الشِّعر العربيُّ يتربَّعُ على عرشِ الفَنِّ الإِنسانيِّ الرَّاقي

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

مقابلة خاصَّة مع الشَّاعر الدُّكتور الشَّيخ عبَّاس فتوني

أَجرت المقابلة الإعلاميَّة فاطمة خشَّاب(1)

الشِّعر هو إيحاءٌ وبَوحُ جَنان، وهُتاف وِجدان، ومعاناةٌ وثقافةٌ ومِراس، ورشاقةُ لفظٍ وتوازنُ نغَم، بلْ هو لغةُ الخيال والعاطفة، يبعثُ الرُّوحَ في العدم، فتسري فيه الحياة. وبعبارةٍ أُخرى، هو الكلامُ الموزونُ المقفَّى الَّذي يُعبِّرُ عن خلجاتِ النُّفوس بأَروعِ الصُّوَر، وأَجملِ الأَخيلة.

والشَّاعرُ الحقُّ هو حلُمٌ أَخضر، ولَحنٌ صدَّاحٌ خالد، ومجدِّدٌ أبداً؛ وهو ضميرُ الأُمّة ولسانُها، يُعبِّرُ عن آلامِها وآمالِها؛ وهو الَّذي يتفاعلُ مع الواقع، ويقومُ على الجمع بين جَمال المعنى والمبنى، بعيداً عن صعوبة الفهم، وزُخرفِ الشَّكل، وغرابةِ اللَّفظ. وحينَ نعرِفُ سِماتِ الشَّاعر يتَّضحُ لنا أَن ليس كلُّ من كتَب قصيدةً يعدُّ شاعراً.

حول واقع الشِّعر العربيِّ اليوم، وأَبرزِ التَّحديَّات الَّتي يُواجهُها، كانت هذِه المقابلةُ مع الشَّاعر عبَّاس فتوني:

كيف تنظرون إلى واقع الشِّعر العربيّ اليوم؟،

وإلى أيِّ مدى طرأت تغييرات عليه؟

كان الشِّعر العربيّ، ولا يزال متربِّعاً على عرش الفنِّ الإنسانيِّ الرَّاقي، وإن تفاوتت الرُّؤية لدوره، سواء أكان من حيث الفاعليةُ أم من حيث الحضور.

هذا، وإنَّ حال الشِّعر العربيّ كحال شاعره، وحال شاعره كحال وطنه، وأرى أنَّ واقع الشِّعر العربيِّ مطَمئن، والبلاد العربيَّة عوَّدتنا أن تكون ولاّدة دائماً، كلَّما غابت أسماء ظهرت أخرى جديدة، تتلألأ في سماء القصيدة العربيَّة، وتعطي زخماً جديداً للمشهد الثَّقافيِّ والسِّياسيِّ في الوطن العربيّ.

وكبيرة هي التَّحدِّيات، الَّتي تواجه الإنسان العربيّ في ظلِّ المتغيِّرات الَّتي نشهدها، والَّتي تشكِّل زلزالاً لحياة الإنسان العربيِّ، المتطلِّع إلى الأمن والاستقرار والنُّهوض، لا إلى الخراب والدَّمار والظَّلام.

وعلى الرُّغم ممَّا تواجهه المنطقة العربيَّة من ظروف قاسيةٍ، وتحدِّيات صعبةٍ جداً؛ نجدُ أنَّ الحركة الشِّعريَّة لم تتوقَّف أبداً، ودور الشِّعر، بشكل عامّ، يأتي من خلال تمتين العلاقة بين الشَّاعر والشَّارع. الشَّاعر هو الَّذي ينقل رسائل المجتمع على المستويات كلِّها، وهو الَّذي يرفع أصوات النَّاس عالياً، وهو المرآة التي تعكس الصُّور الحقيقيَّة، بعيداً عن التَّزوير. من هنا يأتي دوره في رصد الأحداث، والتَّفاعل معها، كفرد من هذا المجتمع، لا يقتصر دوره على توثيق الحدث فقط، بل له الدَّور الرَّائد في حمل قضايا النَّاس، والدِّفاع عنها.

ويبقى الشَّاعر العربيّ ابن هذا الواقع، يحيا فيه، ويشاركُه همومَه ومشكلاتِه وأحلامَه؛ وما عليه في بحر الحياة المتلاطم، إلا أن يتقن التَّجديفَ، ليصل بالأمَّة إلى ميناءِ الأمن والأمان.

عِلاوةً على هذا، أرى أنَّ راية الشِّعر تبقى عالية، بدليل الإصدارات الشِّعريَّة الَّتي تتدفَّق عبر المطابع، والمسابقاتِ الشِّعريَّة المتكرِّرة الَّتي تُجرَى في غير بلدٍ، والجوائز القيِّمة الَّتي تُرصد في هذا السَّبيل.

التَّغييرات التي طرأت على الشِّعر العربيّ،

أطالت الشَّكل أم المضمون، أم الاثنين معاً؟

ظلَّ الشِّعر العربيّ، في مجمله، قبل عصر النَّهضة، ولا سيَّما في النِّصف الأَوَّل من القرن التَّاسع عشر، وما قبله، يدور في حلقة ضيِّقة من الموضوعات الفرديَّة، الَّتي لا تمسُّ روح الشِّعر، ولا حياة النَّاس، ولا شؤونهم العامَّة، حتَّى غرق في نَظمٍ لا علاقة له بالشِّعر، غير الوزن والقافية، على غِرارِ شعر المناسبات، والألغاز، والتَّاريخ الشِّعريّ، والمساجلات الارتجاليَّة. فهو شعر َضعُف فيه الخيال والصِّدق الفنِّيُّ، والعاطفة، وعمق التَّجربة، ولكنَّ بعض الشُّعراء استطاعوا أن ينهضوا بمواهبهم، ويحقِّقوا لأنفسهم شهرة وفنّاً.

ولم ينبع هذا الشِّعر من معاناة الشَّاعر لتجربة ذات أَجواء خاصَّة، ولم يمثِّل النَّاس، أو يعبِّر عن همومهم الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة إلا في القليل النَّادر؛ وباختصار، إنَّ الشِّعر أصيب، آنذاك، بالجمود الفنِّيِّ.

حتَّى إذا حلَّ العصر الحديث، بدا لعوامل النَّهضة تأثير مهمٌّ في الشِّعر، إذ نمت رغبة ملحَّة في التَّغيير والتَّجديد لدى الشُّعراء، ولا سيَّما في نهاية القرن التَّاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، بجهود بعض الشُّعراء؛ وقامت محاولات جادَّة لتطوير الشِّعر العربيِّ، وصولاً إلى التَّجديد الحقيقيِّ في منتصف القرن العشرين، وكانت أولى تلك المحاولات، ما عرف بالشِّعر الحرِّ، وهو ترتيب مغاير للشَّكل المألوف في «الشِّعر العموديّ»، أو هو ترتيب جديد للتَّفعيلات الوزنيَّة التُّراثيَّة، من حيث عدمُ الالتزام بعددها المحدَّد في وزن القصيدة، وتغيير في القوافي؛ بعد أن فرض العصر الحديث تغييراً في المضامين الشِّعريَّة، فأصبح الإنسان مضمونًا شعريًّا، وأصبح الشِّعر تعبيرًا أمثل عن هذا العالم وتغيُّراته.

وظهر ما يسمى «قصيدة النَّثر»، وقد تبنَّاه عدد من الشُّعراء منذ الثَّمانينيات، وهو يتميَّز بالتَّوهُّج باللُّغة الشِّعريَّة المكثَّفة، والصُّور الشِّعريَّة الطَّريفة، والأسلوب المركَّز مع إحلال قيمة إيقاعيَّة جديدة، لاعلاقة لها بالتَّفعيلات التُّراثيَّة.

كما ظهرَت خواطرُ دُعيت بالشِّعر، وهيَ تكتب بِحرِّيَّة مطلقة، فلا تجد معايير تضبط أنفاسها، وترصد زلاّتها، فهي متحرِّرةٌ من كلِّ الضَّوابط الشِّعريَّة، وهي ضدّ كلِّ شيء: ضدّ بحور الشِّعر والأوزان، وضدّ وضوح الأفكار. وهذا النَّمط من القصائد عامَّةً، يعبِّر غالبه عن الضَّياع والحَيْرة والغموض؛ وقد يقصد أن يعبِّر عن اللاّ شيء، فنجد أنَّ مؤلِّف القصيدة نفسه، لا يدري ماذا يقول أو يقصد؟ قد يبحث عن المتضادَّات اللَّفظيَّة، ومتضادَّات المعاني. قد يدَّعي الجمع بين الضِّدين. هو يبحث عن مسافة خارج العقل، لا يستطيع أحد وضع تصوُّر لها، ولا يستطيع وضع مصداق لها؛ وهدفه من ذلك الإتيان بالجديد!

وهذا النَّوعُ الَّذي يسمَّى بالشِّعر، لا نستطيع حفظه،و لا عَرضُه كمَثل؛ ولا نستطيع أن نتساجل به، ولا نستطيع أن نَستشهد به في محفل! فهو لا يعيش معنا، ولا يعيش عامَّة النَّاس معه؛ إنَّه يعيش في أبراج عاجيَّة، صنعت بتكلُّف لِمناصبَ فكريَّة عاجيَّة، وما هيَ إلاَّ محض أوهام.

ما هي أبرز المواضيع والقضايا

الَّتي يطرحها الشَّاعر اليوم؟

إنَّ القصيدة الصَّحراويَّة تحوَّلت من قصيدة الجماعة، والبادية، والأطلال، إلى قصيدة ذات رسالة أخلاقيَّة، وبدأ الشَّاعر يحجِّم من القصيدة المباشرة أو القصيدة المبالغ بغزليَّتها أو طَلَليَّتها ونسيبها، فمالت إلى المدح الرَّسوليِّ، واستحضرت القيم، وهذا ما عزَّز دور الشِّعر في الحياة الفنِّيَّة، وكرَّس وظيفة الشِّعر، باعتبارها جزءًا من الرِّسالة، وكان الانتقال الأخطر ذاك الَّذي حدث في الدَّولة الأمويَّة، وفي الدَّولة العبَّاسيَّة، حينما بدأت تتشكَّل ملامح المدينة السِّياسيَّة والثَّقافيَّة، وهذا اقتَضى منَ الشُّعراء أن يعيدوا إنتاج الأساليب الفنِّيَّة ورؤى القصيدة، لذلك ضمرت القصيدة ذات الوظيفة الرِّساليَّة، وحضرت القصيدة ذات الوظيفة المدحيَّة، وذات الوظيفة الغزليَّة، وهذا يدلِّل على أنَّ القصيدة الغزلية ، الَّتي انتشرت في المرحلة الأمويَّة خاصَّة، هي القصيدة الوسطى ما بين التَّحوُّل من منطقة الطَّلل؛ لكنَّ التَّحوُّل الأخطر في القصيدة العربيَّة كان في المرحلة العبَّاسيَّة، حينما هجا الشَّاعر أبو نؤاس الظَّاهرة الأسلوبيَّة، الَّتي تكتب بها القصيدة الجاهليَّة، وهكذا بدأت تتوالى القصائد.

وإنَّ القصيدة اليوم تتأثَّر بالمكان والزَّمان، وبمجموعة من العوامل والمعطيات والمتغيِّرات الَّتي تنعكس عليها؛ والشَّاعر العربيُّ المعاصر يعيش أحداث عصره، لأنَّه هو المعنيُّ بقضايا هذا العصر؛ والشِّعر اليوم هو محاولة لاستكناه الحياة، لا مجرَّد الانفعال بها، لهذا حضرت الحالة الاجتماعيَّة، والوطنيَّة، والثَّقافيَّة في قصائد جُلِّ الشُّعراء.

ماذا عن خصوصيَّة الشِّعر الحسينيّ؟

وهل له مميِّزات خاصَّة؟

إِنَّ الشِّعر عمومًا هو، نظم كعقد اللُّؤلؤ المنضود، وأدب رفيع المستوى، وهو وسيلة من وسائل الإعلام، وإظهار الحقِّ، وإبطال الباطل. وبكلمةٍ موجزة، إن الشِّعر كسائر الكلام، بل كسائر الأعمال، لا يمكن الحكم عليه بالإطلاق، فهو يخضع حسب ما يحتويه من المعاني والأغراض.

ولا يَخفى أنَّ النَّظم في الرَّسول الأكرم، وأهل بيته الكرام i، ممَّا لقي تشجيعاً كبيراً من الرِّسالة الإسلاميَّة؛ لأنَّ تخليد هذه الشَّخصيَّات العظيمة، هو في واقع الحال، تخليد للقيم الَّتي بشَّروا بها، والخصال الحميدة الَّتي تحلَّوا بها، والرِّسالة السَّمحاء الَّتي أتَوا بها، لإخراج النَّاس من ظلمات الظُّلم والجهل، والانطلاق بهم إلى نور المعرفة والعدل، وشاطئ السَّلام. وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق t:«ما قال فينا قائلٌ بيتَ شِعر، حتَّى يؤيَّد بروح القدس».

ويعظم النَّظم في الإمام الحسين t، بوصفه حامل مشعل الرِّسالة الإسلاميَّة، ومنقذها من التَّحريف والضَّياع؛ ولولا الدِّماء الزَّاكيات الَّتي أريقت على تراب كربلاء، لما عرفنا الحقَّ من الباطل، ولانْهارَت أركان الإسلام، وأَصبح النَّاس هُمّلاً وأَصبح الدِّين على ألسنتهم لعقاً، يحوطونه ما درّت معايشهم! وقد ورد عن الإمام الصَّادقt: «ما من أحدٍ قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى به، إلا أوجب الله له الجنَّة، وغفر له». وفي بعض الرِّوايات: «أو تباكى فله الجنَّة».

لذلكَ فإِنَّ الشِّعر الحسينيَّ يمتاز بخصائص كثيرة، أهمُّها: الإيمان بالمبادئ والقيم والعقيدة؛ فهذه الخصائص هي الَّتي جعلت الشِّعر الحسينيَّ ينشط في كل مناحي الحياة الأدبيَّة؛ وبات يشكِّل ظاهرة متميِّزة في الشِّعر العربيّ، قديمه وحديثه، ولم أجد قضيَّة تفاعلَ معها الشُّعراء العرب بتجرُّد خالص، وإيمان صادق، مثل قضيَّة الإمام الحسين t، ومأساة كربلاء، الَّتي استجاب الشُّعراء للكتابة فيها، منذ وقوعها، في عام 61 هـجريَّة، حتَّى اليوم.

ومن نافلة القول، أنَّ لنهضة الإمام الحسين t، الأثر الكبير في إنعاش الأدب عامَّة، والشِّعر خاصَّة؛ ولهذا لم ينظم في شخصيَّة سامية، مثلما نظم في الإمام الحسين t، لأنَّ القضيَّة الحسينيَّة دخلت في ضمير الإنسان ووجدانه، بغضِّ البصر عن جنسيَّته ومعتقداته؛ ويرى بعضهم أنَّ الإمام الحسين t، لم يَصُنْ الإسلام فحسب، بل صان الوحدة العربيَّة، كما يقول الشَّاعر المصريُّ محمود إبراهيم:

وحدةُ العُربِ، كمْ رعاها حسينٌ

وغذَتْها منَ الحسينِ الدِّماءُ!

وهِيَ اليومَ في النُّفوسِ رجاءٌ

وَيْحَ قومي، متى يصحُّ الرَّجاءُ؟

ماذا عن خصوصيَّة تجربتكم الشِّعريَّة؟

كيف بدأت؟ وما هي أبرز مراحلها؟

نَشَأتُ وَتَرَعْرَعتُ فِي بَلْدَتِي «خرْبة سِلم»، إِحْدَى الْقُرَى الْعامِلِيَّةِ الْوادِعَةِ، الصَّامِدَةِ السَّاطِعَةِ، الَّتي تفجَّرَتْ فيها مشاعري شِعرًا، وَمِمَّا نَظَمتُهُ فِي حَقِّها:

أَزِفَتْ مِنْ دارِ النَّعِيمِ مَقاما

وَصَداها إِلَى الْقَصِيِّ تَرامَى

تَبْعَثُ النُّورَ منْ سَنا الْفِكْرِ كَالشَّمْـ

ـسِ إِذا ما تُطِلُّ تَمْحُو الظَّلاما

ثَبَتَتْ فِي أُفْقِ الْجَمالِ وَحاكَتْ

دُورُها الزَّاهِراتُ بَدْرًا تَماما

جَمَعَتْ فِي مَرابِعِ الْجُودِ أَكْما

ماً عِذاباً، تُغازِلُ الأَنْساما

حَسُنَتْ تِلْكُمُ الرُّبُوعُ فَباتَتْ

قِمَّةُ الْحُسْنِ تَنْحَنِي إِكْراما

«خـِرْبَتِي» مَعْلَـمُ الْبِنـاءِ أَشادَتْـ

ـهُ أَكُفُّ الْكِفاحِ حَتَّى اسْتَقاما

ذَاتُ قَدْرٍ هَيْهاتَ يَأْفُلُ، أَنْ ضَـ

ـمَّتْ، مَدَى الدَّهْرِ، سادَةً أَعْلاما

سُمِّيَتْ «خِرْبةٌ» وَقَدْ عَمُرَتْ بِالـ

ـدِّينِ وَالْعِلْمِ، فَاسْتَدَرَّتْ سَلاما

شَهِدَ الْخافِقانِ كَمْ حَضَنَتْ لُـ

ـبّاً لَبِيباً، وَفارِساً ضِرْغاما

مَقْلَعُ الْعِزِّ، مَنْبِتُ الْمَجْدِ، تُغْنِي

عَنْ بَيَانٍ وَتَسْتَفِيضُ كَلاما

وَلـِهٌ فِي وِصالِها لَـمْ يَزَلْ يَضْـ

ـطَرِمُ الشَّوْقُ في فُؤَادي اضْطِراما

لاذَ قَلْبِي بِظِلِّ غُصْنٍ رَطِيبٍ

فَإِذا نِمْتُ، دُونَـها لَنْ أَناما

يا نَشِيدًا، إِذْما ذَكَرْتُكِ يَوْماً

صَفَّقَتْ أَشْطُرُ الْقَصِيدِ خِتاما

وَكنتُ مُنْذُ الْحَداثَةِ، أتَرَقَّبُ المنافَساتِ الشِّعريَّةَ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى شاشاتِ التَّلْفَزَةِ، بِشَوْقٍ وَلَهْفَةٍ، وَطَمِحتُ إِلَى الْمُساهَمَةِ فِيها، حَتَّى تَسَنَّت لي الْمُشارَكَةُ فِي بَرامِجَ ثَقافِيَّةٍ شَتَّى.

فَاشْتَرَكتُ فِي سَنَةِ 1982، فِي بَرْنامَجِ «مُبارَزَة»، الَّذِي أَعَدَّهُ الأُسْتاذُ «مَرْوانُ نَجَّار»، فِي فِقْرَةِ «الشِّعْرِ الْكَلاسِيكِيِّ».

وَفِي سَنَةِ 1989، اشْتَرَكتُ فِي بَرْنامَجِ «الْمُمَيَّزُونَ»، الَّذِي أَعَدَّهُ الأُسْتاذُ «رَمْزِي النَّجَّار»، فِي فِقْرَةِ «الشِّعْرِ الارْتِجالِيِّ» .

وَفِي سَنَتَيْ 1993 و 1994، اشْتَرَكتُ فِي بَرْنامَجِ «الأَوَّلُونَ» بِجُزْأَيْهِ، الَّذِي أَعَدَّهُ الأُسْتاذُ «أَمِينُ خَزْعَل»، فِي فِقْرَةِ «الشِّعْرِ الارْتِجالِي ِ» أَيْضًا.

وَتَجْدُرُ الإِشارَةُ إِلى أَنَّ هَذا الْبَرْنامَجَ الأَخِيرَ، كانَ لَهُ صَدًى عَمِيقٌ فِي أَوْساطِ النَّاسِ، الَّذِينَ أَبْدَوْا تَعاطُفًا مَعي، لِذا خاطَبتُهُمْ أَثْناءَ تَسَلُّمِ جائِزَتِي:

بِثَنائِكُمْ ضَمَّخْتُ أَنْفاسِي

أَنْ كُنْتُمُ أَنْصارَ «عَبَّاسِ»

«عَبَّاسُ» جائِزَتَيْنِ نَالَهُما:

«كَأْسَ الْعُلَى»، وَمَحَبَّةَ النَّاسِ

وَتَوْثِيقًا لِهَذِهِ الْحَلقاتِ الشِّعْرِيَّةِ، وَالْمُناظَراتِ الْحَماسِيَّة، قمتُ بِطِباعَتِها فِي كِتابِي الْمَوْسُومِ: «الْفُتُونِي فِي الأَوَّلُونَ».

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ، طَفِقتُ أُغْدِقُ مِنْ نَظْمِ الشِّعْرِ، حَتَّى جَمَعتُ بَعْضَهُ فِي باكُورَةِ نِتاجِي، دِيوان: «ثَمَر الْكُرُومِ»، مُسْتَوْحِيًا اسْمَهُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي كنتُ أقْطُنُ فيها.

ثُمَّ ما لَبِثتُ أَنْ أَلْحَقتهُ بِمَوْلُودٍ شِعْرِيٍّ جَدِيدٍ، أَطْلَقتُ عَلَيْهِ اسْمَ: «باقات شِعْرِيَّة».

كما شارَكتُ فِي مِهْرَجانِ الشِّعْرِ الْمُقاوِمِ، الَّذِي ضَمَّ حَوَالَى مِئَةٍ وَخمسينَ شاعِرًا، مُمَثِّلاً لُبْنانَ، في مَدِينَةِ «كِرمانْشاه» في شِمالِ غَرْبِي إِيران، بِدَعْوَةٍ مِنَ الْمُسْتَشارِيَّةِ الثَّقافِيَّةِ لِلْجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الإِيرانِيَّةِ فِي لُبْنانَ بتاريخ 18 كانون الثّاني 2006 .

كَما شارَكتُ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الأُمْسِيَّاتِ وَالنَّدواتِ الشِّعْرِيَّةِ، وَالْمُقابَلاتِ الإِذاعِيَّةِ عَبْرَ وَسائِلَ إِعْلامِيَّةٍ عِدَّةٍ.

وَقَدْ نُشِرَ لي الْعَدِيدُ مِنَ الْقَصائِدِ فِي الصُّحُفِ وَالْمَجَلاَّتِ.

ونلتُ «جائِزَةَ سَعِيد فَيَّاض لِلإِبْداعِ الشِّعْرِيِّ»، لعام 2009 .

وشارَكتُ في مُؤْتَمَرِ العَلاَّمَةِ الشَّيْخِ حُسَيْن آل عُصْفُور، في مَمْلَكَةِ البَحْرَيْن، في عام 2010. ونلتُ شَهادَةَ شُكْرٍ وتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّجْنَةِ العُلْيا المُنَظِّمَةِ.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّني نظمتُ الشِّعرَ يافعًا، وبالتَّحديد حين بلغتُ سنَّ الخامسة عشرة. وأذكُرُ أنَّ أوّلَ شِعرٍ نظمتُه يتألَّفُ من بيتيْن فقط هما:

ما لي إذا قُلتُ الحقيقَةَ أُسْفَهُ

وَأَرَى العُقُولَ سَقِيمَةً لا تَفْقَهُ!

وَإِذا نَصَحتُ النَّاسَ كَيْ يَتَزَوَّدُوا

زادَ التُّقَى، قالُوا بِأَنِّيَ أَبْلَهُ!

ودونَ أدنى شكٍّ، كان لتشجيع الأهل والمحيط دورٌ كبيرٌ في ديمومة النَّظم والكتابة. أمّا من جهة الأهل: فقد وفّرُوا لي الظُّروفَ المناسبة، والأجواء المُلائمة، الّتي أتاحت لي الفرصة باقتناء الدَّواوين الشِّعريَّة للاطِّلاعِ على نتاج الشُّعراء، والإفادة من خبراتهم وتجاربهم.

أمّا من جهة المحيط، فقد أبدى الاستحسان حيناً، وأسدى النَّصائحَ أحيانًا، كما حرص على دعوتي إلى المشاركة في العديد من الأمسيَّات والاحتفالات الشِّعريَّة، الَّتي جعلتني أزيدُ من رصيدي الشِّعريِّ، حتَّى وُلدَ لي أكثرُ من عشرة كتبٍ، منها ما أبصرَ النُّور، ومنها ما ينتظرُ دورَه إلى الطِّباعة. وهنا من الوفاء، أنْ أهدي إلى جميع المشجِّعين والمحبِّين، باقات الشُّكر والامتنان، والتَّقدير والعرفان.

هذا، وإِنَّني أرَى أنَّ الشِّعرَ هو إيحاء وبوح جَنان، وهُتاف وجدان، ومعاناة وثقافة ومراس، ورشاقة لفظ وتوازن نغم، بل هو لغةُ الخيال والعاطفة، يبعثُ الرُّوحَ في العدم، فتسري فيه الحياة. وبعبارةٍ أُخرى، هو الكلامُ الموزونُ المقفَّى الَّذي يُعبِّرُ عن خلجات النُّفوس بأروع الصُّور، وأجمل الأخيلة.

ولا مناقشَةَ أنَّ الشَّاعرَ الحقَّ هو حلمٌ أخضر، ولحن صدَّاحٌ خالد، ومجدِّدٌ أبدًا. وهو ضميرُ الأُمّة ولسانُها، يُعبِّرُ عن آلامِها وآمالِها. وهو الَّذي يتفاعل مع الواقع، ويقوم على الجمع بين جمال المعنى والمبنى، بعيداً عن صعوبة الفهم، وزخرف الشَّكل، وغرابة اللَّفظ. وحينَ نعرِفُ سِماتِ الشَّاعر، يتَّضحُ لنا أن ليس كلُّ من كتب قصيدة يعدُّ شاعراً. وفي هذا الصَّدد قلتُ شِعْراً:

رأيْتُ الشِّعْرَ مرآةَ الخواطِرْ

تَجَلَّى سِحْرُهُ في كُلِّ شاعِرْ

وليسَ بشاعرٍ منْ قالَ شِعراً

وَلَمْ تَرقُصْ لأَحْرُفِهِ المشاعرْ

وما ألطف ما قاله البُحتريُّ في وصفه للشُّعراء:

الشُّعراءُ فاعْلَمَنَّ أَرْبَعَهْ:

فشاعِرٌ يَجْرِي ولا يُجْرَى مَعَهْ

وشاعِرٌ يَخُوضُ وَسْطَ المَعْمَعَهْ

وشاعِرٌ لا تَسْتَحِي أَنْ تَصْفَعَهْ

وشاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَسْمَعَهْ

والشِّعرُ لَديَّ موهبةٌ ونعمةٌ إلهيَّة، والله تعالى يقول: «وما بكم من نعمةٍ فمن الله»؛ وكثيرًا ما تأثَّرتُ بالمقاومة الَّتي تنبضُ في قلبِ كلِّ حرٍّ عزيز، واستلهمتُ البلاغة من القرآن الكريم وكتاب نهج البلاغة، وكتب الأدعية، الَّتي تختزنُ بديع الألفاظ وجميل البيان. وإنَّ أكثر ما استهوتني المناسبات الدِّينيَّة والوطنيَّة، والأمكنة الهادئة، البعيدة عن الضَّوضاء، ولا سيَّما المنزل. ولا يوجد وقتٌ محدَّد لنظم الشِّعر، فهو وحيٌ يمكن أن يطرق باب مخيِّلتي في أيَّة لحظة. ولا أرغبُ الكتابة إلاَّ عفْوًا واتِّفاقًا، دون سابق تعمُّدٍ وتصميم.

من هُنا، فإنَّ ما يُنظَمُ على السَّجيَّة لا يحتاج إلى تعبٍ أو صعوبةٍ وإعمال فكرٍ، حيث تنقاد القافية إليَّ انقيادًا، دون تكلُّفٍ أو تصنُّع. وبالتَّالي، فإنَّ القافية تكون وافرة طيِّعةً، فتُبنَى القصيدة.

ثمّ إنَّني هجرتُ الألفاظ الغريبة الَّتي يأباها الطَّبع، وينفرُ منها السَّمع. وصدق مَن قال:

مُتْعَةُ اللَّفظِ أنْ يَكونَ جميلاً

حافِلاً بِالخُطوبِ كالأزهارِ

فالَّذي لا يُجيدُ سَلْسَلَةَ اللَّفْـ

ـظِ بِمَعْنًى حُلْوٍ بَدِيعِ الإِطارِ

هُوَ أحرَى بالصَّمتِ كَيْ لا يشِيحَ الـ

ـنَّاسُ عَنْهُ بِالسَّمعِ والأَبصارِ

أمَّا المثل الأعلى في البلاغة لديَّ فهو الإيجاز، وفي الإنسانيّة هو أعظم شخصيَّة في العالم الرَّسول الأكرم محمَّد بن عبد الله w. وممَّا يَجدرُ ذِكرُه هنا، أنَّني لَمْ أَتأَثَّرْ بِشاعِرٍ مُعَيَّن، إِنَّما قَرَأْتُ لِلْعَدِيدِ مِنْهُمْ، وَكُلٌّ لَهُ مِيزَتُهُ وَنَكْهَتُهُ. وَقد صاحَبْتُ مُنْذُ الْحَداثَةِ الْعُلَماءَ والشَّخْصِيَّاتِ الْكَبِيرَة، وَكُنْتُ أَجِدُ نَفْسِي عِنْدَهُمْ.

فالشِّعرُ هوايتي، والتَّعليم الدِّينيُّ رسالتي. ولكُلٍّ منهما مجالُه، وقد يتكاملان ويتقاطعان بالهدف والغاية، حيث يكون الشِّعرُ شاهدًا على المعنى، وأسلوبًا من أساليب التَّأثير وتبليغ الدَّعوة الإلهيَّة. من هنا، فإنَّ معظم القصائد الَّتي كتبتُها تصبُّ في خدمة الدِّين الحنيف، ألا وهو الإسلام. وفي هذا قلتُ من قصيدة:

لَكَ سَيِّدي أَسلَمتُ وَجْـ

ـهَ العُمْرِ حَيثُ أُؤَمِّمُ

لا أَختَشي جُرحَ البَلا

ءِ، فإِنَّ ذِكرَكَ بَلسَمُ

سَأَذوبُ في الإِسلامِ حُـ

ـبًّا حَيثُ يَحلو العَلقَمُ

دِينٌ تَكلَّلَ بالعُلا

مِنْ أَجلِهِ أَتَجَشَّمُ

سَأَظلُّ مُؤْتَزِراً بِحَبْـ

ـلِكَ دائماً أَسْتَعصِمُ

سَأَظلُّ ليلَ نَهارَ أَصْـ

ـدَحُ مُنْشِداً لا أَسْأَمُ

أَنَا مُسْلِمٌ، ولْتَشْهَدِ الـ

ـدُّنيا بِأَنِّيَ مُسْلِمُ

ولا أتملَّق إذا ما قلتُ: إنَّني لا أطمَحُ إلا لِنَيل رضى الله تعالى، وكسب الأجر والثَّواب، وأن يجزيني اللهُ على ما كتبتُ رَوحَه ورَيحانه، وجَنَّته ورِضوانَه، وأن يجعلني ممَّن استثناهُم في الآية الكريمة الآتية، من فرقانهِ الحكيم:

« والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.

إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا، وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِما ظُلِمُوا؛ وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ».

ما هي أبرز التَّحدِّيات الَّتي يعيشها الشَّاعر اليوم، وتحديداً الشَّاعر الملتزم على وجه التَّحديد؟

الشَّاعر الملتزم هو الَّذي يشارك النَّاس همومهم الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة، ومواقفهم الوطنيَّة، والوقوف بحزم لمواجهة ما يتطلَّبه ذلك، إلى حدِّ إنكار الذَّات في سبيل ما التزم به؛ وهذا الموقف يقتضي صراحة ووضوحًا، وإخلاصا وصدقًا، واستعداداً من الشَّاعر لأن يحافظ على التزامه، وما اعتنقه وأوجبه على نفسه.

والالتزام هو أن يرى الشَّاعر فنَّه وسيلة لخدمة فكرة معيَّنة عن الانسان، لا لمجرّد تسلية، غرضها الوحيد المتعة والجمال.

وقد جاء في الآية الكريمة:} وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا {. (الفتح/26)

وممَّا لا ريب فيه أنَّ الشِّعر المنظومَ لا بدَّ أن يكون الشَّاعرُ مقتنعًا به عميق الاقتناع، حتَّى قبل أن يتناول القلم. إنَّ عليه بالفعل، أن يشعر بمدى مسؤوليته، وإلاَّ فإنَّه متواطئ مع المضطَّهدين، إذا لم يكن الحليف الطَّبيعيَّ للمضطَّهدين.

وهنا نشيرُ إلى الدَّور الكبير، الَّذي يلعبه الشِّعر في مصير المجتمعات، فالشَّاعرُ هو ابن بيئته، والناطق باسمها؛ وكلمته سلاحه؛ فعليه تحديد الهدف جيِّدًا ، وتصويبها عليه بدقّة.

وهنا يبرز هدف الالتزام في جِدَّة الكشف عن الواقع، ومحاولة تغييره، بما يتطابق مع الخير والحقِّ والعدل، من طريق الكلمة الَّتي تسري بين النَّاس، فتفعل فيهم على نحو ما تفعل الخميرة في العجين، على ألا يقف الالتزام عند القول والتَّنظير، إذ: ليس الالتزام مجرَّد تأييد نظريٍّ للفكرة، وإنّما هو سعي لتحقيقها، فليست الغاية أن نطلق الكلمات بغاية إطلاقها.

فالشَّاعر مسؤول، بمجرَّد أن يكتب، وينشر لمجتمعه ، فهو يجب أن يعبِّر عن آلامها وآمالها وتطلُّعاتها.

وعلى القلم المسؤول، أن ينفي عنه أوّل شيء، اعتبار عامل الكسب؛ فذلك هو الشَّرط المبدئيّ لصحَّة الرَّأي ونزاهته. وإِنَّ ظروفنا الاجتماعيّة الحاليَّة، الحافلة بالقلق، والمليئة بالمشكلات، تدعو وبشدَّة إلى الأدب الملتزم .

ووضع بلادنا العربيَّة، وما آلت إليه من تشرذم، ومن تآمر الأعداء وتكالبهم عليها، تدعو الجميع إلى تجنيد الجهود، للعمل على تحرير البلاد، ورفع مستواها السِّياسيِّ والاجتماعيِّ والفكريِّ.

وحتَّى يكون الشِّعر صادقاً، لا بدَّ وأن يتكلَّم عن الواقع الَّذي يعيشه الأديب، والظُّروف الَّتي تحيط به، وتؤثِّر على نفسيَّته وعلى يراعه، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصِّدق، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.

أمَّا معنى الالتزام فعريق في الأدب، ذلك أنَّ الالتزام في الأدب لا يعدو أن يكون منصرفاً عن الزُّخرف اللَّفظيِّ، وعن الزِّينة الصُّوريَّة الَّتي هي وَهم وخداع، والالتزام هو أن يكون الأدب مرآة الإنسان وخلاصة تجربته.

فالشِّعر الملتزم يتجسَّد في مشاركة الشَّاعر النَّاس، همومهم الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة، ومواقفهم الوطنيَّة، والوقوف بحزم، لمواجهة ما يتطلَّبه ذلك، إلى حدِّ إنكار النَّفس في سبيل ما يلتزم به الشَّاعر.

ختامًا، كيف تقوِّمون تعاطي النَّاس مع الشِّعر؟

وهل تخافون على مستقبل الشِّعر؟

في المشهد الشِّعريِّ العربيِّ، لا يزالُ هناك ما يوحي أَنَّ الجمهور على علاقة وطيدة بالشِّعر، ما خلا بعض الحالاتِ الَّتي لا تلامسُ اهتماماتهم ومشاعرهم.

غيرَ أنَّها لن تؤثِّر في وجوده، على الرُّغمِ منَ التَّحديَّات الكبيرة، على مستوى التَّحوُّلات في مختلف المجالات الحياتيَّة، وما يمرُّ به الشِّعر بوسائل الاتِّصال الحديثة، ويمكنني أن أؤكِّد أَنَّ الشِّعر ما زال قادراً على التَّحريض، والوصول إلى الجمهور، لأنَّ الشِّعر يعيش في وجدان الإنسان العربيّ؛ وأخال أنَّ الأزمة نابعة من الشَّاعر، قبل أن تكون أزمة قارئ، وما علينا إلاَّ أن نذهب إليه، ونعيد إحياءه، وأن نحرص على الشِّعرِ ألاَّ يتراجع جماليّاً ومعنويًّا، ومثلُه كمثل الحياة، يحتاج إلى بقعة تحت الشَّمس، لينمو ويزهر ويزدهر.

فالشِّعر باق، وسيبقى ما بقي الشُّعور الإنساني على الأرض، لأنَّه من المسلَّمات، وما دامت اللُّغة حيَّة، يمكن للشِّعر أن يتنفَّس تحت مظلَّتها، ويمضي حاملاً صليبه، كما في كلِّ الأزمنة الَّتي نقاتل فيها بشراسة من أجل الكلمة.

وبعبارةٍ أخرى، أقولُ: إنَّ الشِّعر العربيَّ لا يحتضر، فهو حيٌّ لا يموت، وهو الهُويَّة الأدبيَّة العربيَّة، والمتلقِّي العربيُّ لا يستطيع التَّخلِّي عن الشِّعر، بل يبقى يبحث عنه؛ ولكن على الشَّاعر الألمعيّ، أن يبدع ويتألَّق، ويحاول خدمة الشِّعر قدر استطاعته، ويبتعد عن النَّصِّ الطَّويل، ويحوِّله إلى مقاطع أو أبيات معدودة، تعبِّرُ عمَّا يجول في خاطره، فيتلقَّاها المتلقِّي دون مللٍ أو تعب.