ما بعد العاصفة في وداع إبراهيم

18/5/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم والده الأستاذ يوسف حيدر أحمد

إستسلمنا للمشيئة الإلهية بصبر وحزن وتعاسة، لكننا سمحنا لأنفسنا التفكير بالمستقبل، فهل يُعقل أن تتوقفَ عجلة الحياة إذا توقفت حياة إبراهيم عن المسير؟ إذا فعلنا ذلك فليس أمامنا سوى الجنون، أو الإحباط النفسي، أو الإنهيار الجسدي، أو الإنتحار وهل يُعقل ذلك؟

أليس من الأفضل أن ننصرف إلى ذواتنا، وننظر إلى المستقبل بعين الأمل والرجاء، وأن يكون في القلب والعقل قناعة بأنّ من يَهبَ أول مرة، قادر على أن يعطي في المرة الثانيّة. ومن ذا الذي يَدَّعي بأنّه أكرم من الله، أليس هو المبدئ والمُعيد، وله في خلقه شؤون...

إذاً لا وقت للمراوحة، لأنّ الزمن لا يرحم.

وإنطلقت مُقتنعاً ومُقنِعاً أم إبراهيم، بأنّه من الظلم السير القهقرى على دروب الحياة ما دامت الأبواب مفتوحة أمامنا، وربما كان الغدُ باسماً.

ويظهر أنّ أم إبراهيم إقتنعت بوجهة نظري، بدليل أنّها ذهبت معي في اليوم التالي بعد وفاة إبراهيم، إلى عيادة طبيبها الخاص لأنّها كانت تشكو آلاماً في بطنها ورجليها وصُداعاً في رأسها. وبعدما فحصها الطبيب قال بأنّ وزنها قد تراجع كيلوغرامين عن الشهر المنصرم بدل أن يتقدَّم. وهذا حتماً يضُرُّ بصحتها. والأولى بصحة جنينها. ووصف لها أدوية مُغذيّة وبعدما علم بوفاة ابراهيم والذي وًلِدَ على يديه مما كانت أم إبراهيم تعانيه بعد رحيله، أشار عليها بالإبتعاد عن جو المنزل لبضعة أيام.

وبناء على طلب وإلحاح أهلها بإصطحابها معهم إلى الجبل وشجَّعتها على ذلك مُعللاً موقفي بعدم مُرافقتها بأنني لا أستطيع ترك منزلنا لأنّ النّاس ما زالت تزورنا مُعزيّة ليل نهار.

وذهبت مع والديها إلى الجبل. لكن والديَّ لم يتركاني وشأني فقد نامت أُمي إلى جواري حتى لا أشعر بإنكسار ووحشة، بيد أنَّ ذلك لم يحل دون أن اختلي بنفسي، لأُنعم النظر في صور إبراهيم وأحذيته وألعابه، الآلة الموسيقيّة، وأن أشمَّ بعض ثيابه التي ما زالت رائحة عرقه فيها.. وسريره الذي يقبَعُ حزيناً في زاوية الغرفة ينتظر عودته التي اختلسها الموت منه. أمام كل هذه الأشياء الغاليّة على نفسي، لم أكن استطيع أن أصف ما يُخالجني من أحاسيس إلاّ ما إنعكس منها غصّة في الحلق، ودموع تترجرجُ في العين، ونارٌ تتأجج في القلب.

ويمرُّ أسبوع وأرى بعض الشرود على وجه أم إبراهيم، فأحدس أنّها تعاني بركاناً من الحزن يتفجَّر في داخلها، وإن دلَّ ظاهرها على السكينة. وقد أبلغتني في بعض الأوقات بأنّ الدنيا بعد إبراهيم أصبحت تافهة، ولم تعد تساوي جناح بعوضة. تأكد لي ذلك من خلال بعض الكلمات الكئيبة التي دوّنت فيها خواطرها فشعرت بتهيّب أمام محراب مناجاتها وهي ترتل صلاة الأم الملائكية، التي تهديها إلى ملاكها الصغير الراحل.

إلى الأحب على قلبي

إلى العالم كلِّه

إلى قلبي الصغير(برهوم)

لا أعرف لماذا أصبح شيء مني كابوساً

شيء أحسَّهُ يُطاردني، يغتصبُ السعادة والأمان مني أراه يُطبقُ على أنفاسي، يَسرُقُ إبتساماتي وسعادتي

يا بُني: منذ اللحظة الأولى سعدتُ بِكَ في أحشائيّ، وترقبتك بفرحيّ، ورحت أحسبُ الأيام والشهور بإنتظارك، وعندما تباركت عيناي برؤيتك أدركت حُبِّي وشغفيّ بك.

رأيتك تُدغدغ قلبيّ، تملأ عليَّ حياتي.

يا أُمي! يا كل النّاس، ماما: هل أعيش حتى أسمعها

برهوم! البيت كقلبي حزين، البيت مُوحش. ساكن فيه رهبة غريبة.

كما رحت أتأمل.. أنصت إلى سمفونيّة الأم الخالدة، وهي تسْكُبُ فيها لواعجها تفَجُّعاً على فراق إبنها الوحيد.

برهوم صوتي يختنق، صوتي جريحٌ يا حبيبي.

بإكتمال عامك الأوّل إكتملت أحزانيّ، وانتصب ملك الحزن على عرشه يهدأ بي.

العابُك، ثيابُك، حذاؤُك الأحمر لا تفارقُ قلبيّ

تنهُّداتك تقتلني، تقتلني كل ليلة، صورتك تميتنيّ

لن أنسى أسنانك الأربع عندما تضحك

لماذا ملاكي تريدُ الرحيل، ترفض الحُضن الذي رباك

على سريري تستيقظ كل ليلة

يا أحزان اسكني في قلبي لأنّ فيه قبرُ حبيبي حيث ينام

سامحني وساعدني يا عصفوري

إشتقت إليك إلى ضمِك أن أشمَّ رائحة ثيابك

أراني أتعشقُّ رائحة ثيابك كالمُخدر، أقبِّلُها، أُبلِّلُها بدموعيّ

لا أُصدِّق أنّك كل ليلة، بقربي لا تنام.

وكان حنان الأم الخالد يتدفق بحرارة مُتماهياً ومقام المُعاناة. كأنشودة مساء حزينة تتهادى على إيقاع مواكب جنائزيّة.

هذه هي المعاناة الإنسانيّة التي كانت أم إبراهيم تكتمها بصمت، وخفيّة عن الأعين. وقد صارحتني في بعض الأيام بُعيد رحيل وحيدها برهوم أنّها كانت تفكر بالإنتحار في ما لو أصاب وحيدها مكروه. يبدو أن المحن المُتكررة والمتلاحقة التي أصابت برهوم في مراحل حياته الأخيرة والقصيرة، وما كانت تشاهده في هذا المستشفى من مصائب ووجود الجنين الذي كانت تحملُه في رحمها، كل ذلك مجتمعاً جعلها تمتص الصدمة على جرعات فأصابها شيء من الخدر دون أن تفقد صوابها وتوازنها...