العلاّمة فضل الله: لا لحوار المجاملة، نعم لحوار الكلمة الطيبة

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

إعداد الأستاذ محمد عبد الوهاب عمرو

مساء يوم الأربعاء الواقع فيه 22 آذار 2017م. أقام الأديب الدكتور ناجي نعمان، في مؤسسته الثقافيّة بجونية وفي إطار الموسم التاسع لصالونه الأدبيّ الثقافيّ (2016 ـ 2017) إحتفالاً تكريمياً للعلاّمة السيّد علي فضل الله، حضره حشد من أهل العلم والثقافة يتقدمهم القاضي الدكتور الشيخ يوسف محمد عمرو، العلاّمة الشيخ حسين شحاده، الدكتور الشيخ خنجر حمية، الأب الدكتور سهيل قاشا، الدكتور مخلص الجدة، الشيخ فؤاد خريس، الشيخ محمود حيدر أحمد، الشيخ زهير قوصان، الأب جورج يغيايان، والشعراء والأدباء والفنانون والدكاترة والأساتذة: حسن حيدر أحمد، محمد رميحي حيدر أحمد، هيثم الغداف، الحاج زهير نزيه عمرو، الحاج علي عبد الهادي عمرو، محمد عبدالله عمرو، عيسى عبدالله عمرو، اميل كبا، ريمون عازار، جورج شامي، نبيل بوعيسى، بشير طرابلسي، فادي حيدر، الحاج ابراهيم خزعل، خضر منير بلوط، سامي أبي حيدر، ربيع حيدر أحمد، محمد وليد حيدر أحمد، هادي حيدر أحمد، اسعد جوان، اميل منذر، جورج مغامس، بهيج مخول، ميشال جحا، فرنسوا حداد، رفيق روحانا، امين زغيب، شربل شهوان، روجيه عضيمي، سليم مغربل، انطوان الشامي، عادل المير، سمير خياط، جوزف أبو نهرا وغيرهم.

نعمان

بعد النشيد الوطني، خاطرة من نعمان في وجيه نحله وفيكتور الكك ومحمد البعلبكي الذين غادروا أرضاً ليكسبوا سماء هي، بالتأكيد، أرحم وأرحب وأمدد، فترحيب بالسيد فضل الله سليل فخرٍ وإرثٍ ونهجٍ»، جاء فيه: سيد هو، سيد اسماً، وسيد فعلاً؛ والسيد السيد من بالمعرفة اتشح، وبالانفتاح ازدان؛ من بالفضل اتصف، ومن الفضائل طلب ازدياداً .

حمية

وتحدث الدكتور خنجر حمية عن الفضاء الفكري للسيد فضل الله، فقال: إنه فضاء يتشكل من وعي لا التباس فيه لقيمة الإنسان، وللكرامة البشرية، وللحوار طريق إلى التفاهم والتعارف وبلوغ الخير وتحقيق العدل، وللاحترام القائم على الإقرار بالتنوع حقيقة كونية، في حياة الطبيعة وفي حياة الإنسان وفي حياة المجتمعات.

وأضاف: في فضاء كهذا يصبح الدين والتراث الديني بحسب العلاّمة فضل الله، مادة تستثمر دلالاتها ومغازيها في خدمة الإنسان، إذ كتب السيد: نستدعي التراث الديني إلى واقعنا المعاش، لنصلحه ونحسن صنعه بتمثل الأنبياء والأولياء، في مقابل الفهم المعكوس للدين، الذي يريد أن يستلب الواقع باسم الدين، وأن يرده إلى العصور الغابرة، بحثاً عن واقع يراه مثالياً، فيعود بنا إلى الجاهلية مثلاً، مع ما تمثله من تخلَّف وقهر. إن الدين هو لخدمة الإنسان، لا أن الإنسان مسخَّر لخدمة الدين.

وتابع:ومثل هذه الاستعادة الحيّة الحاضرة للتراث الديني تخدم أغراضاً متنوعة وتحقق جملة أهداف، فهي ترسّخ فهم الدين فعلاً بشرياً لا يملك من القداسة إلا بمقدار ما يعبِّر عن الحقيقة ويخدمها ويدعو إليها، وبمقدار ما يقدم من خير للإنسان ويساهم في تحقيق أهدافه السامية النبيلة ومقاصده الرفيعة الخيرة.

شحادة

أما الأمين العام لـملتقى الأديان والمذاهب الشيخ حسين أحمد شحادة، فتحدث عن العلاّمة المجتهد وأنسنة الدين، ومما قاله: تجسدت في شخصية السيد العلمية روح الإنسان وعقل العالم الناقد المهموم بتخليص الثقافة الدينية مما لحق بها من شوائب الخرافة وأمزجة العصبيات المذهبية والطائفية التي أنتجت ظواهر العنف والتطرف والتكفير. وكم كان يكرر علي، عندما أشير إلى عجز الخطاب الديني عن إيصال ما نحن بحاجة إليه من تفسير الدين الإنساني، بأن المجتهد، إذا لم يكن ناقداً لتصحيح معرفتنا بتراثنا الديني، فإنه يتحول جزءاً من أزمة المعرفة بالدين. وإذا لم يكن الخطاب الديني في المستوى الذي يؤهله لاستنهاض الوعي وإجهاض الفتن، فإنه سيظل عاجزاً عن الإسهام في بناء السلم الأهلي وتهذيب الحوار وتحفيز التنمية وإغناء ثقافة المواطنة الكاملة والمتساوية.

واشار الى ان السيد فضل الله لم يخضع لضغوط التموضع المذهبي والسياسي التي أرادتها أشباح الفتن منصات وألغاماً لتقسيم الوطن وتفتيت وحدته، فتجاوز الاصطفافات المصنوعة من تقديس الجهل وغرائزه، ونادى بملء صرخته من أجل سلام الأديان يوم قال: ثمة في مجتمعاتنا قانعون وراضون بما تكون لديهم من صور سلبية عن الآخر تأسست على أفكار مسبقة وخاطئة؛ التعصب مشكلة الحياة عندما ترى نفسك مالكاً الحقيقة المطلقة ولا ترى عند الآخر شيئاً من نقاط الضوء؛ ولا خيار أمامنا في مواجهة هذا الانغلاق إلا بالتواضع المعرفي والحب والتسامح والحرص على الكرامة الإنسانية والقبول بأن الاختلاف هو سرُّ الله في خلقه.

كعدي

والقى الدكتور ميشال كعدي كلمة مؤسسة الثقافة بالمجان، فقال: هذا الذي أقول فيه الليلة، انقطع إلى العلم والفقه، في تقشف الزاهد، فهو يذكرنا بالّذين صلوا في الغار، والإمام الأوزاعي، والأئمة الذين تخرجوا من مدرسة السيد شمس الدين التي تعود بنا إلى القرن الرابع عشر، ومدرسة ميس، والكوثرية. وهو من هو في مدرسة العلامة السيد محمد حسين فضل الله ـ نعم الوالد يا علي ـ أقول لك ولغيرك من هذه المدرسة: أنتم من المعرفة في الباحة العلياء.

وأضاف: أيها الناس، الذي نكرّمه الليلة أحبه الملأ لأنه أضاف إلى نسبه غرّ السمات النبوية، من دون أن ينسى النخوة، والعلم والترفع؛ وأما الرؤية وبسط الصراحة والجرأة فمن عدته وأعداله.

فضل الله

وتمحورت كلمة السيد علي فضل الله حول الوضع اللبناني، والحوار المسيحي ـ الإسلامي. ومما قاله: لقد أرادوا من الدخان اللبناني، ومن دمائنا ودمار بيوتنا، أن يحققوا ما يريدون منا. وعندما انتهت لعبتهم، دعونا إلى التوافق والتلاقي في الطائف وما بعد الطائف. هم أوقدوا ناراً كنا وقودها، وأخمدوها عندما أرادوا ذلك، لكن بعد فوات الأوان. لذلك، ومنذ ذلك الوقت، شعرت مع الكثيرين بأن علينا مسؤولية كبيرة في أن نحمي هذا الوطن من الذين سيكررون التجربة، وسيعملون على العبث بتكوينه، فكان لا بد من إيجاد صمامات الأمان في داخله، بإيجاد شبكة أمان للسلم الأهلي. فهذا البلد سيبقى مستهدفاً من العدو الصهيوني الذي يعمل على تهويد فلسطين، ويرى لبنان نقيضاً له، ويريد للفتنة في المنطقة أن تندلع من لبنان، أو يريد للبنان أن يكون صدى لما يجري في محيطه.

أضاف: لذلك انطلقت من خلال عناوين أساسية قررت أن أشتغل عليها، وهي أولاً: العمل على تقوية الإنسان في هذا البلد، من خلال تعزيز الوعي لديه، بأن نرفع عنه الجهل والتخلف، ونَسدَّ حاجاته، لأن في ذلك المدخل لأي استغلال ممن يريدون العبث بهذا البلد، ولهذا انطلقت في العمل التربوي والثقافي والاجتماعي والإنساني، من خلال العديد من الجمعيات الثقافية والإنسانية؛ حيث كنت أرى أن تثبيت السلم الأهلي داخل لبنان، يتم من خلال المدرسة والجامعة، ومن خلال سد الفقر والحاجة، ومن خلال تعزيز الوعي.

وتابع: أما العنوان الثاني، فهو إعادة الاعتبار إلى الأديان، بأن نعيد إلى الدين أصالته، أن ننقيه مما أدخل إليه. فالدين الذي ينتمي الناس من خلاله إلى الله، لا يمكن إلا أن يكون كما هو الله في عطائه، في حبه ورحمته، لا يعرف حدوداً ولا يميز بين الناس، فشمسه تشرق على الجميع، ومطره ينزل على الجميع، وينابيعه تتفجر خيراً على الجميع، وكل ما خالف ذلك مما ينسب إلى الدين، لا بد من أن يضرب به عرض الحائط.

نعم، نحن نؤمن بالعنف بحدوده، وكاستثناء، لكن لا بد من أن يكون منطلقه وأهدافه الرحمة ومحبة الآخر، لا الحقد والعداوة والبغضاء، كما هو عنف الله مع عباده في العواصف والزلازل والبراكين، لتكون الحياة أفضل».

وأعلن ان العنوان الآخر هو الحوار، الحوار أبداً. والدين لا ينبغي أن يقف عند حدٍ في مقاربته قضية الحوار. طبعاً، ليس هو الحوار الذي اعتدناه، حوار المجاملة أو الديكور، أو حوار تقطيع الوقت، أو الحوار الهادف إلى اختراق الآخر، أو حوار الضعيف مع القوي لأنه ضعيف، فالحوار هو منطق الله مع عباده، حين حاورهم ولم يكرههم على دينه، وهو منطق الأنبياء الذين ينتسب إليهم المؤمنون برسالاتهم، فقد حاوروا كل الناس، حتى الذين شهروا في وجوههم سيوف العداوة، وأرادوا النيل منهم، فالدين لا تتجلى قيمته إلا بزرع بذور الحوار الممزوج بالكلمة الطيبة».

عمرو

وألقى القاضي الدكتور الشيخ يوسف محمد عمرو، كلمة ارتجالية شكر بها الدكتور نعمان على مبادرته الوطنيّة التي تذكّرنا بتكريم جونيه وأهالي كسروان للإمام السيّد موسى الصدر في السبعينيات من القرن الماضي. وبمواقف جونية الوطنيّة أيام الرئيس اللواء فؤاد شهاب عندما تابعت دراستي بها في متوسطة حارة الصخر الرسميّة العام الدراسيّ 1962 ـ 1963م. وغيرها من مواقف نعرفها جيداً نحن أبناء فتوح ـ كسروان. وتكريم العلاّمة هو تكريم للقيم والمُثل العليا للأخلاق وللوحدة الوطنيّة بين اللبنانيين التي يمثلها سماحته، حفظه الله تعالى.

شهادة وكتب مجانية

وسلّم كل من المضيف الدكتور نعمان، ورئيس بلدية جونيه واتحاد بلديات كسروان ـ الفتوح الشيخ جوان حبيش، العلامة فضل الله شهادة الاستضافة والتكريم.

بعدها، تمَّ توزيع مجاني لآخر إصدارات مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان ودار نعمان للثقافة، وكتب لكل من الأديبين جان كميد وإميل كبا. كما جال الحاضرون في مكتبة المجموعات والأعمال الكاملة وصالة متري وانجليك نعمان الاستعارية.