مِشْكاةُ الهِدايَة- لفضيلة الدكتور الشيخ عبّاس فتوني

22/1/2018
العددان الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون كانون الثاني -2018

 

 

نُظِمَتْ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ فِي ذِكْرَى وِلادَةِ خاتَمِ الأَنْبِياءِ، مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ اللهِ (ص). وقد فازتْ بالجائزةِ الأُولَى في مسابقة ولادةِ نبيِّ الرَّحمةِ والهُدى (ص) الشِّعريَّة السَّنويَّة للعام 2016 م، الَّتي أَجرتْها جامعة المصطفَى (ص) العالميَّة في لبنان.

 

أَقامَ المَدَى أَزْكَى الصَّلاةِ وأَنْشَدا

لَعَمْرُكَ لا تَحْيَا الرَّوائِعُ دُونَهُ

مَتَى ذَكَرَ الشَّادِي النَّبِيَّ مُحَمَّدا

وَلا كُلُّ مَمْدُوحٍ سِواهُ لَهُ صَدَى(1)

تَجَدَّدَتِ الذِّكْرَى لِأَكْرَمِ مُرْسَلٍ

أُجَدِّدُ حُبِّي كُلَّ عامٍ كَعادَتي

فَحَقَّ لِطِيبِ الشِّعْرِ أَنْ يَتَجَدَّدا

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوَّدا

هَلُمَّ نَصُوغُ الدُّرَّ مِنْ نَفَحاتِهِ

هَلُمَّ نُغَذِّي الطِّرْسَ نُورًا فَإِنَّما

وَنَنْظِمُ أَبْياتاً تُضارِعُ عَسْجَدا(2)

تَرَاءَى الرَّبِيعُ الطَّلْقُ يَحْمِلُ مَوْلِدا(3)

أَفاقَ الخُزَامَى بَعْدَ طُولِ رُقادِهِ

يُدَغْدِغُهُ حَبُّ الرَّذاذِ تَرَقْرُقاً

وَمَكَّةُ تَرْنُو العَنْدَلِيبَ مُحَلِّقاً

تَجَمْهَرَتِ الأَحْداقُ فِي غَمْرَةِ السَّنا

وَباتَ عَلَى مَرِّ الزَّمانِ مُسَهَّدا(4)

فَيَرْفُلُ نَشْوانًا، وَيَمْرَحُ مُزْبِدا

يُرَفْرِفُ فِي رَوْضِ الْحُبُورِ مُغَرِّدا

تُعَانِقُ مِشْكَاةَ الْهِدايَةِ أَحْمَدا

تَبَدَّتْ لَدَى البَدْرِ البَهِيِّ خَوَارِقٌ

بَدَا رَعِشاً إِيوَانُ كِسْرَى كَناقَةٍ

وَأُسْقِطَتِ الأَصْنامُ تِلْقا وُجُوهِها

وَغاضَتْ مِيَاهُ الفُرْسِ فِي فَلَوَاتِها

لِتَنْطَفِئِ الأَضْواءُ خَجْلَى كَلِيلَةً

وَتَوْراةُ مُوسَى بِالبِشَارَةِ إنْتَشَتْ

قُبالَتَها حُكْمُ الطَّغامَةِ أُرْعِدا

تَمَايَدَ عِطْفَاهَا عَلَى نَغَمِ الحُدا

وَمَا جَلْمَدٌ فِي الرَّوْعِ آزَرَ جَلْمَدا

وَطَوْدٌ مِنَ النِّيرانِ رِيعَ فَأُخْمِدا

فَنُورُ الهُدَى فِي الخافِقَيْنِ تَوَقَّدا

وَإِنْجِيلُ عيسَى بِالوِلادَةِ أُسْعِدا

مُحَمَّدُ خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ سَجِيَّةً

قَضَى اللهُ لِلْخُلْقِ العَظيمِ بِأَنْ يُرَى

حَبَاهُ إِلَهُ الكَوْنِ مَجْدًا وَسُؤْدُدا

فَأَوْحَى إِلَيْهِ: كُنْ، فَكَانَ مُحَمَّدا

مُحَمَّدُ شَمْسُ الحَقِّ يَسْطَعُ نُورُها

تَأَبَّطَ شَأْوَ العِزِّ تَحْتَ جَنَاحِهِ

بِطَلْعَتِهِ لَيْلُ الضَّلالِ تَبَدَّدا

فَخَرَّتْ لِعَيْنَيْهِ المَلائِكُ سُجَّدا(5)

عَلَيْهِ أَمَارَاتُ النُّبُوَّةِ تَزْدَهِي

رَسُولٌ مِنَ الرَّحْمَنِ يَلْمَعُ نَجْمُهُ

تَلَقَّفَهَا الْقَلْبُ الْمُتَيَّمُ مُنْشِدا

بِغُرَّتِهِ طَيْفُ العَلاءِ تَجَسَّدا(6)

وَأَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ آيَةَ رَبِّهِ

تُرَوِّي غَلِيلَ الرُّوحِ مِنْ بَسَماتِهِ

فَرَتَّلَ آيَاتِ الكِتَابِ وَجَوَّدا

وَتَسْتَافُ مِنْ أَنْفاسِهِ عَبَقَ الهُدَى

أَبادَ عُرُوشَ القَاسِطِينَ حُسَامُهُ

بِهِ بَيْرَقُ الإِسْلامِ رَفْرَفَ شَامِخاً

وَشَقَّ طَرِيقاً لِلصَّلاحِ، وَعَبَّدا (7)

وَلَوْلاهُ مَا صَلَّى امْرُؤٌ وَتَشَهَّدا

لَكَمْ حاوَلَ الأَعْداءُ قَتْلَ مُحَمَّدٍ!

عَلِيٌّ بِهِ رُوحُ النَّبِيِّ تَجَسَّدَتْ

فَكانَ عَلِيٌّ في الخُطُوبِ لَهُ الفِدا

فَطُوبَى لِمَنْ والَى عَلِيّاً وأَحْمَدا

أَيا سَيِّدَ الأَكْوانِ يا قِبْلَةَ الحِجَى

مُحمَّدُ أَنْتَ الطُّهْرُ وَالْحُبُّ وَالنَّقا

غَدَوْتَ عَلَى أُولِي السِّيادَةِ سَيِّدا

وَأَشْرَفُ خَلْقِ اللهِ خُلْقاً وَمَحْتِدا

أَتَيْتَ رَسُولَ اللهِ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً

شَريعَتُكَ السَّمْحاءُ شَوَّهَها الَّذي

فَما بَعْدَ تَكْفيرٍ وَجَوْرِ دَواعِشٍ

وَداعِشُ تَفْري رَحْمَةَ اللهِ بِالمُدَى

أَبَى الدِّينَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعَقَّدا!

سِوَى سِبْطِكَ المَهْدِيِّ يَظْهَرُ مُنْجِدا

أَيَا أُمَّةَ الإِسْلامِ حَسْبُكِ مَنْعَةً

لَئِنْ مَزَّقُوا القُرْآنَ حِقْدًا فَإِنَّهُ

وَيَبْقَى رَسُولُ اللهِ مَشْعَلَ وَحْدَةٍ

وَإِنْ سَارَتِ الدُّنْيا عَلَى نَهْجِ أَحْمَدٍ

فَوَحْدَتُكِ الغَرَّاءُ حَطَّمَتِ العِدَى

سَيَبْقَى بِأَعْمَاقِ القُلُوبِ مُخَلَّدا

وَلِلْعَابِدِ الوَلْهَانِ مَهْوًى وَمَوْرِدا

فَإِنَّ عَدُوَّ اللهِ يَهْوِي مُصَفَّدا

جِهادُ الأُباةِ الثَّائِرِينَ بِعامِلٍ

وَوَقْفَةُ شَعْبِي كَالْجِبالِ مُؤَازِراً

مُقاوَمَتِي رُوحُ البِلادِ وَنَبْضُها

لَنا قائِدٌ، بِالنَّصْرِ تَوَّجَ عَصْرَهُ

أَعادَ وَشِيكًا ذَا الفَقَارِ مُجَدَّدا

أَقامَ صُراخَ الطَّائِراتِ وَأَقْعَدا

جَعَلْتُ ثَرَاها لِلنَّواظِرِ أُثْمُدا(8)

وَكانَ مِنَ الرَّبِّ الجَلِيلِ مُسَدَّدا

مُحَمَّدُ يا خَيْرَ الأَنامِ تَحِيَّةً

نَسَجْتُ عَلَى نَوْلِ الوَلاءِ مَدائِحاً

عَلَيْكَ صَلاةُ اللهِ ما لاحَ كَوْكَبٌ

إِلَيْكَ، يُحاكِي عَذْبَ أَحْرُفِها النَّدَى

لَعَلَّ تُغَشِّينِي شَفاعَتُكُمْ غَدا

وَما سَبَّحَ الكَوْنُ الفَسِيحُ وَوَحَّدا

 

 

 

الهوامش:

 

(1) الرَّوائع: مفردها الرَّائعة، وهي عمل بارز مجلٍّ في الأدب أو الفنِّ أو الصِّناعة اليدويَّة أَو نحوها.

 

(2) تضارع: تشـابه.

 

(3) الطِّرْس: الصَّحيفة أو الكتاب الَّذي مُحي ثم كُتب.

 

(4) الخُزامَى: زهر متعدِّد الألوان طيِّب الرَّائِحة.

 

(5) الشَّـأْو: الغايـة.

 

(6) بغرَّته: بوجهـه. (بسيرته الدِّين الحنيف تجسَّدا)

 

(7) القاسطين: الجائرِينَ المائِلِينَ عَنِ الحَقِّ.

 

(8) الأُثمد: حجر يُكتحل به، وهو أسود إِلى الحمرة.