قصة قصيرة - تركني بأمانة الزهراء(ع)

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

من ذكريات العدوان الإسرائيلي الغاشم على وطني الحبيب لبنان

بقلم الآنسة نسب وليد حيدر

كان عقرب الثواني يدور مسرعاً لتتحرك عقارب الساعة الى الامام، كنت أقول في نفسي: (يعني أنه لن يأتي؟... عاودت النظر بطرف عيني الى الساعة: (لا زال الوقت مُبكراً حتى موعد الأذان). فكان جُلُّ تفكيري به... أين هو؟.. لماذا تأخر؟.. لم يسبق ان وعدني ولم يفِ بوعوده. كانت المرة الأولى التي يقول شيئاً ولا يقوم به.

اشتدَّ القصف بعد أذان الفجر، حيث بدأت اشعر بتحرك الطفل في أحشائي، فلا أريد ان يولد الطفل وأمير ليس بقربي... توضأت وتوجهت الى الصلاة اللّهم بحقِّ السيّدة فاطمة الزهراء(ع)... واذا بالباب يفتح ويدخل (أمير).. وما إن وقعت عيناه عليّ حتى انخطف لونه، ولا أذكر ماذا كان يحمل بيده... رماه أرضاً وقال: (لا تتحركي)... وذهبنا الى المستشفى.

في طريقنا لم أشعر بألم الولادة، كان كُلّ همي النّظر إليه غير مباليّة بأصوات القذائف والرصاص... وإذ به يوقف السيارة ويقول لي:(لا تخافي...أغمضي عينيك وتمسّكي بي)... وترّجل، حملني ثم سار بي وسط حقل القمح إلى الناحية الثانية، حيث كان هناك مستوصف صغير. كان طوال الطريق يتحدث مع الطفل ويقول ممازحاً:(انا حامل الآن... أحملكِ وأحملُ طفلنا). وعندما أدخلوني الى تلك الغرفة أمسك بيدي وقال: (أنا خارج)... أجبته: (تمهل ما معنى خروجك؟)... قال: (صدقيني لا أستطيع)... لم ينتظر الجواب وخرج مُسرعاً فتساءلت في نفسي: شخص رأى في الحرب الكثير من الجثامين كيف لا يمكنه تحمل هذا المشهد؟

لا أدري كيف يمكن الجمع بين الروحيّة العسكريّة ومثل هذه العاطفة.

وبعد عودتنا الى المنزل، كان أمير يجلس بجانبي ولا يفارقني، ُيقّبلُّ يدي ويقول لي:(شكراً لك على ما تحمّلتِ).. هكذا كان يعاملني في كل شيء. فلم ينم طوال الليل وهو ينظر إلي ويشتمَّ رائحة الوليد (عباس).. وفي اليوم التالي نظر إليّ وعيناه تلمعان قال: (إني مضطر للذهاب). إنزعجت منه واجبته:(كيف يمكنك ان تذهب وأنا في هذه الحالة؟ حبذا لو تبقى يوماً واحداً على الأقل... نظر إليّ نظرة ودودة مُبتسماً، وقال:( تقع على عاتقي مسؤولية أرواح...لا يمكنني البقاء)...

مرّ عشرون يوماً وأمير لم يعد، وكانت جارتنا لا تتركني أبداّ. وكنت عاتبة عليه... كيف لا يسأل عنّا؟... ما هذا القلب الذي يمتلكه؟... ولكن كنت أُمنّي نفسي بعودته بين اليوم والآخر. وبعد هدوء القصف في الجنوب. دُقّ الباب وإذ بها جارتنا تحمل خبراً من أمير يوصيني بأن أذهب معهم الى الشمال وأبقى هناك ريثما تهدأ الاحوال... فرفضت وقلت لن أذهب الى مكان دون أمير، وإن أراد الله تعالى أن نموت سأموت أنا وطفلي في منزلنا.

وبعد الظهر دخل (أمير) عليّ مُتلهفاً، فلم أبتسم مع أن قلبي كان يعتصر لرؤية عينيه، فشددت عباساً إليّ وقلت: (هل تتذكر أن لديك عائلة؟) فأخذ شيئاّ من جيبه وقدمه لي (وردة حمراء) وقال تركتك في أمانة الزهراء (ع)... فهي أهل لحفظ أمانتي... وجئت خلسة لأطمئن عليك وأعود(... وعندما سمعت كلامه لم أتحمل وانفجرت بالبكاء... فضمّني إليه وشدّني قائلاً: لا تبخلي بعبّاس..لا تبخلي بعبّاس... وأعلمي أنني معكم)... واقترب من عبّاس يلاعبه ويبكي... ثُمّ قام مُسرّعاً إليّ... قبلني على جبيني ونظر في عينيّ وقال: (أتريدين شيئاً؟)... كان قلبي يغلي مخافة أن أفقده ولم أكن أُودُّ أن يغادر بهذه السرعة فحاولت المحافظة على رباطة جأشي، وقلت: (مع السلامة في أمان الله)، فأجابني: (في أمان الله)... وكان دائماً عندما يقول في أمان الله ينطلق ويذهب، لكن هذه المرة لم يغادر بل طأطأ رأسه ونظر إليّ وقال ثقي بالله تعالى فأنت أمانة للزهراء (ع)، أجبته بكل حدة: (نعم)... وهذه المرة لم يقف بل غادر مُسرّعاً، لم أتحمل أن أرافقه الى الباب وما إن صفق الباب وراءه حتى احسست بضعف في رجلي، وجلست في مكاني واستسلمت للبكاء وأدركت أنّه لن يعود بعد اليوم ...