنعيد تاريخاً غالباً ما نستعيده لنغطي به عيوب حاضرنا، بل لنثبت حاضراً ومستقبلاً يتطلّع إلى تجاوز هذا المأزق التاريخي الذي يمرّ به الوطن والأمة.

وتوقّف عند القضايا الّتي خاض الشيخ العلايلي غمارها، من قضايا لغوية وفكرية وفقهية واجتماعية وسياسيّة، كان يجمعها كلّها رغبته في التجديد، لا ليلغي ما قام به السابقون أو يهدمه، بل ليعيد إظهاره بالصورة التي تجعله صالحاً لمواكبة تطورات العصر وحاجاته.

وأضاف سماحته: كان يريد أن تبدو اللغة معاصرةً، وأن لا تبقى لغة الماضي، وأن يحكم العقل المستنير بالنصّ قضايا الفقه والفكر والسياسة والاجتماع.. ولذلك، تراه لم يخلد للمتعارف والسائد والمشهور، ولما يجري عليه الناس، بحيث يقال فيه: أبقِ ما كان على ما كان.. كانت له جرأة أن يقول لا لما يراه مجافياً للحقيقة أو للمنطق، حتى لو وقف الناس جميعاً في مواجهته، وكثيراً ما كان يرد على الذين ينتقدونه، حين كان يواجه أولئك الَّذين يحملون الألقاب الكبيرة والمواقع العليا، قائلين: ومن هو ليردّ كلامهم؟، فكان يقول لهم: هم رجالٌ ونحن رجالٌ، ليست عقولهم من ذهبٍ وعقولنا من تنكٍ.

وتابع: وهو لذلك لم يسلم من ألسنة الرافضين لمنطقه، ممن استكانوا للحال الذي هم عليه، من الاستغراق في تراث السابقين، لا لأنّ فيه عناصر قابلةً لتعيش في الحاضر، فهناك في تراثنا ما يخدم حاضرنا ومستقبلنا، ولكن لأنه التراث.. وللأسف، فهؤلاء لم يواجهوا الشيخ العلايلي بالدليل والحجة والمنطق، بل بالتّشكيك والتضليل والتكفير، وحتى بالإخراج من الدين...

وقال سماحته: ولم يقف التجديد عند هذا الحدّ، بل برز بشكلٍ واضحٍ وجليٍ في وعيه وفهمه للدين وللفقه والشريعة.. لكون الدين الأساس في تكوين شخصية الشيخ العلايلي، باعتباره عالماً دينياً أزهرياً، فقد كان تجديدياً رغم معرفته صعوبة انتهاج هذا الطريق، لأنّ المسّ بما له صلةٌ بالدين، ولو كان فهماً أو اجتهاداً، يعتبر مساً بالمقدّس، ولذا تكون ردود الفعل عليه كبيرةً...

وأردف قائلاً:لذا كانت نظرة الشيخ العلايلي إلى الدّين نظرةً حضاريةً، بنيت على قواعد متينةٍ، وهي أنّ الإسلام رسالة إصلاحٍ لا تقليد، رسالة إنسانيةٍ لا طائفيةٍ.. رسالة الحاضر والمستقبل لا رسالة الاستغراق في الماضي... وقد آمن الشيخ العلايلي بأنّ الدين جاء لخدمة الإنسان، لا أن الإنسان جاء لخدمة الدين.. ولذلك، دعا إلى أنسنة الدين، ورفض الفتاوى التي تسيء إلى إنسانيّة الدين.. وآمن بقداسة النّصوص الدينيّة، ولكنّه ما كان يرى أنّ فهمنا للدّين مقدّس.. ولذلك، لم يقف عند أيّ حاجزٍ يمنعه من التجديد في فهمه للنّصوص الَّتي انطلق منها ولم يحد عنها.. وكان يتطلَّع إلى الشَّريعة بعين العصر؛ العين السَّليمة المنفتحة على آفاق الزمان والمكان..

وخلص سماحته إلى القول: في يوم تكريم سماحة الشيخ عبدالله العلايلي، لا بدّ من أن أستحضر أخيراً تلك العلاقة الوطيدة التي ربطته بسماحة السيد الوالد محمد حسين فضل الله، والاحترام المتبادل بينهما، حين تلاقيا على فهم الدين بشكله المنفتح على الحياة والعصر وكل آفاق التطوّر، وعلى أن لا قداسة إلا للمقدس.. كم نحن بحاجةٍ اليوم في مرحلتنا الراهنة، إلى مثل هؤلاء العلماء الكبار، الذين، وإن اختلف الناس حول بعض أفكارهم، إلا أنّهم من دون شكٍّ حاولوا أن يشرّعوا لنا الكثير من الأبواب التي تفتح لنا أكثر من طريقٍ لمستقبلٍ أفضل، ولإسلامٍ مشرقٍ يبدّد ظلام حاضرنا الدامس، ويخرجنا من الزنازين الطائفية والفكرية والاجتماعية، فلا خلاص لنا إلا بحياةٍ نرتقي بها في عقولنا وقلوبنا ووجداننا في أيّ أرضٍ نكون عليها!.

وتخلّل اللقاء كلمات لكلّ من الوزير السابق بشارة مرهج، القاضي الشيخ محمد أبو زيد، الدكتور خنجر حمية، الدكتورة نايلة أبي نادر، الدكتور محمد أمين فرشوخ وسماحة الشيخ حسين شحادة. وقدَّم اللقاء وأداره الدكتور عبدالله فضل الله.