الإلهام الحلقة الثانية

29/9/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

د. عبد الحافظ شمص

الإلهام في القرآن الكريم

والفرق بينه وبين الوحي..

لقد وردت كلمة «الإلهام» في القرآن الكريم مرّة واحدة في قوله تعالى:«ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها» سورة الشمس.

وفي تفسير هذه الآيات الكريمة، إنّ النّفس تعرف، بفطرتها طريق تقواها أو طريق فجورها، أو أنّ النّفس إذا اتّقت أو إذا فجرت، تعلم أنّها تتّقي أو تفجر.

الإلهام هو إلقاء ما يُفرّق به بين الضّلال والهدى، ما يُلقى في الرّوع بطريق الفيض، إلقاء في النّفس أمرًا يبعث به على الفعل أو عدمه...

ومَنْ يخلط بين الإلهام والوحي.. وكلمة الوحي وردت في القرآن الكريم مرّات عديدة، يجد فرقًا واضحًا لمعاني الوحي وفعل أوحى بحيث أن إلهام الحيوان هو الغريزة ... }وأوحى رَبُّكَ إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتًا ومن الشّجر وممّا يعرشون{ سورة النّحل..

وأنّ الوحي إلى الإنسان هو الإلهام..

 

} وأوحينا إلى أمّ موسى أن ارضعيه فإذا خِفْتِ عليه فألقيه في البحر ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين{ سورة القصص.

والوحي إلى الجماد أمر.. كما في قوله تعالى:} إذا زُلزلت الأرضُ زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها، يومئذ تُحدّث أخبارها، بأنّ ربّك أوحى لها، يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا ليُروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيرًا يَرَهُ، ومن يعمل مثقال ذرّةِ شرًّا يره{ سورة الزلزلة.

وأمّا الوحي إلى الأنبياء، فكما هو معلوم، وحي الرسالة من طريق سيّدنا جبريل.

فوحي الجماد، إذًا، أمر.. ووحي الحيوان، غريزة، ووحي الإنسان إلهام، ووحي الرّسول، يُلقى عليه كتاب من عند الله تعالى. كما في الألواح والوصايا التي تلقاها موسىt، أو بواسطة الملاك جبرائيل ونحو ذلك ممّا تكلّم عنه العلماء والفلاسفة في هذا الباب.

مصادر الإلهام وتنوّعها..

تتنوّع مصادر الإلهام تنوّعًا لا حَصْر له، وتتبدّل، ليس فقط من مجال معرفي إلى آخر، أو من زمن إلى آخر، بل ضمن المجال الواحد في الوقت نفسه.. ولو قرأنا مثلاً سِيَرَ الشّعراء التي تضمّنت إشارات واضحة إلى مصادر إلهامهم، لوجدناها تشمل العاطفة والحبّ والحياة والموت والقُرب والبُعد والبطولات والمشاعر الوطنيّة والحكمة والكراهية والطبيعة، وحتّى أحوال الطّقس...

الإلهام في أضيق دوائره..

كان ليوناردو دافنشي أوّل مفكّرٍ مبدع تحدّث عن أهميّة الأحداث والأشياء العشوائيّة على صعيد تطوير مناهج التّفكير، ونصح الناس بتأمّل الجدران والغيوم والأرضيّات المرصوفة كما لو كانوا ينظرون إلى أنماط وصور بهدف مزجها بأفكارهم.

ففي كتاب، كتبه بلغة سريّة، هي في الواقع كتابة معكوسة، لا يمكن قراءتها إلاّ من خلال التّطلّع إلى عكسها على المرآة، تحدّث دافنشي عن مصادر إلهامه في الفنّ والاختراعات... وفي هذا الكتاب يفترض دافنشي أنّ بإمكان المرء أن يستلهم أفكارًا رائعة من خلال التّطلّع إلى مواضيع عشوائيّة يمزجها بالتحدّيات التي يواجهها، ويقول إنّه كان يحدّق طويلاً بمعناه الواسع...

الإلهام على المستويين الفردي والجماعي

بين الممكن والمستحيل..

الإلهام موجود في مجالات لا تُحصى.. ففي إطار تحفيز السّلوك مثلاً على القيام بأمر مُعيّن، نجده حاضراً في كلّ المجتمعات، وحتّى على صعيد حياة كلّ فرد.. فشخصيّة الأب، غالباً ما تكون مصدر إلهامٍ للإبن في عمر مُعيّن.. ولا يحتاج المرء إلى مراجع في علم النّفس ليؤكّد أن كثيرًا من الطّباع الفرديّة مثل الميل إلى الكرم أو البخل أو الشجاعة أو الجبن، هي طباع مستلهمة من مصادر خارجيّة قد تكون في شكل حوادث، أو ثقافة عامّة أو بيئة اجتماعيّة أو قيمًا مستقاة من علمٍ وأدب، وحتّى من الحكايات.

الخيال شرط لا بدّ منه

ما بين مصدر الإلهام والإبداع، ثمّة حلقة غامضة، هي الأصعب على التحديد والصّياغة.. الخيال، هذا النّشاط الذّهني الدّاخلي الذي يتولّى ترجمة الرّسالة الخارجيّة غير الواضحة المعالم إلى صورة واضحة لهدف مُحدّد.

الخيال بحدّ ذاته ليس حكراً على الأذكياء أو على عقول معيّنة دون غيرها، فما من عقل بشري إلاّ ويتمتّع بقدرة على الخيال، ويتخيّل فعلاً وباستمرار.. ولكن ولكي يتمكّن الخيال من التقاط إلهام مُعيّن وتوظيفه في إبداع محدّد، فعليه أن يكون واسعاً جدّاً، ووليد تربية طويلة وإطّلاع واسع، وقادر على الإلتحام بمعطيات خارجيّة ليقرأ فيها ما يتجاوز خطابها المباشر. كما أنّ عليه في الوقت نفسه أن ينطلق في التّطلّع إلى ما حوله من هدف مستقبلي يفتقر إلى العناصر اللازمة لتحقيقه.

وبالتّجوال المكّوكي للخيال ما بين هذا الهدف المستقبلي الذي يطمح صاحبه إلى تحقيقه، وما حوله من معطيات ومصادر إلهام مباشرة، يمكنه أن يُركّب شيئاً فشيئاً، الأقسام المختلفة اللازمة للإبداع الذي يصبو إليه.

التربية والثقافة العامّة

والإلهام قابل للتغذية بالتربية والثقافة العامّة المنفتحة على شتّى المعارف. والإطّلاع على سِيَر كبار المبدعين يُؤكّد تفاعلهم مع معارف اكتسبوها من مجالات بعيدة جدًّا عمّا يفعلونه عادة، والتّعليم التقليدي يُوفّر للمتعلّم المهارات الفنّيّة اللازمة للإنتاج المكرّر، طالما أنّ ما تعلّمه يُسْتَقى من تجارب سابقة. أمّا الإبداع فيتطلّب دائرة من المعارف أوسع من ذلك تبدأ بتوافر المعرفة اللازمة للتّنفيذ، وتتسع لتشمل الملاحظة العميقة لأحوال المجتمع وحاجاته وحتّى الطّبيعة بكلّ ما فيها.

وثمّة ملاحظة مُهمّة، يمكن تسجيلها بالإطّلاع على تاريخ أيّ شعب أو مجتمع وتؤكّد أنّ الإبداع يبدو وكأنّه يأتي كأمواج تنشط حينًا وتخبو حينًا آخر، لتقسم الزمن فيها إلى عصرين: عصر نهضة وعصر انحطاط أو تخلّف.. ففي الشعر العربي مثلاً يُسجّل المؤرّخون فترة ركود دامت نحو ثمانية قرون خلت بشكل شبه تامّ ممّا يمكن مقارنته بالشّعر الأموي أو العبّاسي، ثمّ أقبلت موجة جديدة منذ أواخر القرن التّاسع عشر، ولمعت أسماء شعراء عديدين مجدّدين ومبدعين.. فهل كان الإلهام في سُبات، طوال هذه القرون الطويلة!!

لا يمكننا أن نعرف الجواب القاطع طالما أنَّ الإبداع مسألة فرديّة، ولكن المؤكّد هو أنّ الحاضنة الاجتماعيّة لمن كان قادرًا على الإبداع لم تكن مرحّبة بإبداعاته المحتملة.. فالإلهام بحد ذاته لا يكفي للإنتاج، بل يتطلّب الأمر وجود مجتمع يتلقّف هذا النتاج، ويستفيد منه ويرفعه إلى المكانة التي يستحقّها.