أَدبُ اللغة

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم مستشار التحرير الدكتور عبد الحافظ شمص

المنحى اللغوي في الأدب

لكي نتمكّن من التَّعبير عن أَفكارنا بطريقة جيّدة، علينا أن نُراعي اختيار المفردات اللغويّة التي يَسْهُل على القارئ فهمها، والتي يحسن وقعها في الأذن. وتكون متلاحمة بحيث تؤدّي نَغَماً عَذْباً لا نشاز عليه انسيابه مع المعنى الذي أحبّه... وفي اللغة العربيّة من الثروة في المفردات، ما يجعلنا نتجنب الوحشي منها... والوحشيّ في الشعر أو الأدب لا يُفهم من المبتدئين إلاّ بعد أن يستعين بالقاموس.

واستطراداً، فالوحشيّ أيضاً، البعيد عن النّغمة الموسيقيّة، ولنضرب مثلاً: أليس الفرق شاسعاً بين كلمة «تَقَلْقلَ» وكلمة «اضطرب«»... وبين كلمة «عقنقل» وكلمتي كثيب أو رابية؟

إنّ كلّ واحدة من هاتين الكلمتين لها عدّة مرادفات في اللغة، فعلينا دائماً أن نختار الكلمة الجميلة الوقع التي تنسجم مع غيرها في التّعبير عن الأفكار... والابتعاد عن الألفاظ الغريبة... كـ الحيزبون (العجوز) والدّردبيس (الدّاهية) والطخا (قِطَعَ السِحابْ) والنّقاع (الماء البارد) والعلطبيس (الأمّلس الناعم) والحراحيج (النّوق جمع ناقة سمينة وطويلة) والشقحطب (الكبش) والصَّعقب (الطويل من الأبواب أو الأنياب) والعنقفير (المرأة السليطة اللسان) والعنتريس (النّاقة الغليظة).

المنحى المعنوي...

إنَّ ترابط المعاني وَتَسَلْسُل الأفكار في الأدب والشعر، هُما اللّذان يجعلان القطعة الأدبيّة سهلة منسجمة في فهمها وتذوّقها...

قد نقرأ معنىً سامياً، نُعْجبُ به حين يكون منفرداً كوحدة مستقلّة... وقد نقرأ ذلك المعنى ذاته في وحدةٍ أخرى أوسع منه، فلا نجد فيه جمالاً، وليس ذلك إلاّ لأنّه وُضع في غير مكانه...

عزيزي القارئ اللبيب...

الشعر والكتابة، بناء دقيق... والشاعر والكاتب كالبنّاء، عليه أن يعرف كيف يرصّ البناء، وكيف يضع الحجر... فإذا وَصَف الأديب كَرَمَ رجل، وجمال أخلاقه ثُمّ انتقل فجأة لوصف طوله أو بيته أو أبيه، كان ذلك نوعاً من القلق في البيان...

وأخيراً، إنّ ما وصل إلينا من الأدب العربيّ القديم قليل الدلالة على الأدب البدائيّ الذي نشأ في الجزيرة العربيّة، والذي لا يتعدّى في تاريخه القرن السّادس الميلادي، وهو يكاد يقتصر على الوجداني (أي الشخصي) شعراً كان أم نثراً... وما قيل لا يتعلّق بغير قائله... فإذا تَعدّاه فإلى قبيلته، بما يُبرّر الإعتقاد بأنَّ كثيراً من المعطيات الأدبيّة تدلّ على ذلك، وقد يُضاف إلى ذلك إنعدام التّدوين والرُّواة.