إطلالة على جبل عامل كتاب الشيخ محمد جواد مغنية دراسة سوسيولوجية في مشروعه الإصلاحيّ

20/04/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

الحلقة الأولى

للدكتور عصام علي العيتاوي

هو بحث اكاديمي قدّمه الدكتور عصام الحاج علي العيتاوي كأطروحة نال بموجبها شهادة دكتوراه الدولة اللبنانيّة في العلوم الإجتماعيّة من الجامعة اللبنانيّة. تناول فيها دراسة مفصلة لشخصية مهمة من علماء المسلمين في العصر الحديث هو العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية، أثرى المكتبة والفكر العربي بالكثير من الدراسات والآراء الإسلاميّة، شارحاً فيها روحية المفاهيم القرآنيّة، والأحاديث النبويّة الإماميّة، بطريقة مبسّطة، ومسلطاً الضوء على أهميتها وربطها بالواقع الإجتماعيّ المعيوش للأمة، بما يهيئها لتكون مرتكزاً أساسياً لإعادة نهضة المجتمع، مما يتخبط فيه من مشاكل واشكاليات متعددة.

ولقد حاول العلامة مغنية المولود في بداية القرن العشرين 1904م. والذي واجه أحداث فترة الأربعينيات والخمسينيات، والمتوفى في العام 1979م. وهذه الحالات بسلسلة من الأفكار العلميّة والعمليّة والنقديّة، من خلال نشاطه المنهجي في شتى المجالات الثقافيّة التربويّة، ومعالجته للظروف الإجتماعيّة والإقتصاديّة والقضايا السياسيّة المثارة في الواقع المحلي والعالمي في عصره، عبر تشخيصه لحقائق هذه المسائل ومعالجتها من منظور إسلاميّ يضمن لها الحل المناسب، وذلك عبر مقالاته التي افتتحت بها الصحف وعلى صفحاتها الأولى، بالإضافة إلى الدوريات المتصدرة، التي جمع منها الدكتور العيتاوي (987) مقالة نُشرت في مجلة العرفان اللبنانيّة التي كانت تصدر في صيدا وذلك من العام 1931 حتى العام 1960م. ومؤلفاته الثمانيّة والأربعين كتاباً وبعض المخطوطات التي ما زالت تنتظرُ دورها لتبصر نور النشر. والتي عكست المشكلات المحوربة للمجتمع من جهة وعبّرت عن تيّار في الإتجاه العام لتطوّر الوعي في تلك المرحلة، خاصة بالإتجاه الإسلاميّ، بما إستجدّ من قضايا مهمة رافقت الحالة السياسيّة في حينها. حيث إنبرى العلاّمة مغنيّة يسوق البراهين النظريّة والأدلة القاطعة على وحدة الأمّة الإسلاميّة وسلامة طروحاتها الفكريّة عبر الطرح المذهبيّ الإيجابي، مع ادراكه الواضح لحركة التاريخ، وما تؤول إليه مستخدماً مفاهيم قريبة من مدارك عامة النّاس في هذه المواجهة التي لا تنفصل عراها عن قصد وتعاليم وتوجهات المنظومة الإسلاميّة.

ولا يخفى أن العلاّمة مغنيّة كان يرى في العلم منهجاً في علاقته بالواقع الإجتماعيّ ووقائعه ومشكلاته في الداخل ومن خلال تجاوزه لحدود أي دولة مرتهنة خارجياً وما أكثرها، وكان يؤمن بأن للمعرفة ثلاثة أسباب هي: التجربة والعقل والوحي، فالتجربة الحسيّة هي المعنيّة بكلمة علم، والعقل هو المراد بكلمة هدى، والوحي وهو المقصود بكتاب منير.

وكذلك مرّت حياة هذا العالم بمراحل فيها من الحراجة ما يدعو للعجب فمنذ حياته الأولى التي اكتفت بالفقر المدقع، إلى أيامه الأخيرة في الوظيفة بعد تعيينه قاضياً في المحاكم الشرعيّة الجعفريّة العليا في بيروت، وتدّرجه إلى رتبة مستشار ومن ثُمّ رئيساً بالوكالة في السلك نفسه، وقد عمدت السياسة التقليديّة إلى إقالته من منصبه في العام 1956م. بسبب حزمه في مواقفه المهنيّة، لعدم إستجابته لرغبات الكثير من القيّمين السياسيين في الطائفة بالإضافة إلى رفضه المباشر لجملة من التدخلات الخارجيّة من قبل بعض سفراء الدول الكبرى.

أخيراً، ما تجدر الإشارة إليه في هذه الدراسة إعجاب هذه المؤسسة بها ما جعلهم يقومون بالإجراءات الآيلة إلى نشرها بين أيدي القراء، بالتعاون مع مؤلفها الدكتور العيتاوي، مع إجراء بعض الترتيبات الإخراجيّة. حيث أخذت الرقم ثلاثة في هذه السلسلة القيّمة. ولا بُدّ في النهاية من شكر الدكتور العيتاوي ومركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ على تعاونهما المثمر، الذي تمخّض عن اصدار هذه التحفة الفكريّة الثمينة بحجمها الوسط 24×15 وصفحاتها الـ 375، وبمضمونها المعرفي الشامل، وقيمتها النقديّة البناءة مع ما فيها من معالجة للقضايا الإسلاميّة الراهنة، وما تشتمل من استشرافات للمستقبل، ككل فن أَصيل وجميل. توجّه به الباحث مباشرة إلى الفرد والجماعة في العالمين الإسلاميّ والعربيّ، وإلى كل صاحب مشروع نهضوي في العالم أجمع.