خواطر: ماء الحياة

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

المال في يومنا كالماء، يرويك وينعشك ويسقي زرعك، إنه الحياة. لا بُدَّ منه لتسيير أمورنا. كثيره مضرّ كالسيل الجارف لا ينفع، وكذلك قليله مُهلك، فالقحط يُسقِطُ الأنفاس على الحرث والنسل. نطلبه من الله كما نستسقي للأرض، نستسقيه لأنفسنا وقد هيّأ الله تعالى لنا الأرض من جوفها آباراً ملؤها الثروة كما تُبعِثُ بالماء هذا شأنها وديدنها. لم يتغير إلاّ جشع الإنسان. الذي لا يُشبْع غرائزه شيء ولا يكتفي بحاجاته، وهو أبداً في حالة حرب مع نفسه ومع غيره، يصارعها في المأكل والمشرب والمبيت. عبثاً يحاول أن يصل الى القمة وكلما دنا منها بعدت عنه أكثر فأكثر، يخال نفسه مُخلّداً واذ الموت يقهره قهراً من خلال نفسه أو بفقده لحبيب!!. ولا يأبه، لم يجلس ساعة يتفكر في أمر دُنياه، دائماً أبداً شاغلاً نفسه بالماء. هذا الماء الذي استعيض عنه بالتراب ان تعثّر علينا إيجاده، لكن لا بدّ من اليسير منه. المال له بديل اليوم ألا وهو الصبر، انما القليل من المال خير. إن قرأت على مسامع ذي جاه وعزّ هذا الكلام، قال: خُذ ما لديّ وأعطني ساعة راحة مما لديك، وأقول في نفسي كيف هذا وكيف ذاك، والخير في الوسط بين هذا وذاك. لم أقتنع يوماً بسبب أو بحجّة لأصبح عظيم الشأن ولِمَ هذا العناء ولِمَ هذا البُعد عن الروح وصفائها؟ لِمَ لا نجد السكينة في قلب عالمنا اليوم؟ لم تكن الحال هكذا بالأمس! الدواء والسكن والزواج والعلم والعمل والليل والنهار كلّها أمور كانت تمرُّ علينا باليسر وأصبحت اليوم عُسراً. أما آن أن نقف قليلاً نتأمل شيبتنا وعمرنا؟ إنّ هذا صعب على أنفسنا ونحن في غفلة عن ذكر ذلك؟ من يسمع هذا أو يقرأ مثل هذا لا بُدَّ أن يفكر في يوم عن الراحة ويستشهد بالقول المبين، لكن ليس المطلوب أن تذهب لتغفل عن مشاق الحياة في قضايا الوهم وتحسبه ترفيهاً وما هو بترفيه!!. لا بُدَّ للسعادة أن تنبع من لذّة الشقاء بمحاسبة النفس. العودة الى الطبيعة، طبيعة النفس البشرية. اذا كنا نستطيع الصوم عن الماء لفترة من النهار فيجب أن نصوم عن المال لفترة أيضاً، ومن المضحك أن ما تدرّه كثرة شرب الماء تدّره الاموال. فما من مشكلة في الدنيا نسمع عنها الا وكان دافعها كثرة المال. القليل من المالُ يغني الانسان ويجمّل قالبه ويضفي الرحمة الى قلبه، أمّا كثرة المال فتقسّي القلوب وتوحي لأصحاب العقول أن عندهم أقدار العيش وهم في غفلة عن قسوتهم وجفاهم للتراب. ذاك التراب الذي منه خُلقنا واليه نعود بيوم موعود. فلنحيي براءة الطفولة في قلوبنا فهي في انفصال عن المال الا في قليل يفرحها حيث كتاب نستمتع. نستمتع بالحياة وننام قريري العين غير آبهين بتكلّف أو عناء. وأن يكون قول الله تعالى، في القرآن الكريم نصب أعيننا:

}يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً{ سورة النساء، الآيات 28 ـ 29 ـ 30 ـ 31 ـ 32.