أُمُّ الإِمامَة السَّيِّدَةُ فاطمة الزهراء

15/4/2016
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

بقلم الشاعر الشيخ الأستاذ عبّاس فتوني (1)

وَتُشْرِقُ شَمْسُ العِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ جُمادَى الآخِرَةِ؛ تُرْسِلُ أَشِعَّتَها الذَّهبيَّةَ، عَلَى قِمَمِ الجِبالِ وَالسُّهُولِ وَالأَوْدِيَةِ؛ وَقافِلَةُ الْبُشْرَى تَطْوِي الفَيافِي نَحْوَ مَكَّةَ؛ وَكَأَنَّ الأَرْضَ تَفْتَحُ ذِراعَيْها لِلسِّرِّ المَكْنُونِ؛ وَنِسيمُ الصَّباحِ يَفُوحُ عَلَى أَرْجاءِ الكَوْنِ؛ إِذْ أَزْهَرَ مَوْلِدُ الصِّدِّيقَةِ المُبارَكَةِ، الطَّاهِرَةِ المُطَهَّرة، الرَّاضِيَةِ المَرْضِيَّةِ، البَتُولِ المُحَدَّثَةِ، الرَّيْحانَةِ الزَّاكِيَةِ، العَذْراءِ الحَوْراءِ، سَيِّدةِ النِّساءِ، حَبِيبَةِ قَلْبِ خاتَمِ الأَنْبِياءِ، فاطِمَةَ الزَّهْراءِ، عَلَيْها وَعَلَى أَئِمَّتِنا الْعِظامِ، أَزْكَى الصَّلاةِ وَالسَّلامِ.

بقلم الشاعر الشيخ الأستاذ عبّاس فتوني

 

شَمْسُ النُّبُوَّةِ زَفَّتْ لِلْمَلا الْبُشْرى

وَالوَحْيُ هَلَّلَ، وَالأَمْلاكُ فِي طَرَبٍ

وَالنُّجْمُ مِنْ شُعْلَةِ الأَنْوارِ غائِرَةٌ

وَالطَّيْرُ أَمْطَرَ لَحْنَ الشَّوقِ سَلْسَلَهُ

وَالوَرْدُ فَتَّحَ أَكْمامَ الشَّذا جَذَلاً

وَالعَيْنُ تَخْتالُ فِي الآفاقِ حائِرَةً

وَإِذْ بِصَوْتِ مَلاكِ الْبِشْرِ مُخْتَرِقٌ

لا غَرْوَ إِنْ تَرْقُصِ الأَفْلاكُ زاهِيَةً

هَلَّتْ مُشَعْشِعَةً أَحْداقُ «فاطِمَةٍ»

مَرْحَى بِرَيْحانَةِ «المُخْتارِ» بَضْعَتِهِ

أَللهُ أَنْعَمَنا، بِالْيُمْنِ أَكْرَمَنا

«بَتُولُ» ، «طاهِرَةٌ» ، «زَهْراء» ، «زاكِيَةٌ»

يَجْثُو الْبَهاءُ عَلَى أَعْتابِها خَجَلاً

يُبْرَى الجَدِيدانِ وَالدُّنيا بِرُمَّتِها

طُوبَى لَها فُطِمَتْ عَنْ كُلِّ شائِبَةٍ

أَللهُ تَوَّجَها فَضْلاً وَمَأْثُرَةً

«زَهْراءُ» أَنْتِ مَلاذُ العُمْرِ مَلْجَؤُهُ

«زَهْراءُ» أَنْتِ نَمِيرُ الخُلْقِ صَفْوَتُه

سِرُّ القَداسَةِ مِنْ مَرْآكِ مُؤْتَلِقُ

إِسْتَلْهَمَتْ مِنْكِ حُورُ الْعِينِ نَضْرَتَها

«زَهْراءُ» أُمُّ أَبِيها، رَحْمَةٌ مَطَرَتْ

تَفِيضُ كَالأُمِّ تَحْنانًا عَلَى جَبَلٍ

ثَجَّتْ عَواطِفُها، بَرَّتْ بِوالِدِها

يا لَلرَّسُولِ، حَباهُ اللهُ مَكْرُمَةً

رَعْيًا لَها بِوَصِيِّ «الْمُصْطَفَى» اقْتَرَنَتْ

ما كانَ غَيْرُ «عَلِيٍّ» كُفْءَ «فاطِمَةٍ»

الْمُؤْمِنُونَ انْتَشَوْا، وَالْقاسِطُونَ ثَوَوْا

مِنْ مُقْلَتَيْها مَصابِيحُ الدُّجَى انْبَثَقَتْ

أَبْناؤُها الْغُرُّ نُورُ اللهِ آيَتُهُ

إِمامُنا «الْحَسَنُ الزَّاكِي» سَما فِكْرا

«زَيْنُ الْعِبادِ عَلِيّ»، نَبْعُ أَدْعِيَةٍ

وَ«صادِقُ» الْقَوْلِ لِلأَلْبابِ مَدْرَسَةٌ

وَقُرَّةُ الْعَيْنِ مَوْلانا «الرِّضا» عَلَمٌ

ثُمَّ «الْجَوادُ»، غَزِيرُ الْعِلْمِ، مُعْجِزَةٌ

وَ«الْعَسْكَرِيُّ، بِسامُرَّاءَ» مَفْخَرَةٌ

مَحْضُ الْوَلاءِ إِلَى أَبْناءِ «فاطِمَةٍ»

الْيَوْمَ حَنْجَرَةُ الأَشْعارِ قَدْ نَطَقَتْ

تَسْعَى عَلَى ضِفَّةِ الْمِيلادِ صادِحَةً

لَوْلا «الْبَتُولُ»، حُرُوفُ الشِّعْرِ ما زَهَرَتْ

وَلا الْيَراعُ هَفا، مِنْ فَرْطِ فَرْحَتِهِ

قَدْ صُغْتُ مِنْ لُؤْلُؤِ «الْحَوْراءِ» قافِيَةً

وَفِي مَحافِلِها أَنْشَدْتُ رائِعَةً

الْعِيدُ مُزْدَهِرٌ، وَالطَّرْفُ مُنْبَهِرٌ

أَزْكَى الصَّلاةِ إِلَى «الزَّهْراءِ» أُرْسِلُها

 

وَالنُّورُ أَضْفَى عَلَى قَلْبِ الثَّرَى البِشْرا

قامَتْ تُهَنِّئُ أَحْلامَ الوَرَى تَتْرَى

ثُمَّ الغُيُومُ حَياءً أَخْفَتِ البَدْرا

وَانْسابَ يُجْرِي عَلَى إِيقاعِهِ النَّهْرا

وَالرِّيحُ سابِحَةٌ تَسْتَنْشِقُ العِطْرا

تُسائِلُ الشُّهْبَ كَيْما تَكْشِفُ السِّرَّا

حُجْبَ المَسامِعِ يَشْدُو فِي العُلَى جَهْرا

فَاليَوْمَ ضاءَتْ ثُرَيَّا «فاطِمَ الزَّهْرا»

فَالكَوْنُ مُؤْتَلِقٌ بِالطَّلْعَةِ الغَرَّا

فِي عِيدِ مَوْلِدِها طابَتْ لَنا الذِّكْرَى

إِزاءَ نِعْمَتِهِ نُزْجِي لَهُ شُكْرا

«عَذْراءُ» ، «راضِيَةٌ» ، «إِنْسِيَّةٌ» ، «حَوْرا»

لَفَّ الْمَدَى حُسْنُها، فاقَ السَّنا سِحْرا

وَنُورُها سَرْمَدٌ هَيْهاتَ أَنْ يُبْرَى

تَجَلْبَبَتْ ثَوْبَ هَدْيٍ، وَارْتَدَتْ طُهْرا

حَتَّى تَسامَتْ عَلَى كُلِّ النِّسا قَدْرا

مِنَ البَلاءِ فَهاكِ الرُّوحَ وَالْعُمْرَا

بَلْ كَوْثَرٌ يَتَهادَى فِي الوَرَى ثَرَّا

أُولَى مَعالِمِهِ أَنْ لازَمَ الخِدْرا

وَمِنْ عَفافِكِ زانَتْ جِيدَها دُرَّا

أَذابَتِ الْهَمَّ وَالإِعْياءَ وَالضُّرَّا

نِعْمَ الْكَرِيمَةُ بنْتٌ حاكَتِ الْبَحْرا

فَانْكَبَّ يَغْمُرُها صَفْوَ الْهَوَى غَمْرا

«زهْراءَ» أَغْنَتْه عَنْ زَهْرِ الرُّبَى طُرَّا

أَغْنَى الأَنامِ تُقًى، لَمْ يُدْرِكِ الْفَقْرا

وَأَنْهُرُ الْخُلْدِ أَسْداها لَها مَهْرا

وَالأَنْبِياءُ احْتَفَوْا فِي عُرْسِها دَهْرا

وَمِنْ نَداها أَطَلَّتْ «زَيْنَبُ الْكُبْرَى»

لَوْلاهُمُ لارْتَوَتْ سُوحُ الدُّنَى كُفْرا

صِنْوُ «الْحُسَيْنِ»، صَدَى الْحُرِّيَّةِ الْحَمْرا

وَ«باقِرُ الْعِلْمِ» مِنْ أَعْماقِهِ بَقْرا

وَ«كاظِمُ الْغَيْظِ مُوسَى» عانَقَ الصَّبْرا

كافِي الْخَلائِقِ، أَهْمَتْ كَفُّهُ بِرَّا

وَ«الْعالِمُ، النَّاصِحُ، الْهادِي» عَلا ذِكْرا

وَ«صاحِبُ الأَمْرِ» أَضْحَى لِلْهُدَى ذُخْرا

أَئِمَّةِ الْخَلْقِ فِي الأُولَى، وَفِي الأُخْرَى

بِالْمَكْرُماتِ بِلَحْنٍ يَشْرَحُ الصَّدْرا

وَالرَّجْعُ يَلْثِمُ مِنْ وَجْهِ السَّما ثَغْرا

وَلا الْقَوافِي اسْتَحالَتْ دُونَها تِبْرا

يَخُطُّ سَطْرًا، يُناغِي نُسْغُهُ سَطْرا

وَرُحْتُ أَنْسُجُ مِنْ أَطْيافِها شِعْرا

لَعَلَّنِي فِي هَواها أَجْتَنِي أَجْرا

وَالثَّغْرُ مُنْكَسِرٌ، يُبْدِي لَها عُذْرا

وَأَنْثُرُ الشَّوْقَ فِي أَكْنافِها نَثْرا

 

 

الهوامش:

(1) نُظِمَتْ هَذِهِ القَصِيدَةُ فِي ذِكْرَى وِلادَةِ السَّيِّدَةِ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ t