رحلت ذات الوجه المسكون بالتواضع والأنفة الحاجة أميرة علي حسن عمرو

20/1/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم مستشار التحرير الدكتور عبد الحافظ شمص

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) سورة العنكبوت، 56 ـ 57 ـ 58 ـ 59.

عندما ينفصل المخلوق عن قراره المكين ويبرز إلى العالم بشراً سويّاً، يسجد العقل أمام دقائق صُنْعِهِ وعجيب خصائص أجهزته. ذا حواسّ مُرْهفة وإدراكٍ به يتميّز عن سائر المخلوقات، ينعم في معيشته ويسير كادحاً في الأرض حتّى يحين أَوان حَصاده فيعود إلى الأرض لتضمّه إلى بطنها كما ضمّت الأوَّلين إلى يوم الدّين، إلى الوقت المعلوم..

تغيب الحاجّة أميرة علي حسن عمرو، يأخذها الليل بهدأَته.. ترحل ذات الوجه المسكون بالتواضع والأنفة، ينطفئ قنديل زيتها... ولكنّها ستبقى في ذاكرة أبنائها ووالدتها وأخواتها، ولن تغيب مزاياها عن أحساسهم ومشاعرهم التي وضعها اللهُ فيهم...

عُذراً أيُّها الموت، فإنّه لم يعد لي على أمواج الحبر بقايا تُذكر... ولكنّني على ما بي وأنا في هذا المقام وبمناسبة أليمة، أكتب نواحاً يصل إلى ملكوت الفقيدة الغالية الحاجّة أمّ محمد وبهجت وعادل وعلي وتغلب عبد الوهاب عمرو، التي خصّها الله باختيار أبديّ أزليّ، كما خَصَّ الذين واللواتي قبلها، وكما هو حال مَنْ في الدُّنيا يعيش إلى حين... وأتقدّم من أشقائها الأعزاء فضيلة الشيخ عبد اللطيف وجندل وأدهم وفوّاز وعرابي ومن أخوالها جميعاً بأحرّ التعازي.

إنَّ أصعب المواقف، تلك التي تقفُها في حضرة الموت... إذ أنّ للموت رهبة لا تفضلها سوى رهبة التأمُّل فيه، ولن يتمكّن الإنسان، مهما أوتي من علمٍ ومعرفة من مقاومة تَسَللُّ فكرة الموت إلاّ بكثير من الإيمان والإرادة الصّلبة.

وبالمطلق فالإنسان يستمرّ بما يترك من آثار أو ذريّة صالحة، تشهد وتدعو له... والمرحومة الحاجّة أميرة تركت إرثاً عظيماً من الأبناء والسُّمعة الحسنة. وهي عرفت كيف تحوز على رضى الله تعالى في حياتها. وهي التي عملت على تنشئة أفراد عائلتها تنشئة فاضلة فأثبتوا جدارتهم ومثاليتهم ونجاحهم في الحياة...وإنّه الموت الذي يفاجئ الخلق ويقضي على أحلامهم وآمالهم حيث الوقت المحدّد والسّاعة الآتية... وتتّصل الحلقة بالحلقة لتكتب عبارات الحياة وعناوين الزّمن... وممّا لا شكّ فيه ولا رَيْب أنّ العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته. وأنّ وجود شيء من الممكنات مَنوط بمشيئة الله وقدرته، فإن شاء أوجده وإن لم يشأ لم يوجده...

ولا شك أيضاً أنّ علم الله قد تعلّق في قلوب وعقول المؤمنين، ويُعَبّر عنه بالإرادة... والكون أعظم من أن يحدّه عقل... والموت ليس زائراً غريباً، بل هو داخل في نسيج كلّ إنسان منذ لحظة تكوّنه الأولى... واكتناه ظاهرة الموت لا قدرة لأيّ إنسان على بلوغه... وطالما أنَّ الكلَّ أمام الموت هو واحد، فإنّه يبقى علينا أن نتحمّل هذه المشيئة ونرضى بما أمرَ اللهُ به من غير احتجاج أو غضب.

ما أصعب أن نرثي امرأة صالحة في مثل هذه المناسبات الأليمة... وما أقسى على النّفس أن يفقد الأبناء أُمّاً صالحة وعزيزة وبعمر غير متقدّم، ولكن وحيث أنّ الموت بما هو حالة له دلالات مختلفة ومتنوّعة، يكون وقعه مختلفاً على الرغم من سطوته القاسيّة والمؤلمة...

فمن لهفة القلوب المستوحشة المشتاقة نتذكّر المرحومة الحاجّة أميرة وندعو لها ونطلب إلى الله تعالى أن يرحمها وَيُسكنها فسيح جنّاته مع الأبرار والصالحين والصالحات المؤمنات...

رحم الله الفقيدة الكريمة وإننّا نتقدّم بأحرّ التّعازي من ولدها الزميل العزيز الحاج محمد وإخوته وأخواله ومن الجميع ونسأل الله لهم دوام البقاء وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.