ذكرى شاعر

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

 

بقلم الشاعر الأستاذ حسن حمادة

يطيب للشاعر أن يذكرا

كان طريَّ العُودِ ريّانَه

فيا لَه غُصناً طواهُ الرّدى

مَلَّ حياةً طالما ذمَّها

عاش قليلاً فازدراها وذا

قد سئِم العيشَ غُلاماً فما

يسْتكثرُ الأَقلَّ من رزْقه

يا شاعراً علَّمني شعرهُ

أنّ حياة المرءِ مهما تطُلْ

يحيا الفتى كأنّه خالدٌ

يَبْني على ظلْمٍ ويُعلي وما

وهْو الذي ما شاد أَو عمَّرا

وربَّما دمَّرَ ما عمّرا

تبّاً له من ظالمٍ فاجرٍ

لا قلبُه قلْبٌ ولا روحه

وما حياةُ المرءِ في هذه الدّنيا

جسرِ عُبورِ في قسارٍ إلى

فتاك يا شعرُ ويذَّكّرا

وكان لا أَنْدى ولا أَنضرا

من قبلِ أن يُورق أو يُزهرا

حتّى ازْدَراها ثُمَّ فيما ازدرى

في عقْده الثاني فما أبْكرا

عاش الثمانين وما عَمّرا

إذا استقلَّ غيرهُ الأكثرا

والشِّعر كم علَّم هذا الورى

سرعانَ ما تمضي كطيفِ الكرى

والعُمرْ مهما طالَ ما أقصرا

لظالمٍ عذْرٌ لكي يُعذَرا

إِلا لكي يتركَ ما عَمّرا

والله يُوصيْهِ بأن يَعْمُرا

بل قُتلَ الإنسانُ ما أَكفرا

روحٌ وقد عَراهما ما عَرا

سوى جسرٍ لكي يَعْبرا

دار قرارٍ خابَ مَن أَنكرا

«طائِر الحزْن»

أَذْكرهُ أَذْكرهُ جيِّداً

وقَولَه لي مرّةً:«إنْ أَنا

أَذاكري أَنتَ حبيبي إِذاً؟.

أَحزنني أَحزنني قولُه..

طفلٌ طوى من عُمرهِ تسْعَةً

للمرّةِ الأُولى يرى طائِرَ الحزْنِ

ولستُ أَنسى وجهَه النيِّرا

متُّ وقد أُودعْتُ هذا الثّرى

حسْبي من الحبيب أَنْ أُذكرا

ما الموتُ؟ ما الذي لم أَرَ؟

وربَّما جاورَها أَشهُرا

فما عساهُ أَنْ يَشْعر؟

«الطفل واللغز»

ما بالُ عمِّي غير عهدي به

والنّاس كلَّ النّاس من حَوله

يبكون فيه الشاعر المرْتَجي

ما بالُ عمِّي غير عهدي به

والنّاس كلَّ النّاس من حَوله

يبكون فيه الشاعر المرْتَجي

وهُو على لوحٍ مُسَجّى فما اسْتوعبْتُ ما يجري وما قد جَرى

...ماتَ؟!

أَيعني ذاك أَنْ لم يَعُدْ

وما الذي يحتاجه يا تُرى

الرّوح...ما الرّوح؟ ومَن دَسَّها

الموت... ما الموتُ؟ وما شكْلُه

أكرهُه في أيِّ شكلٍ بَدا

أَأَحمراً كالدّمِ أَم أَسوداً

أَكْرهُه أَكْرهُه طائراً...

يحمل من شاءَ على متْنه

لأَنجمٍ ما عرفتْها سَما

الناسُ كلُّ الناسِ يخشونه

يلْحظهم بأَعينٍ لم تزلْ

يكْشرُ عن نابٍ له أَزرقٍ

بسْمتُه لا شكّ قتّالةٌ

حتّام يخشون لقاهُ أَما

أمَا لَه من رجلٍ فاتكٍ

أما لهذا الليل أن ينْجلي

كان قويّ الزَّندِ مَفْتولَه

أَنّى لهذا الوحشِ مهما يكنْ

إذاً فعمّي قد قضى غِيْلةً

بأَيِّ شيءٍ يا تُرى غالَه؟

أُقْسمُ لو كان أي شخصَه

لا شكّ عندي أَنه لابسٌ

عمّي الذي اصطفاه من دوننا

أَغاظه أنْ كان لي صاحباً

... بل قلْ فضمّتُه إليها فما

يستطيع أَن يَسْمعَ أَو أَن يرى؟

الآنَ لكي يسْمعَ أو يُبصرا؟..

فينا ومَن يسْتلُّها يا تُرى؟.

هل شَبحٌ حقّاً كما صُوِّرا؟...

في أيِّ لونٍ شاءَ أنْ يظهرا

كالليل أَم كالثّرى أَغبرا

كطائِر الرَّخِّ إذا استُنْفرا

لعالمٍ حيَّرَ مَنْ حيَّرا

وجُزرٍ ما عَرفتْ أَبحرا

يخشون هذا الطارىءَ المنكَرا

تقْدح ناراً مثلَ زنْدٍ وَرى

كالغولِ ما أَرعَبه مًنظرا

إِن يبتسمْ فكيف إِن كشّرا؟...

آنَ لهذا الوحش أَنْ يُدْحَرا؟...

ذي نَجْدةٍ يَريحُ منه الورى؟...

وصبْحه الأخضرِ أَن يُشغرا؟...

عَمّي ومقْداماً كليْتِّ الشَّرى

أن يَصرعَ الليثَ وأن ينْحرا؟...

تبّاً لهذا الوحش ما أَمكرا

أَو لا فكيف اسطاعَ أن يقهرا؟...

عَمّي لكان باعَه واشْترى

«قُبَّعةَ الأَخفى»لكيلا يُرى

هذا الذي على حياتي طَرَا

فضمّه إليه واسْتأْثَرا؟...

الموت سوى أُنثى لمن فكّرا

إلى أن قال الشاعر:

إحساس

أُحسُّ عمّي حاضراً بيننا

أقول عمّاهُ بحقّ السّما

أُريد أن تحكي لنا قصَّةَ «الزِّير»

أُحسُّه لكنّني لا أَرى

إِبقّ هنا الليلة كي نَسْهرا

أَبي ليلى وأن تَسْمرا

وَحشَةٌ وحُزن

مضى على رحيله أَشْهرٌ

أَوحشَني فقْدُهُ

ضاقت بيَ الدّنيا على رحْبها

قُدِّر لي الحزنُ فحُمِّلتُه

كَبرتُ ـ يا لَلحزْنِ ـ في أَشهرٍ

أَربعةٌ أَحسَسْتُها أَدْهُرا

أرى الوجود بعدهُ مُقْفرا

ما أَتفهَ العيشَ وما أحقرا

طفلاً فسبحانَ الذي قَدّرا

أنا ابنُ تسْعٍ قبل أَن أِكبُرا

نَصيحة

بُنيَّ ها أَنتَ صغيرٌ على الحزْنِ

صبراً على حلّ يا مُهجتي

إِرجعْ لأترابك والعبْ فما

عمّكَ ما ماتَ هو الآن في

من تحتها الأَنهار تجري فيما

مشاهدٌ ما خطرت مَرّةً

ونعَمٌ شَتّى أُعدَّت وذا

ذاك نَعيمٌ دائِمٌ مَن شَرى

هي الحياةُ حلْوُها زائِلاً

لكن... ألا يَزورُنا يا أبي؟...

 

أُمك بالأَمس رأت طيْفَه

فطفقتْ تسأَله علَّه

داودُ هل حُوسبْتَ يا بُني؟

 

لي بالذي في الدُّرْجِ أَوْدَعتُه

 

بيتان من شعرٍ هما جُنَّتي

طريُّ العُود واهي العُرى

الله يُوصينا بأن نَصْبرا

الحياة إلا لعِبٌ لو نرى

جنّاتِ عدْنٍ أُعطي الكَوثَرا

عيْنٌ رأت أَجملَ أو أَنضرا

في بال مخلوقٍ ولن تَحظرا

ثوابُ مَن آمنَ واسْتغفرا

به نعيماً زائلاً ما شَرى

مُرٌّ فكيف مُرّها يا تُرى؟

 

ـ بَلى بُنَيَّ والذي قد بَرا

أَجل رأَته مُشرقاً أَنورا

يُجيب إذ رأته مُسْتَبْشرا

 

أجلْ قال وشاءَ الله أَن يغفرا

 

فيهم فسبحان الذي طَهّرا

في مَدْحِ أهل البيت قد سُطِّرا(2)

استنكار

وصاحب يسأل مُسْتنكرا

أما كفى ما أنت فيه لكي

دَعْكَ من الماضي وتذكاره

وكيف ينسى الروضٌ أَزهارَه

إِن غاب عن عينيّ عمِّي فما

والمرءُ قد يُبصرُ بالقلبِ ما

بكيتُ عمِّي بُلبلاً صادَه الموتُ

وشاعراً لو مُدَّ في عُمره

بكيتُه صَمْتاً بلا أَدمعٍ

أو غاضَ لا أَدري سوى أَنه

 

 

أبعد عًمْر عدتَ مُسْتنكرا؟!

تعود بالذاكرة القهقرى؟!

 

ـ لم أنَسَه يوماً لأَسْتذكرا

والعندليبُ أَيكَه الأَخضرا؟...

عن عينِ قلبي غابَ كي أُحضرا

عزّ على الأعينِ أن تُبصرا

ونَسْراً من نسور الذُّرى

لكان فينا الشاعر الأَشْعرا

كأنّ دمع العين قد حَجَّرا

 

ما بلَّ لي حُدّاً ولا محْجرا

مُقْلة الشِّعر

وبعدَ ما طَويتُ ما قُدّرا

وشابَ ما قد شاب من لُّمتي

 

سالَ الذي اسْتعصى على مقلتي

 

سالَ عقيقاً مثل قَطْر النّدى

تناثرتْ حبّاتُه أحرفاً

عقودُ ماسٍ سمْطُها لوعَةٌ

سبعين من عُمريَ أَو أكثرا

 

وغير الزمانُ ما غيّرا

 

من مقلةِ الشِّعر ندىً أَحمرا

بعد عقودٍ خلْتُها أَعصرا

وانتظمتْ في رَقِّها جَوهَرا

 

في أَشْطُرٍ قد أَعْقبتْ أَشْطُرا

الهوامش:

(1) هو عمِّي المرحوم داود صالح حمادة. توفّى وهو في ريعان الصِّبا لقد كنت أحبّه جدّاً وكان يعني لي الكثير. كان q، شاعراً بالفطرة، رومانسيَّ النّزعة ـ لديه إحساس عميق بعَبثيَّةِ الحياة رغم صغر سنِّه. وهو القائل:

لا طيْبَ في الدّنيا ولا خيراتها

ما دام عُمرُ المرءِ في نقصانِ

(2) هذا ما حصل حقاً: إذ أنه بعد وفاة عمي بأَقلّ من شهر رأته أُمي في منامها وكان فرحاً مُستبشراً، فسألته بالحرف:«حاسبوك» يا داود؟ ـ قال: نعم حاسبوني والذي شَفع لي بيتان من الشِّعر كتبتُهما على ورقه أَلصقتُها على طبقةِ الصندوق من الداخل. وقد كان لعمّي صندوق خاصّ يضع فيه أَشياءَه الخاصَّة. وكان الصندوق ما يزال مُقفلاً. قصّت أُمي رؤياها على والدي وطلبت منه فتح الصندوق لكي يتحقّقا من صحّة هذه الرؤيا. تردّد أَبي بادىء الأمر، فلم يكن قد مضى على وفاة أخيه سوى بضعة أسابيع لا تتعدّى الشّهر. لكنّه ما لبثَ أن وافق لإلحاحِ من أُمي ورغبة منه مُلحّة أيضاً للتّحقّق من صحّة الرؤيا هذه.

فتح والدي الصّندوق وكانت المفاجأة: بيتان من الشِّعر بخط عمّي في مدح أهل البيت i. لم يكن هذان البيتان من نظم عمّي. ولكن لكونه ـ كما يَبدو تبنّاهما وحرص عليهما، نال بهما هذا الأَجر أو قل هذه ا