فارس البطولة الدكتور زخيا الخوري

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم الأستاذ شربل الخوري

حين يتكلّم جرح الفراق، تتوهّج كلّ الأحاسيس وتنساق في وحدة شعوريّة تتصدّى لموازين العقل والمنطق، فترى حقائق الحياة واضحة جليّة، وتعلم أنّ الخسارة لا تقتصر على الجسد الفاني، بل تتعدّاه إلى المساحة الإنسانيّة التي أعدّت بالفطرة لتلك الروح المحكومة بالانفصال، عاجلاً أم آجلاً، منذ كينونتها في السجلّ الإلهيّ، وقد سطّرت خلودها في ذلك السجلّ العظيم إلى يوم القيامة.

يوم أشرقت شمس العام 1952، أطلّ على الوجود في قرية جنجل الجبيليّة، صبيّ لعائلة يوسف زخيا الخوري من فدار التحتا، دعي زخيا تيمّناً بجدّه لأبيه، قدّر له أن يكون فارس البطولة الحقّة، في وطن، رغم حبّك له، يقدّم لك الحياة منذ نعومة أظفارك، على طبق من الشوك والألم والمعاناة.

في كنف الوالدين نما وترعرع، وبمعيّة ثلاث أخوات جوزفين وجورجيت وعيدا، وثلاثة إخوة شربل وريمون وجورج، انطلق يبني للمستقبل الموعود، ملبّياً رغبة الوالدين في تحصيل العلم والمعرفة، بقناعة أنّ الحياة لا تستقيم إلاّ لحاملي لواء الجهاد المرسوم على الجبين. احتضنته مدارس جبيل طالباً ديناميكيّاً يلهف للثقافة والصداقة، فنسج صداقات متينة مع كوكبة من أترابه المثقّفين، دامت حتّى النفس الأخير، وعبر بها المناطق والطوائف نحو المجتمع العلمانيّ المنفتح والراقي، بعزيمة لا تقهر، وفي تحدّ مشرّف لامحدود لعوامل اقتصاديّة قاسية، وعادات اجتماعيّة بالية، وسياسات ممهورة بالطابع الطائفيّ البغيض، نشأت وترسّخت إبّان الحرب اللبنانيّة المشؤومة، وخلالها، وبعدها، والتي لا تزال، يؤجّج نيرانها ذوو النفوس الرخيصة، إمعاناً منهم في حجب واقع الصراع الحقيقيّ، للحفاظ على عروشهم الوهميّة في امتلاك زمام الأمور في البلد.

في ظلّ هذا الواقع المرير، لم يعرف اليأس إلى قلب ذلك الفارس وعقله سبيلاً. قادته روح التمرّد والعنفوان والطموح إلى بيروت، ناشداً فيها أجواء من السكينة والأمان. وأنّى له أن يحظى بالسكينة والهدوء، وهو المواطن المتألّم لما يتخبّط به أبناء وطنه الذين مزّقتهم المؤامرات والفتن، وقد وجد في «المنتدى القوميّ العربي» ضالّته المبتغاة: واحة سلام فكريّ ومتنفّساً رحباً للنضال. وتجسيداً للأمانة النضالية، كرّمه «المنتدى القوميّ العربيّ» في 18/1/2018 مقدّماً له درع الوفاء والتقدير. ومن بيروت، يمّم شطر رومانيا راغباً في التخصّص في طبّ الأسنان، وكان له ما أراد.

سنوات معدودة مضت، عاد الفارس المغوار إلى ربوع الوطن، إلى مدينته العزيزة جبيل، إلى أهله وأصدقائه وأحبّائه. لم يكن فخره بنفسه أنّه تأبّط شهادة جرّاح في طبّ الأسنان فحسب، بل كان ما أنجزه بعصاميّة قياسيّة، وثقة قلّ نظيرها، وسيلة سامية لترجمة النزعة الإنسانيّة والأخلاقيّة المتأصّلة في كيانه. لم تكن مهنة الطبّ لديه يوماً مجرّد أداة تكسّب، رغم مشروعيّة ذلك، ورغم كونها المصدر الأساسيّ لعيشة كريمة لائقة، في حدودها الدنيا، إنّما كانت، إلى ذلك، باباً مشرّعاً يدخله كلّ من قست ظروفه، وحالت دون تأمين العلاج المطلوب، ثمّ يخرج منه مرفوع الرأس موفور الكرامة، لأنّ أخاً له في الإنسانيّة يدعى الدكتور زخيا الخوري، قد شدّ على يده، وأظهر له أنّ العطاء من القلب هو من طبع الذين يفهمون المعنى الحقيقيّ للوجود.

عيادته الحزينة المترنّحة لغيابه، تشهد على ما نقول، وكلّ آلة فيها قد حباها لمسة إنسانيّة سرت في معدنها الصلب، فاكتسبت من يده عاطفة ومهارة. ولكأنّها ضاقت به تلك العيادة، فتوجّه بفرح واندفاع، إلى مستوصفات عدّة، في المعيصرة، في الصوّانة علمات، في مشمش، وفي كلّ حيّز تطلبه فتجده على أهبة الاستعداد، تلبية لرغبة عميقة في الخدمة الطبّيّة السمحاء.

ولأنّ القلب يختزن كتلة المشاعر المرهفة، طاب له الركون إلى قلب فتاة استهواه جمالها، وخفّة ظلّها ودماثة أخلاقها، فكانت السيّدة هدى خليفة ابنة بجّه، وعد الحياة المنتظر. معاً واجها الظروف بحلاوتها ومرارتها، ثنائيّاً صامداً يغالب عواصف الزمان التي اختطفت الوالدين، وشقيقه ريمون فتى يافعاً في دنيا الاغتراب. معا شيّدا منزل أحلامهما في حبوب، وقد غدا ملتقى الأهل والأصدقاء، سهراً ومناسبات متبادلة، ومقرّاً مرموقاً لدواعي الاجتماع تطمئنّ إليه المصلحة العامّة للجماعة في الجوار والمحيط. ومعاً تكرّم الخالق عليهما بـ «جنى» أجمل زروع الحبّ، وأغلى ما تطمح إليه العائلة المتواضعة السعيدة. «جنى» في ربيعها الخامس عشر، كم حلمت أن تهدي أبويها وروداً سماويّة تعبق بالنضارة والغد الواعد من حديقة الله، وإذ بها تزيّن بباقة من ورود صباها نعش والدها الحبيب ـ سبحانك اللهمّ أنت القدير الحكيم ـ وأملنا أن تزفّها الوالدة عروساً، فتقرّ بها عينا الوالد في عليائه.

إنّ الصعاب تشحذ الهمم، والروح الصلبة لا خيار لها سوى أن تستجيب. هذا هو الدكتور زخيا، موزّعاً أبهى عناصر الشخصيّة ذات الحضور اللامع: العطاء، طيب المعشر، حسّ الفكاهة، المشاركة الوجدانيّة، الرأي الحرّ والموقف الجريء... حيث دعت الحاجة وناداه العمل الاجتماعيّ المتعدّد المستويات والمتطلّبات.

لقد أحبّ فدار التحتا مهد أجداده ومثواهم حتّى الثمالة. ولكم آلمه ان يستكثروا على قريته هذه، مظاهر الحضارة من طريق وكهرباء وعمران. غير أنّ ما تحقّق من هذه المشاريع كان له النصيب الوافر من جهود بذلها مع ثلّة من المخلصين الذين تجنّدوا لأجلها. أمّا حبوب التي احتضنت منزله العائليّ وأقاربه ومعارفه، فقد شارك في نهضتها منتسباً إلى ناديها الرياضيّ والثقافيّ، وشاغلاً منصب الرئيس فيه ردحاً من الزمن، حيث أحيا مع رفاقه المباريات الرياضيّة والمهرجانات التراثيّة المتمثّلة بالدبكة وشبّابة القصب والأغاني الشعبيّة. ولم تكن بيبلوس المدينة العريقة بمنأى عن اهتماماته وهواجسه، فقد أسهم في تأسيس اللقاء الوطنيّ في جبيل، وكان عضواً بارزاً وفعّالاً، شغل فيه منصب أمين العلاقات العامّة. واللقاء الوطنيّ حركة فكريّة إنسانيّة تعنى بالشؤون الوطنيّة وقضايا العدالة وحقوق الإنسان. كذلك حدّث عن عائلة الخوري حنّا التي ينتمي إليها، فقد انتسب إلى جمعيّتها وترأّس هيئتها الإداريّة لسنتين. وكم كان يتوق أن تكون في مصاف التنظيمات الراقية البعيدة عن العشائريّة، والمتواصلة بعمق مع العائلات البنتاعليّة والجبيليّة. وحسب هذه العائلة فخراً أنّه أوّل طبيب فيها، والسبحة تكرّ. هذا الطبيب المدرك لأبعاد مهنته، شارك في تأسيس «تجمّع أطبّاء جبيل»، وانتخب سابقاً رئيساً له، وحين عاجلته المنيّة، كان أمين سرّه، وخير ممثّل للتجمّع في «نقابة أطبّاء الأسنان» في لبنان، ناهيك عن مدّ جسور التواصل مع زملاء له في العديد من الدول العربيّة.

طبيباً كنت، وفارساً اجتماعيّا لا يغريه التكريم، وقد نلته في حياتك بكلّ جدارة. داويت الأسنان والقلوب وقضايا المجتمع الإنسانيّة، داويتها جميعاً حتّى ضجّ قلبك الذي أنهكه ثقل الرسالة وكثافتها، فأعدّ لك جواز السفر. نم هنيئاً، فكلّ منا على شاطئ الحياة ينتظر قدوم السفينة.

مشحلان في 27/8/2018