وداع الأحبة: جنود مجهولون من المعيصرة

4/1/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم: رئيس التحرير

عندما انطلقت ليلة الجمعة مساء اليوم الثاني والعشرين من شهر تشرين الأوّل 2015م. المصادف لليلة التاسع من شهر مُحرّم 1437هـ لتعزية أبناء المرحوم محمود الحاج حسن الحاج مُسلم عمرو بوالدهم بمنزلهم في المعيصرة ـ فتوح كسروان. تذّكرت الأيام التي قضيتها مع «أبي صلاح» المواطن الصالح ومع زميليه المرحوم حسين علي مُسلم مرعب «أبو خالد» والمرحوم محمد الحاج عباس عمرو «أبو بلال» في خدمة جامع المعيصرة القديم. والتي أثبت بها هؤلاء الأخوة الكرام، أنّهم الجنود المجهولون في الأرض والمعروفون في السماء.

أ ـ مع «أبي خالد» حسين علي مسلم مرعب

معرفتي بأبي خالد كانت من خلال المرحوم والده «أبو حسين» الذي كان يزورنا ويحدّثنا عن الإمام السيّد موسى الصدر وعن أرحامنا آل أبي حيدر وآل قيس وآل مرعب في الحصون وبيروت وضاحيتها الجنوبيّة. وعن شغفه وحبّه للصيد وعن رحلاته في هذا السبيل وفي عام 1967م. عندما إقترحت على أهالي المعيصرة رفع الأذان في المسجد وشراء مكرﭬون ولوازمه لأجل ذلك، طلب مني أن أقوم برفقته لزيارة أرحامنا من آل أبي حيدر في الأشرفيّة من سكان حي مستشفى أوتيل ديو وحي السريان لطلب التبرعات لهذا العمل.

وهكذا كان، حيث جمعنا قرابة المائة ليرة لبنانيّة أو أكثر لهذا العمل وكان أكرمهم وأشدَّهم ترحيباً المرحوم الحاج علي أفندي محسن أبي حيدر الذي تبرع لنا بخمسة وعشرين ليرة لبنانية.

كما أنَّ المرحوم «أبو خالد» ذهب معي إلى محلات الأرزوني في منطقة رأس النبع ـ بيروت لشراء المكرﭬون ولوازمه عدّة مرّات. وقد إقترحت آنذاك على الأهالي أن يدفع كل منزل من منازل المعيصرة 450 قرشاً لبنانياً كهدية للخادم كل ثلاثة أشهر، وكانت المعيصرة في عامي 1967 ـ 1968 قرابة الثلاثين منزلاً فالتزم عشرون منزلاً منها بهذا الإقتراح لمدة ثلاث سنوات.

حيث كانت حصيلة ذلك خمساً وأربعين ليرة لبنانية كل شهر. وكان يسدد النقص الحاصل لأبي خالد المرحوم الحاج «أبو حسام» عبد المنعم عمرو مع هدايا أخرى من الشاي والقهوة ونحوها. كما قدّم له المرحوم «أبو مشهور» الحاج عدنان محمد حسين عمرو السكن مع عائلته مجاناً خدمة للمسجد. كما تكلّمت عن ذلك بالتفصيل في كتاب «التذكرة أو مذكرات قاضٍ» ج1، ص 95، ج3، ص 160، وفي عام 1971 حدث سوء تفاهم بين أبي خالد وبعض الأهالي مما دفعه لترك المعيصرة. وقد قام بخدمة المسجد ورفع الأذان بعده المرحوم الحاج حسين حسن عمرو «أبو فيصل» وعائلته، والمرحوم الحاج عدنان محمد حسين عمرو وعائلته تَقرباً إلى الله تعالى ودون مقابل. مع العلم أنّ مفتاح المسجد وخدمته كانت من حصة المرحوم الحاج «أبو فيصل» وعائلته منذ عام 1959م. بعيد وفاة معلم القرآن الكريم الشيخ مصطفى الحاج حسين محمد عمرو في عام 1959م.

وبعد إنتقال «أبي خالد» مع عائلته إلى الشياح وتركه للمعيصرة في سنة 1971م. لم ينس أرحامه وقريته المعيصرة أبداً بل كان دائم الزيارة للمرحوم والده ولشقيقه المرحوم محمد وتفقد صحتهما وشؤونهما وشجونهما. وكذلك زيارة أرحامه في المعيصرة والحصون في جميع المناسبات إلى أن فارقنا بعد مرض عضال في الثاني من شهر كانون الثاني سنة 2005م. وَدُفِن في جبانة المعيصرة بناءً على رغبته q.

ب ـ مع «ابي بلال» محمد الحاج عباس عمرو

وبعد أن وفقنا الله تعالى للإنطلاق في تأسيس المؤسسة الخيريّة الإسلاميّة لأبناء جبيل وكسروان بالتعاون مع صاحبي الفضيلة الشيخ محمد حسين عمرو والشيخ عصمت عباس عمرو وسائر الأخوة الكرام من المؤسسين قمت بالتعاون مع صاحبي الفضيلة الآنفي الذكر ومع مؤسسة الشهيد في أعوام 1983 ـ 1984 ـ 1985 ـ 1986م. وبالتالي التعاون مع جمعية الإمداد الخيريّة الإسلاميّة لغاية عام 2002م. لتوظيف بعض المؤمنين الصالحين الّذين تنطبق عليهم الشروط الشرعيّة لجمعية الإمداد للمساعدة الشرعيّة. في خدمة أكثر من عشرين مسجداً في قضاءي كسروان وجبيل غير أنّ الشروط المطلوبة في «أبي بلال» كانت تنطبق عليه من خلال مؤسسة الجرحى لتعرّضه لشظايا قذيفة في سوق الخضار بالشياح كادت أن تودي بحياته. كما كنت أقوم بمساعدة بعض أولئك الصالحين من مؤسسة الخدمات الإجتماعيّة للعلاّمة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (قده)، لإنطباق الشروط الشرعية عليهم. وبعد إستقالتي من المسؤوليّة عن مؤسسة سماحته (قده)، في قضاءي جبيل وكسروان بسبب إنتقالي إلى محكمة طرابلس الشرعيّة الجعفريّة في عام 1991م. طالب «أبو بلال» بزيادة مائة وخمسين ألف ليرة لبنانيّة كل شهر لحاجته لذلك نظراً لغلاء المعيشة. فلم نستطع الإستجابة له نظراً لضعف الحال وقلة المال!.

فقدّم إستقالته بعد قيامه بخدمة جامع وحسينيّة المعيصرة أكثر من سبع سنوات أفضل خدمة. وكان مثال المؤمن الصابر الصالح الذي أحبّه جميع الأهالي وبادلهم الحُبَّ. وقد وافته المنيّة في 26 تشرين الأوّل سنة 2003م. ودفن في جبانة المعيصرة بناءً على رغبته q، بعد معاناة طويلة مع المرض.

ج ـ مع «أبي صلاح» محمود الحاج حسن عمرو

وقد وافق «أبو صلاح» على خدمة الجامع والحسينيّة بالمبلغ الصغير المقرر له بعد إستقالة «ابي بلال» وقام بذلك قرابة عشر سنوات بالإضافة إلى عمله السابق من قبل الأهالي وشركة مياه الفتوح بالمحافظة على حصصهم من شركة المياه وسهره على ذلك مقابل أن يدفع له كل مُشترك في السنة ما يقارب الخمسة عشر ألف ليرة لبنانيّة،

وقد حدث بعد السنوات العشر التي قام بها بخدمة المسجد، سوء تفاهم مع بعض الأهالي بسبب المياه والكهرباء ممّا دفعه للإستقالة من جميع مسؤولياته واعتكافه في منزله رهين المرض والحزن.

 

وبعد، إنّ شعورنا بالمسؤولية التي قام الرجال الثلاثة الآنفو الذكر في خدمة المسجد والحسينيّة ورفع الأذان وخدمة المصلّين تقرباً إلى الله تعالى. والمحافظة على المسجد والحسينيّة طوال السنوات الماضيّة مقابل أجور رمزيّة لا تقوم بالأود لهو واجب ديني ووطنيّ. وعملاً بالآية الكريمة:}إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{ سورة التوبة، آية 18.


حسين علي مُسلم مرعب

محمد الحاج عباس عمرو

محمود الحاج حسن عمرو