قصة قصيرة: مطويات القدر

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم المربية أماريا برادعي سليم

إن الحياة تؤلّف قصصاً يعجز أبرع أهل الفن عن توهُم مثلها. ولكن الحياة لا تذيع «مؤلفاتها» ولا تعلن عنها، فتبقى «مخطوطة» مخبأة لا يصل إليها ولا يقرأها إلا رجل حديد البصر، ذو جَلَدٍ على البحث وصبر على التنقيب. ولكن الأيام ألقت هذه القصة في طريقي، فوجدتها «مطوية» في سجلات محكمة من المحاكم، مقطّعة الأوصال، مفرّقة الأجزاء، فألصقت أوصالها وجمعت أجزاءها وبدأت بقراءة كلماتها المبعثرة وَغرِقت بين سطورها...

تزوج الرجل من امرأة كانت كل حياته وحاول إسعادها والعيش بهناء معها، وأنجبت له فتاة وولداً، ولكن بعد فترة اكتشفوا أن هذا الولد مريض ولديه بعض التشوهات الخلقية والتي تحدُّ من مستقبله، فقرر الزواج من امرأة أخرى عساها تنجب له ولداً يكون وريثاً له وسنداً في حياته. ولكن الله شاء أن يرزقه بأربع بنات.

ابتعد الوالد عن زوجته الأولى ورفض الاعتراف بولديه وظلَّ مع زوجته الثانية وكبر الأولاد، أما الزوجة الأولى والتي صبرت على كل شيء، فبقيت تجاهد مع ولديها وتعلّم ابنها لتتحدى المجتمع به إلى أن أصبح مُهندساً.

وفي حفل تخرّجه طلب من والدته ان تطلب من والده الحضور ليشعر بالفخر بابنه، لكنه رفض مستنكراً ذلك، لأنه يخجل من معرفة الناس بأن هذا الولد المشوه هو ولده.

بعد صدور النتائج أبكى الولد جميع الحاضرين عندما تكلّم شاكراً كُلَّ من ساعده على تحقيق النجاح، كما شكر والده لأنه رفض الحضور لرؤية ابنه المتفوق لأن شكله يخجله ولا يريد الاعتراف به، وضمَّ والدته إليه... وذهب إلى منزل والده ليريه الشهادة وليقول له بأن من يريد النجاح لا يبحث عن سلبيات الحياة بل يتوكل على الله تعالى، ولكنّه بعد السؤال عرف بأنّ والده قد أُصيب بنوبة قلبية.

مرّت الأيام والولد أصرَّ على البقاء في المشفى الى جانب والده يهتم به وينام بجانبه إلى أن استيقظ الوالد بعد عدّة أيام ليجده بقربه مُمسكاً بيده فدمعت عيناه لهذا المشهد وحاول تمتمة بعض الكلمات التي ايقظت الولد وحاول ضمّه إلى صدره، لكن مشيئة القدر قد فرقت بينهما إلى الأبد بعدما حاول أن يأخذ جرعة أبدية من حنان فقده طيلة العمر.

ظلّ الابن الوحيد الى جانب إخوته يهتمُّ بهم ويعمل بجدٍّ ليل نهار وأحبَّه الجميع، أحبوا الأخ الذي حُرموا منه لسنوات طويلة قسراً ولكنه جاء بعد نجاحه وتفوقه ليظهر للعالم بأن الشكل لا يمنع الإنسان من العيش والنجاح وتحقيق الأمل وليس الشكل من صُنع الإنسان وإنما من صُنع الله تعالى.