في رحاب الأندلس

29/9/2015
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

بقلم: الشيخ غسّان اللقيس

في السابع والعشرين من شهر أيار 2015م. قمت أنا والأصحاب الدكتور الصيدلي خالد بهيج اللقيس والمحامي الأستاذ شربل الحوّاط والأستاذ فادي حيدر والأستاذ ريمون أبي حنا بزيارة إلى اسبانيا التقينا فيها مع رئيس أساقفة مدينة أبيلا وهذا اللقاء أعدَّ له الدكتور خالد قبل سفرنا إلى هناك.

في اللقاء تداولنا مواضيع ثقافيّة وإجتماعيّة تهمُّ الشعبين الإسباني والعربي آملين أن يكون الإجتماع باكورة عمل وتعاون، خاصة أن العرب أقاموا في الأندلس دولة استمرت مئات السنين وأقاموا فيها حضارة كبيرة استفاد منها الغرب والشرق.

ثُمّ قمنا بعد ذلك بزيارة بعض الأماكن الأثريّة التاريخيّة مثل الجامع الكبير الذي أسسه الخليفة عبد الرحمن الداخل في قرطبة وسأتحدث عنه لاحقاً وقد حوّله الإسبان إلى كاتدرائيّة وهو بناء جميل ضخم قلّ نظيره تحيط به باحة كبيرة فيها بركة مياه مُعدّة للوضوء وبقربه نهر عظيم بُنيت على جوانبه الأبراج والجسور. ثُمّ جلنا في أحياء المدينة وقد استمتعنا بروعة البناء وجماله وهي أبنية قديمة رُمّمت بإتقان وممّا يلفت الإنتباه الشوارع الضيّقة المرصوفة بالبلاط الصخري إضافة إلى تماثيل العلماء الّذين نبغوا أيام الحكم العربي. كل ذلك يعيدك بالذاكرة إلى أيام الدولة العربيّة التي امتدت أجيالاً وكانت حافلة بالتراث والحضارة والعلم والثقافة.

ثُمّ انتقلنا بعدها إلى مدينة غرناطة حيث قمنا بزيارة قصر الحمراء الذي تحيط به الجنائن والمياه من كل الجهات وكان مركزاً للإمارة وهو قصر منيف يحتاج الزائر للتعرف عليه إلى الوقت الطويل.

القناطر سمة فيه والآيات القرآنيّة موجودة على جدرانه والمياه جُلبت إليه من أعلى جبال مدينة غرناطة. في باحته وداخل القصر يوجد أربعة وعشرون أسداً كل واحد كانت تخرج منه المياه ساعة ليدلك على الوقت كما لا يغيب عن الزائر موقع البناء إذ هو على تلة مُشرفة على المدينة.

هذه الزيارة حرّكت في نفسي قراءة تاريخ الأندلس من جديد: جاء في موسوعة الدكتور حسن ابراهيم حسن عن فتح الأندلس يقول: تقلّد موسى بن نصير إفريقية من قبل الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 88 هجريّة. فخرج من مصر وكان والياً عليها على رأس جيش قاصداً إفريقيّة فلمّا بلغها ضمَّ جيشاً آخر على مقدمته طارق بن زياد.

في شهر شعبان سنة 92ه. 711م. عبر طارق بن زياد البحر في أربع سفن وسار على رأس سبعة آلاف جندي من المسلمين وأخذ طارق وهو على رأس سفينته يتأمل عجائب الكون وينظر إلى السماء متوجهاً إلى الله بقلبه يلتمس منه العون ويذكر الرسول الكريم w وما لاقاه في سبيل نشر دعوة الإسلام من محن وآلام إذ أخذته سُنّةٌ من النوم فرأى النبيَّ w قائلاً له: يا طارق تقدم لشأنك!. ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدامه ثُمّ هبّ طارق من نومه مُستبشراً وثابت نفسه ببشراه ولم يشك في النصر.

بعث طارق إلى موسى بن نصير وكان والياً على مصر يطلب منه المدد كي يستطيع الوقوف أمام جيش لزريق قائد جيش الأعداء فأمده بخمسة آلاف أخرى فبلغ عدد جنده اثني عشر ألفاً.

ألقت السفن مرساها قبالة الجزيرة الخضراء عند صخرة الأسد التي احتلت اسم طارق إلى الآن فسميت جبل طارق ونزل المسلمون هناك ووقف فيهم قائدهم طارق يقول:

أيها النّاس أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر والتقى الجيشان على مقربة من نهر وادي لكة وسماه العرب بكة وأخذ طارق وجنده يحملون على العدو حتى تمَّ لهم النصر.

وكان من أثر فتح بلاد الأندلس أن غيّر حال أهل الأندلس بوجه عام فقد زال الحكم القوطي الظالم الذي قسَّم الشعب إلى طبقات: الأعيان والتجار والعبيد، وكان يفرض عليهم الضرائب الكبيرة كما رُدت إلى القبائل أموالهم وضياعهم الكبيرة التي كان الحكام قد استولوا عليها كما أحسن العرب معاملة الرقيق الّذين حلّ بهم البؤس والشقاء قديماً فنالوا في عهد العرب كثيراً من الحقوق المدنيّة فزرعوا الأرض لحسابهم على أن يؤدوا الخراج وكان همُّ العرب توطيد السلام بين الأجناس المختلفة. فانقاد الإسبان لحكمهم لما وجدوا فيه التسامح الذي كانوا ينشدونه كما دان بالإسلام عدد كبير من أهالي الطبقات الدُّنيا عن إيمان ثابت متحولين برضاهم دون حملهم أو اضطهادهم بأية وسيلة من الوسائل كذلك انتشرت اللغة العربيّة وتكلّم بها الإسبان والعرب سواء وسادت على غيرها من اللغات. وفي الحق أن سياسة التسامح التي أظهرها العرب نحو الديانة المسيحيّة التي يعرفونها من خلال القرآن الكريم لها أكبر الأثر في استيلائهم على هذه البلاد. ومن المدن التي شاع صيتها في بلاد الأندلس مدينة قُرطبا ويقول الدكتور حسن في موسوعته «تاريخ الإسلام» وهي من أهم المراجع التاريخيّة الحديثة:

لمّا دخل عبد الرحمن الأول بلاد الأندلس ووطد دعائم الإمارة فيها إتخذ مدينة قرطبة حاضرة لإمارته فبنى فيها القصر والمسجد ومن العوامل التي دفعته لإختيار قرطبة مقراً لإمارته وجود الديار الكثيرة المنفسحة بها والشوارع والمباني الفخمة والنهر الجاري والهواء المُعتدل والرياض الكافية والتوسط بين شرقي الأندلس وغربها.

ثُمّ لمّا ولّي هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى هذه البلاد جمَّل قرطبة وزيّنها بالمباني الفخمة والبساتين النضرة وجدد القنطرة التي بناها ابن مالك الخولاني عامل عُمر بن عبد العزيز على نهر الوادي الكبير وأحكم هشام بناءها حتى أصبحت مضرب المثل في أحكام البناء وكان طولها ثمانمائة ذراع عرضها عشرون باعاً وارتفاعها ستون ذراعاً وعدد حناياها ثمانية عشر وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً.

ومن قصور قرطبة قصر الدمشق الذي احتفظ بإسم حاضرة الأمويين في الشرق وكان يقوم على أعمدة من الرخام قد نمقت ساحاته وفناؤه واتخذ امراء بني أُميّة فيه مكاناً للتسلية وحاكوا به قصرهم بدمشق ومن أشهر الصروح التي ما زالت قائمة إلى الآن المسجد الجامع الذي بناه عبد الرحمن الأوّل وأنفق في بنائه 800000 دينار ثُمَّ أتمَّ بناءه إبنه هشام سنة 177ه وتعهده الأمراء من بعده بالتجميل والزيادة حتى أصبح من أجمل مساجد الإسلام وهذا بعض وصفه: للمسجد واحد وعشرون باباً طُليت بالنحاس الأصفر وله ثلاث وتسعون ومايتا ألف سارية وقد أجريت الفضة في حيطان محرابه المزين بالفسيفساء وَصُبَّ في صواريه الذهب الإبريز أمّا المنبر فقد صُنع من العاج ونفيس الخشب. شيّد الأمويون في الأندلس قصوراً فخمة كالمجلس الزاهر والبهو الكامل والقصر المنيف وقصر الدمشق كما اقاموا البحيرات الهائلة والبرك الوديعة والقباب العالية الذي لم يرَ الراؤن قبلها في مشارق الأرض ومغاربها.

إتسع عمران قرطبة حتى بلغ عدد سكانها في القرن الرابع هجري 500000 نسمة وعدد دورها 13100 غير قصورها الفخمة وضواحيها الثمانية والعشرين وحماماتها الثلاثمائة ومساجدها التي بلغت ثلاثة آلاف على ما قيل.

هذا غيض من فيض ولولا إطالة المقال لأطلت الكلام والسلام. إمام جبيل: الشيخ غسّان اللقيس

 

 


الأستاذ حيدر والشيخ اللقيس ورئيس الأساقفة والأستاذ الحوّاط والدكتور اللقيس