قصة قصيرة - الوادي المقدس

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم الأستاذ هيثم عفيف الغداف

كعادته في كلّ صباح، يمضي وسام الى عمله باكراً في المدينة، فهو يقطن في الريف، على مقربة من الوادي المقدّس بالحبِّ حيث يفد الناس سنوياً يوم الأحد الأول من موسم الحصاد لتقديم الحبِّ والوفاء الى الطبيعة الأم ويحمل كل قادم شجرة صغيرة يزرعها بالقرب من ضفاف النهر ويداوم على زيارتها في كل عام.

وسام، أنهى عمله باكراً، فاليوم السبت وغداً يوم حافل وعليه الاستعداد واختيار الشجر له ولعائلته. في الصباح الباكر، قبل طلوع الشمس، ذهب وسام مع زوجته وولديه حاملين بعضاً من الطعام وأربع شجيرات صنوبر ورفشاً ومعول. عند أطراف البلدة تقدَّمَ نزولاً على الدرب المنحدر، تارةً يطوي الشوك برجليه وأخرى يحيّدُ الأغصان الشائكة عن مسير العائلة أو يتكئ على رفشه عند المنحدرات الزلقة. لم تكن المسيرة سهلة لكنها كانت مُمتعة، تخللها استراحة قصيرة تبادلوا بها قصص الأولاد في المدرسة والسكن الجديد وغيرها من كلام.

عند شروق الشمس وصلت جموع القرويين الى ضفاف النهر قرب الينبوع واستهلَّ الكلام أحدهم مرحبّاً بالقادمين بشكل عام وبالسيد وسام وعائلته بشكل خاص.

بدأ الناس عملهم المُعتاد غير سيدة منهم أخذت ترقص وتدور حول شجرتها الستينية، هي «خريف» معلّمة الموسيقى في القرية، تقاعدت منذ زمن وقد اختارت في ما مضى ألا ترتبط إلا بالموسيقى رغم حُسنها آنذاك ولم يَبقَ لها من الماضي الا شجرة الحور أثناء خريف تأتي كل عام لتعطي درساً في الموسيقى لشجرتها وتستمتع بصوت حفيف أوراقها وتمايل أغصانها لتعزف لها لحناً جديداً سمي «لحن خريف». أنهى الجميع طقوسهم وكذلك وسام وزوجته سعاد وأولادهم فادي وعلاء، وقد حان وقت الظهيرة. فتوجه الجميع الى النهر، اغتسلوا وشربوا وجمعوا ثمار أشجار الخرمة. وتقاسمها الجميع في الظلّ تحت الاشجار القديمة، حيث استلقوا قليلاً للاستراحة!!. كانت لحظات آسرة، فيها كثير من التأمل بزرع الماضي وقطاف الحاضر وغرس المستقبل.

ذهب وسام يسأل أحدهم عن جدّته لأمه فهي من هذه القرية التي لم يزرها من قبل، فاذا به يدلّه على مكان جلوسها، عاد مُسرعاً الى زوجته وأخبر أولاده بفرح عن جدته التي أحبّها كثيراً في الصغر وعن زرعها الذي أثمر، إنّها ها هنا!. شعر بصوت جدّته مع صوت الريح التي تعبث بالأوراق قادمة للسلام عليه وبيديها بعض الاغصان تتدلى لتعطيه ثمرة قلبها حباً وشوقاً ومزيداً من القبلات ودموع الفرح... وأمَّا الجدُّ الذي كان في العالم الآخر، كان حاضراً في الوجدان سنداً لهم تماماً كشجرة السنديان العتيقة عند جذعها المتين الراسخ في أرض الجذور. ابتسم وسام وتوجه الى أولاده قائلاً: هنا الوادي المُقدّس بالحبِّ.