مع رحيل العلاّمة القاضي السيّد أحمد شوقي الأمين (قده)

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

 

بقلم العلاّمة المستشار السيّد محمد حسن الأمين (1)

إنّ وفاة العلاّمة السيّد أحمد شوقي الأمين تجعلنا نتوقف للتأمّل بين الجيل الذي ينتمي إليه علماء جبل عامل وبين واقعنا الراهن، ويكاد يكون الفقيد هو من أواخر جيل الخمسينيات والستينيات وما فوقها، وهو ممن درسوا في حوزة النّجف الأشرف لمدة تتجاوز العشر سنوات، وكان سلوكهم في إبان هذه المرحلة سلوكاً مميزاً بأخلاقه وعلاقاته الواسعة، وقد حظي بإحترام وتقدير أساتذته وزملائه، وقد اكتسب من خلال مكوثه في حوزة النّجف القِيمَ والتقاليد الأصليّة خُلقاً وديناً، وكان يلتفّ حوله مجموعة من طلاب العلم، ويعتبرونه أخاً أكبر ورائداً لهم، وكان يحتضنهم احتضان الأخ الكبير لأخوته وأبنائه.

وحينما إنتقل من النّجف إلى لبنان، في أوائل الستينيات، كان الجو العلمائيّ العام ما زال جواً تقليدياً، وكان هنالك تشديد ضد أنماط من السلوك، كما على سبيل المثال أن يقود رجل الدين سيارته بنفسه، وأن يدعو لإقامة ندوات في المجال الفكريّ والدينيّ من موقعه في إدارة المدرسة الدينيّة في صور، التابعة لآية الله الشيخ موسى عز الدين (قده).

وكان يرى أنّ الأساس في تنشئة جيلٍ صالحٍ وفاعلٍ على المستويين العلميّ والدينيّ الأخلاقيّ لا يكون إلاّ من طريق التربيّة، فلذلك سارع إلى إفتتاح مدرسة مدنيّة وفق مناهج التعليم في المدارس الرسميّة، ولكنّه كرّس فيها الدروس الدينيّة، وقد اعتمد في ذلك على مجموعة من الأساتذة المتنورين دينياً من رجال دين ومثقفين إسلاميين، والحقُّ أننا لمسنا ونلمس في واقعنا الراهن أهميّة النتائج التي نجمت عن هذا المنهج.

وكان بالإضافة إلى جهوده هذه يعمل في القضاء، فكان قاضياً لمدة طويلة من الزمن، لكنه لم يقتصر في نشاطه على هذه الوظيفة التي أكسبته احترام الجميع، لتمتعه بمزايا القاضي العادل والنزيه، ثُمّ تفرّغ، بعد تقاعده ، لرعاية المدارس التي أقامها، وأصبحت مجموعة بعنوان (مدارس الأمين)، وما زالت هذه المدارس قائمة، وهي تقدم أفضل النتائج في الإمتحانات الرسميّة بالقياس إلى مدارس أخرى.

وحري بالذكر، بعد هذا الكلام الموجز عن سيرته، موقفه الوطنيّ الدينيّ المتميز تجاه المقاومة، وضد الكيان الصهيونيّ، الأمر الذي جعله الهدف الأوّل للإعتقال من قبل الإحتلال الإسرائيليّ عام 1982م. وقد أمضى مدّة غير قصيرة في سجون العدو، الذي لم يستطع بعد مرور هذه المدة الطويلة أن يبقي عليه مسجوناً، وذلك بسبب الإحتجاح القوي من قبل أهالي منطقته، ومن قبل رجال الدين، ولكنه أوذي في نفسه، وفي بيته، ومع ذلك استمرّ في خطه الجهاديّ، دون أن ينتمي إلى تنظيم أو حزب معين، كان انتماؤه إلى المقاومة بكل صورها وأشكالها.

ومن المؤسف أنّ بعض الحركات، حتى المقاومة منها، تجاهلت هذا الدور، ولا أعتقد أنّ هناك سبباً مشروعاً لهذا التجاهل إلا الروح الحزبيّة والتعصب للحركات والأحزاب التي ينتمون إليها.

وفي سنواته الأخيرة أقام في بلدته مجدل سلم، وكان بيته مزاراً لوجهاء المنطقة وعلمائها، وللمحتاجين والفقراء تقديراً ومحبةً واحتراماً...

ورغم تقدم سنه ظلّ يشارك النّاس في أفراحهم وأحزانهم، لذلك ولغيره من المآثر التي لم نذكرها لضيق الوقت، كانت وفاته حدثاً لاعاملياً استثنائياً، ظهر ذلك من خلال تدفق الوفود والجماعات زرافات ووحداناً، لتشييعه وكذلك كان يوم تأبينه.

وبالتالي فهو نمط من علمائنا الكبار الّذين تركوا بصماتهم المباركة على شعبهم.

وبعد، فالعلاّمة السيّد أحمد شوقي سيظل ينظر إليه كشخص من الرجال الإستثنائيين، ومن العلماء المتميزين ومن بين الّذين سبقوه إلى الرفيق الأعلى، وكان ينطبق عليه قوله تعالى: }إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء{ سورة فاطر، الآية 28. وأشهد أنّه كان يخشى الله تعالى، ولا يعمل إلاّ بموجب ما تمليه عليه فطرته السليمة ودينه القويم.

 

الهوامش:

كلمة المستشار العلاّمة السيّد محمد حسن الأمين في ذكرى ابن عمّه في حسينيّة مجدل سلم ـ قضاء مرجعيون يوم الأحد الواقع فيه 16/7/2017م.

ـ مجلة «إطلالة جُبيليّة» ورئيس تحريها ومديرها المسؤول ومستشاروها وهيئة تحريرها يتقدّمون بالعزاء لآل الأمين الكرام ولعلماء جبل عامل ولمجلة «شؤون جنوبيّة» ومرشدها العلاّمة المستشار السيّد محمد حسن الأمين بالراحل الكبير «وبقاضي جبيل الشرعي الجعفريّ لأكثر من عشرين عاماً» سائلين الله تعالى له الرحمة ولأرحامه وأصدقائه حُسن العزاء. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.