مفاهيم في المعرفة النفسية - الحلقة الثالثة

22/1/2018
العددان الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون كانون الثاني -2018

 

بقلم مستشار التحرير د. عصام الحاج علي العيتاوي

 

معرفة النفس أشبه ما تكون بمعرفة الصانع من خلال المصنوع، لذلك يتطلب الأمر محاولة معرفة الطرفين معاً، الصانع أولاً (معرفة الله) ومن ثم المصنوع ثانياً، وبما أن الصانع من المستحيل معرفته لتجرده عن كل ما سواه، ولسبقه لكل الموجودات، ولخلقه المخلوقات، ولعجز العقل الكلي (العقل الأول)، أو العقل الجمعي بتعبير أوغست كونت (مؤسس علم الإجتماع في فرنسا)، ومن أجل هذه الأمور مجتمعة ينبغي على الناس التوجه إلى دراسة المصنوع، ليس من خلال ماديته، التي تقود في النهاية إلى تحليله ضمن مركبات بنسب مئوية محددة، وفقاً للكم والحجم وهذا متوافر حالياً. بل الأوفق دراسة هذا المصنوع من خلال نفسه (روحه)، الشيء المعنوي في الإنسان، الحركة ـ الحياة ـ النفس ـ الروح ... بإعتبار هذه المسميات روحيه غيبية، إلا أنها لها تأثيرات تتعلق بالحياة عامة، ومن خلالها يُعرف الإنسان أنه حي، وإنه لا يلبث أن يموت، وأنه مخلوق لخالق قدَّر الموت على جميع مخلوقاته. قال تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِين{(1).

 

من هنا دراسة النفس هي المقدمة لمعرفة النفس الكلية أولاً، ومن ثم معرفة الله، وبما أنه من المستحيل معرفة النفس معرفة كلية لتجردها عن الحواس منفردة ومجتمعة. كذلك معرفة الله تبقى نسبية وفقاً للدرجة الإيمانية التي يصل إليها المقرّبون من الأنبياء والرسول والأئمة المهديين، وكل على قدر طاقته وتوجهه في حده الأقصى.

 

وقد جاء في كتاب راحة العقل: «أن الله سبحانه وتعالى أبدع من ذاته العقل الكلي، أوالموجود الأول، أو المُبْدع الأول أو السابق وجعله علة للموجودات، العلوية والسفلية؛ لأنه عين الإبداع وعين المبدع من ناحية، وعين الوحدة من ناحية أخرى... ثم بواسطة المُبْدع الأول هذا وجدت النفس .

 

وهي الخلق الثاني المنبجس من الخلق الأول، وإنما سمّيت نفساً؛ لأنها تتنفس دائماً للإستفادة، ليكون بتواتر تنفسها قوام الخلقة، ويقال لها التالي أو المُبْدَع الثاني وإليه تنتهي عواقب الأمور... ولمّا كانت النفس قد تصورت من جوهر العقل وضيائه يقال لها الصورة، كما يقال للنفس والعقل: الأصلان. وبواسطة الأصلين السابق والتالي، أو العقل والنفس، وجدت المخلوقات كلها العلوية الروحانية والسفلية الجسمانيّة (2).

 

وفي هذه الحلقة الثالثة من المعرفة النفسية، لا بد من التطرق إلى بعض المفاهيم الفلسفية، كمقدمة للدخول في ما بعد إلى هذا الميدان المعرفي، لذلك سأتناول الموضوعات الآتية تعريفاً مبسطاً علّني أساهم في الوصول إلى المقصود من هذه الحلقات وهي هذه المفاهيم: القوة والفعل، الحول والقوة، العقلية والنفسية، المادي والمعنوي، إضافة إلى جدولين الأول يظهر الفرق بين النفس والروح. والثاني بين الجسم والجسد، ا والصورة، بين الأنا والذات، الوسع والطاقة.

 

القوة والفعل:

 

القوة: هي الطاقة الموجودة في الشيء قبل استعمالها واقعاً وهي الخصلة الواحدة من قوى الحَبْل، وقيل القوة الطاقة الواحدة من طاقات الحَبْل أو الوتَرْ والجمع قوى. وحَبلٌ قوي ووتَرٍ قوي كلاهما(3).

 

والقوة هي القدرة، وتارةً للتهيؤ الموجود في الشيء نحو ما يقال، النَوى بالقوة نخل، أي متهيئ ومترشح أن يكون منه ذلك، يوماً ما(4). إذا ما توافرت له الظروف طبعاً «الرطوبة، التربة والظلام... . وهي من متعلقات الزراعة. وفي غيرها من القطاعات ذات الشيء الأول.

 

الفعل: هو التأثير من جهة مؤثر، بعلم أودونه. بقصد أو بغير قصد. ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات(5). لذلك يفرّق بين الفعل والعمل عند الإنسان وغيره وخاصة الجمادات. بإعتبارأن الفعل بلا نية، أما العمل فيكون بنية سابقة، والفعل بالنهاية كناية عن كل عمل متعدٍ أو غير متعدٍ(6). هذا من جهة اللغة للقوة والفعل، أما من الناحية الفلسفية فلها معنى آخر.

 

القوة والفعل فلسفياً: القوة تعني العزم، القدرة، الشدة. «وقوة الفكر ، وهي مبدأ فعل، مِكنْة محرَّكة (الأفكار الفاعلة). والقوة هي ما يكون غير محسوس في الأشياء، وهي الإرادة ذاتها، فلا يمكن أن يكون ثمة قوة بلا جوهر مادي. وبالعكس لا يمكن وجود جسم بلا قوى تكمن فيه(7).

 

والقوة تكون سبباً لظاهرة أخرى دائماً. وهي بمنزلة (أصل الأصول) وإنما المادة والحركة تجليات للقوة مشروطة بشروط مختلفة. وعليه  فالقوة: هي الفكرة الأخيرة التي يقودنا إليها التحليل، وهي بذاتها لا يُمكن معرفتها، ولا يمكن النظر إليها إلا بوصفها  معلولاً مشروطاً لعلة لا مشروطة « وبوصفها الحقيقة النسبية التي تدلنا على الحقيقة المطلقة (8).

 

ويمكن تلخيص مصطلح القوة والفعل؛ بأنه لكل قوةمعينة مبدأ فعل، وما من فعل يصدر إلا عن قوة سابقة عليه، وبما أن الأفعال الصادرة عن القوى، التي تعتبر طبيعية من حيث الوجود؛ لكنها مخلوقة طبعاً وفقاً لنظام ثابت فيها مسبق، وهي بحد ذاتها تخضع لقانون العلمية، إذ لا يمكن أن تُوجد نفسها بنفسها، لا من حيث الوجود ولا من حيث النظام. لذلك فلكل قوة فعل (عمل) خاص بها، لا تعدله ولا تغيّره، لعدم وجود قدرة داخل قوتها قابلة للتغيير (فطرة الله التي فُطرت عليها). وعليه عندما نستعمل مصطلح القوة والفعل؛ فإن معنى ذلك لكل قوة معينة فعل يدل عليها، ولكل فعل نشاهده قوة خاصة فيه، فالقوة والفعل متلازمان، كتلازم الشمس ونورها والنار وحرارتها.

 

الحَوْل والقوة:

 

الحَوْل: تغيّر الشيء وإنفصاله عن غيره. وحَوْل الشيء: جانبه الذي يمكّنه أن يُحَوَّلُ إليه(9). والحَوْل هو الحركة، وحَالَ الشخص إذا تحرك، وكذلك كلُ متحولٍ عن حالة. أي لا إستطاعة إلا بمشيئة الله(10). والحَوْل (أي الحَيْل) ليس لديه حيل أو قوة إلا من الله تعالى، حتى يستطيع الفرد منّا أن يتحرك أدنى حركة، إلا بمشيئة الله. وبما أن الحركة بحاجة إلى قوة، إذاً الحَوْل مرتبط بالقوة مباشرةً، وإلا فلا حيل.

 

القوة: هي الطاقة الواحدة من طاقات الحَبل أو الخُصلة الواحدة من قُوى الحَبْل. وجمعها قوى. وفي حديث ابن الديلمي: «يُنقضُ الإسلام عروةٌ عروة كما يُنقضُ الحبلُ قوةً قوة (11).

 

الوسع والطاقة:

 

الوسع: دون الطاقة ويسمى ذلك وسعاً، بمعنى أنه يسع الإنسان ولا يضيق عنه. لا يكلف الله إلا دون الطاقة، أي لا يأمر ولا ينهى أحداً إلا ما هو له مستطيع، وقيل إن معنى قوله إلا وسعها يعني إلا يسرها دون عسرها، ولم يكلفها طاقتها ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها(12). والوسع هنا ما تتسع له قدرة الإنسان، وهو فوق المجهود واستفراغ القدرة.

 

الطاقة: أكبر قدرة من الوسع، ولهذا لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ{(13)، إلا على قدر طاقتها. وبذلك يبقى الوسع محمولاً، ولو كلفه الله على قدر طاقته لرزح تحت ثقل التكليف، وملّ مما يقوم به ولاحتاج إلى جهودٍ كثيرةٍ تقعده عن العمل في النهاية.

 

ولا بدّ من لفت النظر هنا، إن للنفس طاقةً، وللجسد وسعاً، فالطاقة تقع على النفس، والوسع يقع على الجسد المادي. والتكليف ولو كان للنفس أولاً باعتبارها تتلقى الوحي مباشرةً، ولها القدرة على ما يلقى إليها وفقاً لقوتها، إلا أن تنفيذ الأعمال الموحى بالقيام بها، هي بمقدار ما يتحمله الجسد وعلى وسعه، أي على قدر تحمّل سلوكه العملي ولهذا يتوجب علينا تحديد السلوك وتعريف ماهيته.

 

السلوك:« هو النفاذ في الطريق في اللغة. ويطلق السلوك على كل حركة نقوم بها سواء كانت إرادية أو غير إرادية؛ لأن كلا الإثنين يعبران عن إرادة في الوصول إلى القصد المعين.

 

وسلك: السلوك مصدر سلك طريقاً، وسلك المكان يسلكه سَلَكاً وسلوكاً (14).

 

والأصل في السلوك هو الطاقة الحيوية، وهي عبارة عن الغرائز والحاجات العضوية. وهما اللذان يدفعان إلى طلب الإشباع، ما يؤدي بالإنسان إلى التحرك  بالقول أو العمل لتلبيتهما وسلوك الإنسان بحسب مفاهيمه... «والسلوك هو نتيجة الطاقة وهو غير الفكر، وإذاً فإن التفكير غير الميل، وإن العقلية غير النفسية. هناك طاقة تتطلب الإشباع وعقل يفكر وهما أمران مختلفان. فإذا ارتبطا وحصل سلوك حسب الأفكار كانت الشخصية (15).

 

ويمكن تلخيص ما تقدم، أن السلوك القويم، هو السلوك الذي يرتبط بالفكر مباشرةً، ويقوم العمل فيه على ربط المعلومة السابقة بالواقعة المعيوشة التي يحتاجها الفرد منا، وفاقاً لمبادئه التي يعتنقها، وبذلك تتحول المعلومات إلى مفاهيم يعيشها الإنسان واقعياً، لقضاء حاجاته الأولية من طعام وشراب توافق شروط الطهارة والحلية الدينية، وكذلك تنفيذ غرائزه بما يتوافق مع الشرع، من حيث الحلال والحرام، وبذلك نكون قد بينّا هنا الفرق بين المعلومات والمفاهيم، بطريقة مختصرة ومعبّرة عن سلوك الأفراد في المجتمع كل وفق معلوماته، فإذا تقيد بها أصبحت مفاهيم، وإن لم يتقيد فهو يعلم ولا يسلك، أي تبقى معلومات على سبيل العلم فقط، ولا دخل لها بالواقع المعيوش. وهنا نستطيع أن نحكم على بعضنا بعضاً في ما ندعي من العلوم والشعارات التي نرفعها في المجتمع الذي نعيش. وهذا ما يقودنا إلى إلقاء الضوء على مفهومي العقلية والنفسية.

 

العقلية والنفسية:

 

العقلية: وهي كما جاء في كتاب لمن الحكم للحاج سميح عاطف الزين(16): العقلية هي الكيفية التي يُربَطُ فيها الواقع بالمعلومات، بقياسها إلى قاعدة واحدة أو قواعد معينة، ومن هنا يأتي اختلاف العقليات. كالعقلية الإسلامية، والعقلية الشيوعية، والعقلية الرأسمالية، والعقلية الفوضوية والعقلية الرتيبة.

 

النفسية: فهي الكيفية التي يجري عليها إشباع الغرائز والحاجات العضوية، وبعبارة أخرى هي الكيفية التي تُربط فيها دوافع الإشباع بالمفاهيم، فهي مزيج من الإرتباط الحتمي الذي يجري طبيعياً في داخل الإنسان، بين دوافعه والمفاهيم الموجودة لديه عن الإشباع، مربوطة بمفاهيمه عن الحياة.

 

لذلك يتميز كل كائن بشري بشخصية معينة، تختلف عن سواها من حيث الطبع (ما طبعت عليه) ومن حيث الشكل البيولوجي (طبيعة الخَلقْ) ومن سائر متعلقات الحياة العامة الخاصة، (اللباس ـ الذوق ـ اللون ـ الحب ـ الكراهية... إختيار الشريك الآخر)، وبذلك تتعدد الشخصيات البشرية كل حسب معتقده أولاً، ومن ثَّم حسب عاداته وتقاليده، وكلما تعمقنا في تفاصيل القوى الداخلية فينا، كلما تمايزت الشخصيات عن بعضها بعضاً. حتى ضمن سياق المذهب الواحد أو الحزب الواحد أو التيار الواحد... وهذا بحد ذاته يعتبر باباً من أبواب التعارف بين الناس، وكلٌ يدافع عن ما يعمل ويعتقد بكل ما أعطي من قوة. وإجتماعياً يعتبر مدعاة إلى التداخل الإجتماعي كمنطلق للتعرف على الآخر، الذي يَعتبر نفسه فرداً مميزاً عن سواه، وله خصوصيته الذاتية الدالة عليه، والتي يحاول ضمناً أن ينشرها ويتفق مع غيره على قواسم مشتركة منها، وإنشاء صداقات على أساسها. ولأجل هذا فجُلَّ الأصدقاء يتماثلون في السلوك والمفاهيم حسب القول المأثور: «إنّ الطيور على أشكالها تقع .

 

المادي والمعنوي:

 

إنَّ طبيعة كل الأعمال، التي يقوم بها الإنسان تنقسم إلى قسمين. مادية ومعنوية. فالمادية ما تتقوّم للعمل الذي يحتاج إلى الآلات والأدوات المعينة للقيام به، كأي عملية صناعية أو طبيعية، تتحوّل خلالها المادة الخام إلى مكوّن إنتاجي يُسهم سيرورة حياة الخُلقية العامة كمثل تحلل المعادن التي بفعل إنحلالها وتركيباتها في التربة جرّاء حركة المادة نفسها، وما يطرأ عليها من تأثيرات الأفلاك والكواكب والحرارة، فتصبح غذاءً للنباتات، التي بدورها، تُشكل العامل الأساس للحياة الحيوانية ومن ضمنها الإنسان الناطق (الإنتاج النباتي+الحيواني)، الذي يعتمد عليهما، والماء كمكونات أولى لإستمرار حياتة ونموه، بإلإضافة إلى ما ينتجه هو نفسه من أدوات صناعية تُسهم في رفاهيته وتنعمه في حياته ككل المنتج التكنولوجي واليدوي، في إخراجه من مواده الأساسية (كالصناعات الخشبية، والمعدنية، والطبية...) وتحويله إلى أدوات مساعدة في إشباع غرائزه وحاجياته.

 

وأما المعنوية، فهي الأعمال التي تترافق مع التقديمات الإجتماعية التي تقوم بها الجهات المانحة، والمساعدات التي يقدّمها المجتمع الإنساني، خاصةً في النكبات (من حروب ـ كوارث طبيعية وغيرها) إلى بني جنسه مجاناً سواءً في الداخل والخارج، إضافةً إلى كل أنواع البروتوكولات والأتيكات، التي نكرّم بعضنا بعضاً في شتّى الخدمات والتشريفات الإجتماعية... مصداقاً لقوله تعالى في القرآن الكريم: مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ {(17). والموضوع لا يحتاج إلى التوسع فيه أكثرمن ذلك، بإعتباره أصبح مفهوماً من جُملة المفاهيم المتداولة عند جميع الناس، وظاهرة تُفيدُ ويُعمل بها في العلاقات الإجتماعيّة.

 

الجدول الأول: بين النفس والروح

 

 

 

النفس

الروح

1.      بسيطة

أبسط

2.      هيولى + صورة

هيولى + صورة

3.      هي انبثاق عن العقل

هو نفخة من الله ـ ونفخة فيه من روحي ـ

4.      يُطلق عليها صفة التأنيث

يطلق عليه صفة التذكير

5.      بها العلم والنَفَسْ

به الحياة والتنّفس

6.      تخرج عند كل نوم لصاحبها (الأحلام، الرؤى...)

يخرج مرة واحدة، ذلك عند الموت

7.      هي التي تحاسب على أعمالها

هو يُجازى على عمل النفس

8.      هي متعددة في الأفراد كلٌ حسب ـ بيئته، عقله، ميوله...

هو واحد في الجميع

9.      لا تموت تنتقل

هو الحافظ للنفس أبدي به البقاء

10.  لها صفات ـ مطمئنة، لوامة، أمارة

لا صفات له

11.  تتلقى الوحي

دعامة التلقي للوحي

يمكن إضافة فروقات أخرى

 

 

 

الهيولي والصورة:

 

الحكماء والفلاسفة الإلهيون قسمّوا الموجودات من حيث المبدأ إلى قسمين. خالق ومخلوق. فكل المخلوقات يطلقون عليها مركّبات، إلا الخالق بسيط. والمعنى بالمركّبات أنها تتألف من مادتين أوأكثر، والبسيط أحادي الوجود. ومن المستحيل أن يكون مركّباً لإحتياجه إلى بسيطٍ سابق.

 

وبذلك أن الله تعالى موجود، وهو أوجد كل الموجودات، وضرورة وجودها للمخلوقات الأخرى، وضرورة تركيبها لإعادة تحليلها بإنتهاء وجودها، فالهيولى والصورة، أو مشابهاتها من التسميات الأخرى، كالجوهر والعرَض والروحاني والجسماني... كلها تسميات لمسمّى واحد، والذين عنوا بقولهم الهيولى، الصورة، يعني أن العقل صورة للنفس وتماميةً لها، وأنها هيولى له لقبولها آثاره، وإشراقها بنوره، فهو مودعها صورة التمام، ومبلغها إلى درجة الكمال. ويمكن القول أن النفس هي إنبعاثٌ عن العقل، كنور الشمس المنعكس ضوءً في القمر.

 

معنى الهيولى والصورة: المخلوقات كلها تتألف من هيولى وصورة، أي مادة وموضوع، ولا وجود لأحدهما إلا بوجود الآخر، أي لا وجود لهما إلا معاً. فلا الهيولى سابقة في وجودها على الصورة، ولا الصورة سابقة في وجودها على الهيولى.

 

بل هما ذاتٌ واحدة هي في ذاتها مؤلفة من جزأين، بهما ذات الجسم، جسم على كون الصورة، أشرف من المادة لتعلق العقل بها (كما قال الكرماني). فلا الهيولى لمجردها جسم، ولا الصورة لمجردها جسم أيضاً، لكنهما بإعتضاد كلٍ منهما في الوجود بالآخر على  أمرٍ ينافي في ذاتيهما، إذا كانتا في حالهما الأولى لا كما في حالهما الثانية عند البحث (لإختلاف الصورة). إذ هما في الأولى خاليان مما صار لهما في الثانية من (طول ـ عرض ـ عمق). كالسبيل في حدوث شيء لا يجتمع إلا بإضافة الآخر له حتى يصير، وإلا لم يكن إلا بإتحادهما (18).

 

وتسهيلاً للفهم فالهيولى كتعريف هو: جوهر بسيط قابل للصورة. ويقال عنه هيولى: لأنه مهيأ لقبول ما يتحد به، كقبول الشمع أثر النقش والتصوير عليه، إذا حاولنا أن نطبع شيئاً عليه. وبمعنى أكثر دقة الهيولى تعني: (هي ولى) أي هو له، أي للشيء المتحد به كصورة. وهذا تعريف يحاول أن يقرب المعنى إلى الذهن كصورة وجوهنا، فالرأس للكل هو على شكله المعروف، لكن وجه كل فردٍ منا يختلف بصورته عن كل الوجوه. وهكذا لكل مخلوق مادة = هيولى وصورة تُركب على المادة تُعرف المادة بإسمها مثلاً:(حجر، ورقة، شجرة...).

 

وأخيراً من حيث التسمية الهيولى كتعريف هي: جوهرة بسيطة روحانية، معقولة، غير علاّمة ولا فعّالة بل قابلة آثار النفس بالزمان، منفعلة لها متعلقة بها، وأول شيء قبِلته الهيولى: الطول ـ العرض ـ العمق ـ الأبعاد الثلاثية لكل الموجودات. وهي بحد ذاتها انقص رُتبة من العقل والنفس لبعدها عن الباري سبحانه.

 

والله سبحانه وتعالى عندما يقول للشيء كن فيكون، فإنما هذا الأمر يتولد عنه هيولى وصورة للشيء المقصود (لذلك كل شيء مركب)، الذي يبقى طوال مدته الزمنية بحاجة إلى إمداد الله له حتى يبقى وإلا يتلاشى في الكون الفسيح، وكل ذلك بمشيئة الله. «وعليه يمكن القول أن الهيولى والصورة كلاهما ليسا بجسم محسوس. إنما الخلق يبدأ بهما من لا شيء، ويقعان تحت فعل الآمر (كن فيكون) فهما استجابة لأمر الله في الكينونة بعد العدم (19).

 

كما أن هناك بعض المفاهيم في المعرفة النفسية لابد من لفت النظر إليها، حتى نستطيع إدراك النفس، أو محاولة التعرف على أنفسنا أكثر، إذاً لا يستطيع الإنسان مهما أوتي من قوة أن يخوض في المعارف الإنسانية دون أدوات ومصطلحات ومفاهيم دالة يتفق عليها أهل اللغة والمعرفة، حتى نستطيع أن نكون أقرب في عملية الإستيعاب والفهم للمعرفة المقصودة.

 

بين الهيولى والصورة: من حيث المبدأ لكل صورة هيولى قائمة عليها، أو بالأحرى لا يمكن للصورة أن تقوم إلا على هيولى. والهيولى هي الشيء المهيأ سلفاً من أجل الصورة اللاحقة عليها، وهذا ما جعل الهيولى في المقام الأول من الوجود، لكن لا تكون وحيدة أبداً، بل متلازمة مع الصورة، التي هي المعَّين الموجود وفقاً للفظ الذي يطلق عليه كإسم. إنما التقدم والتأخر بين الهيولى والصورة، هي من حيث الزمن ليس إلا، فإنطباع الصورة ووجود الهيولى، شيء واحد في الوجود، إنما من حيث التركيب فقط يقال هيولى وصورة.

 

ولا تكون الصورة قائمة بالفعل إلا عبر الحركة، التي هي في الأساس ناتجة من شكر الخالق على عملية الخلق أولاً: قال تعالى: وما من شيء إلا يسبّح ويقدس له بالتسبيح وبالتقديس هو عبارة حمد الله على نعمة الوجود، وهو ما يعبر عنه بالسرور والحبور لواهب الحياة، وهو القصد الأساس من هذه الحركة الدالة على وجود الحياة في الشيء المعلوم المعَّين. إذ سكونه يدل على موته وإنعدام الحياة فيه.

 

وفي العادة أن الصورة، هي التي تهب الهيولى الحركة، حتى تطلب الكمال في ما خلقت له. ولذلك يعبر عن وجود العلم في الكائنات، بأنه موجود تحت إطار عِلمين: الأول العلم الموهوب للموضوع، وبفضله يحفظ الموضوع نفسه في البقاء، العلم الثاني، العلم الكمال وهو الذي يتحرك بواسطة الصورة، التي هي النفس، من أجل الكمال الثاني والنهائي لكل مخلوق، ويكون ذلك بواسطة الإكتساب من المعلم أو القائم بالعلم. مهما كانت تسميته. أو ما يعبرّ عنه فلسفياً بالقوة والفعل، فالقوة بوجود الأشياء إبداع بعلمها المختص الذي يحفظ موضوعها، ويبقى ناقصاً بمعنى الكمال كقوة، حتى تتحرك النفس بطلب العلم وتنشغل به وينقل المخلوق إلى الوجود بالفعل بعد علمها، أو عبر التكسب من المعلم. ويمكن تشبيه الهيولى (بالسيارة) والصورة (بالسائق) فإذا تعطلت السيارة، أو أصابها الفناء وخرجت من الوجود كلياً؛ فإن ذلك لا يؤثر على السائق بشيء. أو يمكن تشبيهها بالبيت وسكانه، فإذا تهدم البيت لسبب من الأسباب، وسكانه كانوا خارجه، فإن ذلك لا يؤثر عليهم بشيء إطلاقاً. بل الذي يضفي الحياة على المنزل هم أصحابه، فتوجد فيه الحركة والحياة، والنور والظلام، هم أهله الذين يبقون بعد هدمه أو زواله، ولا علاقة له بهم، ولا علاقة لهم به. فكلٌ يشكل صورة مستقلة من دون الآخر. وصورة واحدة من حيث الملازمة والتلازم.

 

إذا كان ما ورد في نص الآية السابقة، بأن ما من شيء إلا يسبح بحمده، فهذا معناه أن لكل شيء قدرة في معرفة هذا الأمر، والإستجابة إليه والغوص فيه بحسب هذه القدرة الممنوحة. وما قول رسول الله w: « نحن معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نكلم الناس على قدرعقولهم (20) إلا من هذا القبيل. فكما لكل شيء قدرة خلق بها، كذلك لكل إنسان طاقة عقلية تناسبه، يتوافق معها، ويعيش بمستواها. وخير مثال على ذلك تدرج الطلبة في مختلف مراحل التعليم. كل يتعلم وفاقاً لما وصل إليه تدرجاً من مستوى إلى آخر؛ حتى نهاية المرحلة التعليمية التي يستطيع الوصول إليها.

 

ونستطيع أن نحمل هذا الحديث، على كل مخلوقات الله تعالى التي وجدت عن العقل الأول، أو المُبْدَع الأول، الذي وجد عن الله سبحانه وتعالى. ويختلف التقديس والتسبيح والإغتباط والإبتهاج لكل مخلوق بحسب تلك القدرة التي يتمتع بها، وكل ما كان أقرب إلى العقل الأول، كان أفضل تسبيحاً وتقديساً وحركة، ولهذا فالفلك المحيط بالمخلوق هو أشرفها وأكثرها إشراقاً وحركة ويؤثر على سائر المخلوقات، في التأسي والإمتثال لأمر الباري تعالى، هذا من ناحية الوجود أولاً، وثانياً من بين سائر الخلق، كان أفضلهم وأعلمهم وأعقلهم الرسل والأنبياء، ومن ثم نزولاً الأوصياء والأئمة المتقون، إلى آخر من يملك عقلاً مقدراً على قدره في عملية الفهم والإستيعاب. إذاً أن الطلبة في الصف الواحد، مهما كان عددهم، فرتبهم تتدرج بالنجاح متوافقة مع قدرتهم على الفهم والدرس والحفظ في الخضوع لإمتحان واحد في المادة والمواد كلها فمنهم الأول ومنهم الأخير.

 

بين الأنا والذات: الأنا تدل على صاحبها، والكل يقول أنا، وهي متساوية عند الجميع بعدد أحرفها، ومنطوقها ودلالتها على الشخص نفسه (فالأنا نفسية).

 

لكنها تختلف من حيث المضمون، فإذا كانت الأنا تساوي الأنا ظاهرياً فهي في الباطن تختلف، في المعلومات والمعارف والمفاهيم والتقنيات التي تمتلكها حتى في إطار الصنعة أو المهنة الواحدة، فالطالب الذي يتخصص في الطب يسمى طبيباً، وإذا سُئل عن مهنته يقول أنا طبيب، لكن ليس كل أنا طبيب يساوي أنا طبيب، من حيث الإختصاص. لذلك فالأنوات لكل منها علومها الخاصة، وصورتها المميزة عند معارفها وأصدقائها. كدلالة على محتواها... وبإنتسابها إلى عالم النفس المجرّد. وبها يكتسب الإنسان كماله الثاني المستمد من الشريعة للوصول إلى السعادة الأبدية. وهي متغيرة بالعلم... والتجربة وكل يومٍ في شأن.

 

أما الذات: فهي التعبير عن الشكل الخارجي لكل مخلوق، وهي التي تميزه عن سواه، وتتعدد بالتسمية الواحدة، لكن كل ذات تدل على مادة خاصة بها، كما تختلف كل الموجودات بعضها عن بعض.

 

والذات تشبه الأنا في كثير من أوصافها بمعنى أن الذات واحدة من حيث هي، ومتعددة بما تضفي على الولادات كلها، لكل منها ذات خاصة بها، أي شكل تُعرف به بين سائر المخلوقات، ومن عظمة الخالق أنه لا يوجد في العالم كله ولو تضاعف أكثر من مرة ذاتين متساويتين في الشكل حتى عند التوأم، والذات تتغير بالشكل، فالطفل غير الكبير...

 

وهكذا فالأنا والذات، كلمتان متساويتان في اللفظ، ومختلفتان في الشكل والمضمون.

 

أخيراً، مما تقدّم، فإن هذه المفاهيم لها دخالة في المعرفة النفسية كمصطلحات تُستعمل في التعرّف على وجود النفس ومعرفتها أولاً ومن ثمَّ لتقريب وجهات النظر بين المتحاورين في القضايا النفسية مواجهةً، أوعند الكتابة عنها كما هي الحالة الآن، فتُعتمد كمتوسطات بين الكاتب والقارئ من خلال توضيح هوياتها كمُعطى، يسهّل تناولها والإلمام بها، كمقدمة للإحتكاك الحضاري والتبادل المعرفي بين الناس.

 

الجدول الثاني: بين الجسم والجسد

 

الجسم

الجسد

في حياته يكون عامودياً

في موته يكون افقياً

هو جماعة البدن، أي كل أعضاء الإنسان

هو جثة الإنسان بعد الموت

سريان الدم في الجسم

تجمُّد الدم في الجسم وجسَدَ، أي جَسِدَ به الدم ـ يعني تجمّد ـ

مع القوى الروحانية

دون القوى الروحانية

يعقل، مادة ونفس وروح

لا يعقل، مادة فقط

دليل الحياة

دليل الموت

لا يقال ناطق إلا للإنسان من سائر جنس الحيوان

لا يقال لغير الإنسان جسد،  من سائر جنس الحيوان. لأنه خلق من الأرض

كل جسم يأكل ويشرب ويتنفس

كل جسد لا يأكل ولا يشرب ولا يتنفس

أنسه فيه

فاقد الإنس

صورته حسنة

تُقبَّحُ صورته الحسنة

يعيش فوق الأرض متنقلاً

يدفن في رحم الأرض ثابتاً

له حرارته الخاصة

له برودته الخاصة

 

 

 

الهوامش:

 

(1) سورة الواقعة، آية 60.

 

(2)  الكرماني ، أحمد، راحة العقل،ط 2، دار الاندلس، بيروت، 1983، ص 34.

 

(3) ابن منظور، «لسان العرب ، ج 11، ص 362، 363.

 

(4) الزين، الحاج سميح، «معجم تفسير الفاظ القرآن الكريم ، ط 5، دار الكتاب المصري و «الكتاب اللبناني ، سنة 2007، ص 867.

 

(5) م.ن.، ص 797 ،798.

 

(6) ابن منظور، «لسان العرب ، ج 10، ص 292.

 

(7)  موسوعة لالاند ، تعريب خليل احمد خليل، ط1، 1996، منشورات عويدات، ص445.

 

(8) م. ن، لالاند، ص 445، 446.

 

(9) ابن منظور، «لسان العرب ، ج 3، ص 401.

 

(10) الزين، سميح الحاج، م.س.، ص 294.

 

(11) ابن منظور، م. س. ، ج 11 ، ص 363.

 

(12) الطبرسي، «مجمع البيان ، ج 1-2، دار إحياء التراث، بيروت، د.ت.ص 405.

 

(13) سورة البقرة، آية 286.

 

(14) م. ن. ، ج 6 ، ص 337.

 

(15) الزين، سميح الحاج، «لمن الحكم ، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1989، ص 167-168.

 

(16) م.ن.، ص 170.

 

(17) سورة ابراهيم، آية 24- 25 .

 

(18)  الكرماني ، أحمد، م. س. ، ص 322-323.

 

(19)  الكرماني ، احمد، م. س. ، ص 232-233.

 

(20) الحنبلي، شمس الدين، «الاداب الشرعية والمنح المرعية ، ج 2، مكتبة ابن تيمية، سنة 1988،ص 155.