العشق المباح ديوان شعر جديد للشاعر الشيخ حسن شاهين

15/4/2016
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

روضة فوّاحة أريجها شعر

مستشار التحرير د. عبد الحافظ شمص

ما أجملها لمعات شعريّة ينساب عبيرها الملوّن، مع نسيمات تهب الحنان وتُسعد النّفس، تُلألئ صفحات الديوان الجديد «العشق المباح » 490 صفحة من القطع الكبير، بالنور وبالعطر الفوّاح والمبارك، جودة فكر ومتانة لغة، لطالما انجذب إليها الشيخ الجليل الشاعر حسن شاهين، الذي استهلّ أولى الصفحات بأبيات جميلة نابعة من القلب:

«إن كان يُهدى للحبيب قصائد

فقصائدي للصادقين قلائد

في رَوْضِهِنّ جنائن فوّاحةٌ

بالعطر تعبق، بالسّنا تتمايد

الشعر إيمان بكلّ فضيلةٍ

وسواه نظمٌ غَيَّبَتْهُ مشاهد

والحبّ يعطي من نثار عبيره

مِسكاً يَضُوعُ وفي شذاه عَوائد...»

قصائد الديوان كلّها تجسيد فنّي للسِّمات المحدّدة، الاجتماعيّة والإنسانيّة التي يتكوّن منها نَمَطٌ إبداعيّ بشعور صادق وهادف. وفي ظروف نمطيّة تحيط بالقارئ وتجعله يتصرّف بطريقةٍ مُعيّنة، على تعدّد الأَهواء وفي التّطوّر المتشابك والمتناقض.. في وقت يتطلّب فيه الفنّ الشعري أحكامًا جماليّة تُثري القصيدة وذائقة القارئ والمتلقّي، بما يخلقه الشاعر بفنّيّة لافتة حيث المعنى والمبنى.. في وقت أنّ شرط القصيدة هو العلم والخبرة، وهما مقولتان فلسفيّتان تعبّران عن العلاقة بين شيء ما، والظواهر المحيطة به.. والشيء نفسه متحدّد بينما يمثّل الشرط تنوّع المعنى الموضوعي الذي يُوَلّد الظواهر والعمليّات مباشرة في بيئة أدبيّة نقيّة ورفيعة، تتطوّر وتخلق الشروط الملائمة للنشاط الفكري وتثير مكامن الشّوق والاعتزاز لعلماء وأدباء وشعراء يمجّدون وطنهم الذي يفخر بأدبائه ومفكّريه في ازدحام الأضواء والاحتواء، وتعقّب الفكرة على نحو يجعلها مُفعمة بالحيويّة والحياة في سياقات المصوغات التعبيريّة وفق معايير صُوَر الحبّ وصعوبة صَدِّهِ حيث تنشأ علاقة جدليّة بين طرفي الخطاب الشعري وتتشكلّ الكلمات من وحي الوعي بالواقع ووقع اللحظة، وفي استخراج المنابع الباطنيّة لوحدة وتكافل وتطوّر العناصر التي تشكّل وحدة قياس تحدّد ماهيّتها وتطوّرها وتتابعها، وهي تحمل المثل العليا الاجتماعيّة وتعكس ماهيّة فلسفيّة تنبثق من علم وفير وموهبة نادرة واستحكام عقل ومتانة رأي وحصافة، اعتمادًا على قوّة الإرادة والمبادئ التأمّليّة تبعًا لفلسفة الحاضر وببناء منطقيّ مُحدّد تحديدًا دقيقًا حيث يكون التّمييز بتفسير تأمّلي للطبيعة كنتاج تعبير عن الرّوح المطلق والإرادة وعن شعور الإنسان الموهوب والإبداع الذي يُشكّل حالة انعكاس للوجود الاجتماعي ولحياة مجتمع الأدب والفكر.

والشاعر حين يعبر عالم الشعر، مستشرفًا أُفقه الرّحب، وهو رجل دين، يعجبك سَمْته، ويسرّك خُلقه، ويأسرك حديثه، وقد جمع بين الثقافتين الرُّوحيّة والأدبيّة، فحريّ بشعره أن يكون في مستوى تَيْنك الثقافتين، برهافة حِسّ ووضوح قصد وسموّ معان، وجودة لغة.

لقد أَحسَنَ وأَجاد الأديب الدكتور يحيى الشّامي في مقدّمته العميقة والبليغة للديوان عندما تحدّث عن شعر وماهيّة الشاعر الشيخ، وعن تصنيفه المميّز حين خاطبه قائلاً له: «فانحُ هذا النّحو وانهج هذا النّهج. وسلام عليك في حِلِّكَ وترحالك، في صقيع هرملك. ودفء بيروتك.. لقد أحبَبْتُك من قبل أن أُحبّك في شعرك.. فكيف اذا اجتمع الحبّان؟ ألم أقُلْ أنّك كنتَ لي خلّاً ولحرفة الأدب والشعر إلفًا، وقد جمعت الصّفوة من الخلاّن وألَّفْتَ بين القلوب».

والغزل في بعض قصائد الدّيوان، سامي الموقع، بهيّ الوقع، رفيع المقام، يشتهي القارئ إعادة القراءة وترديد الأبيات والتّرنّم بالعبارات الموشحة بالصّور الراقية والكلمات المترجّحة بين ألوان زاهية، تتولّد من ألوان زاهرة:

«أين السُّلاف من الرّضاب شراباً

والورد من حُمر الخدود طِلابا

أين الغصون من القدود تمايلاً

والسّارحات من الليوث غضابا

أين الطيور من الصّقور مكانةً

شتّان بينهما، رؤًى وحسابا...»

الأفكار تتزاحم في ذاكرة الشّاعر الشيخ حسن شاهين، فتتبعها صُور ملوّنة وتغذّيها بما تحفظه من آمال وأحلام.. ولبعض القصائد أيضًا ملامح محدّدة، تميّزها وتثبت علاقة الشاعر، الإنسان، الجماليّة بالواقع حيث المفارق المحدّدة للفنّ الشعري.

وفي الدّيوان، وبعنوان «ردّ تحيّة» أبيات جميلة وجّهها الشيخ الشاعر حسن شاهين إلى حضرة صاحب السماحة الشيخ القاضي الدكتور يوسف محمّد عمرو، رئيس التحرير، سبقتها كلمة إهداء لطيفة:

«أرسل إليَّ الأخ العلاّمة القاضي الشيخ يوسف محمّد عمرو هديّة سَنيّة وتُحفة بهيّة كتابه الأنيس وسِفره النّفيس في علم الدّراية والحديث، فأحببت أن أردَّ بهذه التّحيّة:

دُرَرٌ مُنَضَّدَةٌ غَلَتْ وفرائد

وافى كتابك، هل تفيه قصائد؟

حِبْرٌ، سطورٌ أو عبيرٌ عابق

أو روضة بغصونها تتمايد

أَهْدَيْتَ لي سِفرًا جليلاً قَيِّماً

يسمو بعلمٍ، للدراية رائد

أَتْبَعْتَهُ علم الحديث وقد حوى

صُوَرَ البيان وما عداها الشّاهد

حَبَّرْتَهُ علمًا مفيدًا جامعاً

ليراعكَ السّيّال، بحرك رافد

أنّى جَرَيْتُ فإنّ مدحي قاصرٌ

هو مرجع، بالبيّنات يُشاهد

وهو النّفيس فكم حوى من دُرَّةٍ

يا ليت شعري، من سواك الصّائد؟...»

ومن قصيدة بعنوان «يا ربّ»:

«يا ربّ، جئتُكَ مُثقلاً بذنوبي

وصحيفتي ضجّت بسوء عيوبي

فإذا بها تُمحى بنظرة راحمٍ

وتصير نورًا عابقاً بالطّيب...»

ومن قصيدة «العاشق الولهان»:

«دعني فإنّي عاشقٌ ولهانُ

قد شفّني التبريح والهجران

وعلام هجرك والفؤاد مُقَطّعٌ

وبه الجوى وبأضلعي النّيران

أرأيت إلفًا لا يميل لإلفه

عجبًا يحفّ بعدلك الميزان

هذاهو الوطن المفدّى وطني

لبنان، ما أحلاك يا لبنان...»

فمن خلال قصائده ومُطوّلاته، يدرك القارئ مدى عفويّة الشاعر وحبّه لوطنه وعشقه لتراثه، وخوفه على مستقبله:

«إنّي شُغِلتُ عن الحسان بحسنها

فنظمتُ عقدًا كالنّضار مُذابا...»

وأخيراً، فإنّ الصّور الإبداعيّة الإيجابيّة تعكس حياة الشاعر ونبله، هي التي تفرض الاحترام والحبّ والإعجاب، وتعطي أنماط الشعراء المبدعين وتأثير إبداعهم في الحياة.. والقارئ والمتلقّي هما أساس نجاح كلّ عمل إبداعيّ، ومن ثمّ فإنّ وحدة الجمالي والأخلاقي هي أساس الدّور المتحوّل الفنّي الإبداعي الذي تُقَوِّم بها الفنون، وهي التي تُحيي شاعريّة الشاعر وأحاسيسه المكوّنة، بقدر ما تحثّه على السير في هذا الطريق الشاق والشائق في آن، لكي يحقّق ما تصبو إليه نفسه التّوّاقة أبداً إلى الأفضل. وقد تفرّد شيخنا وشاعرنا في التّعبير اكتمالاً وتعميمًا، وبالتّدليل المتخيّل، على حالات من الإبداع، مُظهرًا الجمال الروحي للكلمة التي تسكن القلب والفكر فتدفعه إلى البذل والعطاء دون توقّف...

وفي قصيدة «لبنان»:

«لبنان يبقى دُرّة في شرقنا

ومعالمًا للقاصدين، تُزار

عبثت به أيدي الجناة لأنّه

نبراس هَدْيٍ للدُّنى ومنار...

نِعْمَ الحماة الحافظون بلادنا

نِعْمَ الأُباة، القادةُ الأَحرار...»

ما أَروعكَ أيّها الشعر.. لقد عَلَّمتَ الروح أن تكون صاخبة بالوحي عندما تسري في أجسادنا ولا يشعر بها أحد.. وعلّمتّ الحلم أن يُصبح أَملاً، والأملُ أن يكون حقيقة...