خواطر جُبيليّة

20/1/2017
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم الأستاذ هيثم عفيف الغدّاف (1)

صدفة جميلة هي التي جمعتنا في الحديقة العامّة لمدينة جبيل المتجددة حديثاً في نهار صيفيِّ جميل، جلس هذا الشاب بلباسه الغريب وفيه لمسات ثقافيّة وفنيّة على مقعد خشبيّ مستدبراً القبلة حاملاً بيده لفافة خبز محشوة بالسمك، فخيل لي أن هذا الشاب المؤمن الملامح لا يأكل اللحوم نهار الجمعة تبعاً للتعاليم الكنسية السائدة في المحيط. وكعادتي بادرته بالكلام وهو يحاول أن يهنأ بلقمته سريعاً ريثما يعود الأولاد مع دراجاتهم الهوائيّة من جولاتهم وصولاتهم في الحديقة، فهو يعمل في تأجير دراجات هوائيّة للفئات العمريّة الصغيرة وهي دراجات مصنوعة بنمط حديث ومغاير لما تعودنا عليه، مقابل أربعة آلاف ليرة للربع ساعة الواحدة. وبعد الأخذ والرّد تبادلنا أطراف الحديث وعندها فوجئت أنّ هذا الشاب جبيليٌّ، فانشرح صدري لكلامه وطفلي الصغير آخذ باللعب حتى مضى النّهار وأطل الليل بسواده مُعلّناً قرب انتهاء وقت اللعب وعاد الأولاد مع الدراجات وصاحبي يسجّل وَيُعدَّ للعودة بلباسه الفضفاض بنطلون زيتيّ ونعل بنيِّ وسترة عسكريّة اللون فيها معانٍ لرجل يخيّل لك أنّه من روّاد شارع الحمرا. وها نحن أصدقاء من صُدفة حول دراجات هوائيّة نبني صداقة مع هذا الغريب الأطوار، شخص يفهم ويدرك تارةً وإنطوائيٌّ أخرى تحتار من هذا ومن أين أتى ولماذا الصدف جمعتنا. تقترب منه أكثر فترى منزله كمتحف جبران خليل جبران يحوي من الآثار الثقافيّة والتراثيّة ما يدهشك عند زيارته. وهناك نتعرف على مواهبه الخفية في المطبخ من حيث الإعداد لمائدة الطعام والتحضير والترتيب. وتعود به الذاكرة ليفصح لك عن حياته السابقة من لبنان إلى كندا ثُمّ تجواله في بلاد الشام وإذا به يريك صفحة الماضي وعن سعيد الكندي الذي يعرف د. فيلكس كيف صار وأين أصبح. هذا الصديق تلتقي به في المسجد وفي معرض الكتاب وفي أروقة الكتب والثقافة تجلس معه فتشعر برغبة الكلام والإستفسار عن أشياء كثيرة حولك وكلها لها معناها الخاص من سلة الخضار المتراقصة في المطبخ إلى مكبس الكتب القديم في مدخل الصالة والمكتبة والأثاث والصالون والحدائق المعلّقة على الشرفة وتلك الخشبة الهندية القديمة والخزانة القديمة ولا ننسى المذياع القديم الذي كان في ما مضى ملتقى لمحبي أم كلثوم يتوسط الصالون هذا الصديق، لا بُدّ لك من رؤيته بين الحين والآخر إنسان على خلافٍ مع التلفاز ومتصالح مع المذياع، مُحبّ للحياة في زمن فقدت الحياة رونقها وغلب عليها الطابع المادي.

الهوامش:

(1) أستاذ جامعي بإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانيّة الدوليّة ومعهد العلوم التطبيقيّة الإقتصاديّة. وهو يقوم بالتحضير لأطروحة دكتوراه في جامعة بيروت العربيّة.