من أعلامنا الدكتور جودت القزويني كما عرفته مؤرخاً وشاعراً وعصامياً

15/11/2018
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

فضيلة الشيخ سليم الجبوري([1])

تمهيد:

واكب المؤرخ الدكتور جودت القزويني مسيرته العلمية عبر آفاق واسعة وسيرة نقية، فقد جمع بين التاريخ والشعر والأدب، ولم يفرّط بها طوال حياته. شموخ تجسّد في ذاته وتألّق مع واقعه، وأسس له بنياناً من أسوار الطين الصلبة؛ لتتحوّل في ما بعد إلى أعمدة وجدران قوية. أسس داراً شاهقة للخزائن، يحمي من خلالها تاريخ العلماء والمبدعين في العراق والوطن العربي، حيث تلتقي في هذه الدار الشامخة بأمجادها وأساطينها ملامح الوجود المهمة وتظهر في رحاب صفحات مُشرقة.

وفي معرض الحديث عن شخصيّته المتألقة دوماً بالإبداع والتفوق العلمي، لا بُدَّ لنا من تسليط الضوء على ملامحه بصورة موضوعية، بعيداً عن الأسلوب العاطفي، من خلال رحلة طويلة من الصداقة والمجاملة العفوية، وأعتقد أننا أمام محور أساسي يتعلق بجواهره وكنوزه الأدبية، انها سيرة مؤرخ وشاعر عراقي موسوعي تحتاج الى دراسة تحليلية تشخّص هويته الوطنية وتستقصي منهجه التاريخي، ونحن نعرف أن المؤرخ يتّصف بالشجاعة والعمق، ولديه إحساس مرهف ومشاعر دافئة وعلاقات واسعة مُنقطعة النظير.

وأنا فتّشت في سيَر المؤرخين المبدعين فما وجدت إلاّ المؤرخ المحترف الذي يقرأ الأحداث قراءة فاحصة، ولديه بُعد كبير في تشخيص نفسية الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في قلب الحدث والمشهد السياسي والثقافي، ومتى رأيت المؤرخ بهذه الحالة أعلم إنه يعيش الدور الإيجابي ويشعر بالارتياح البالغ ، وهذا هو التصوير الحقيقي للمؤرخ الواعي الناصح.

مع أدوار حياته:

في أدوار حياته لم يكن جودت القزويني شاعراً ومؤلفاً ومؤرخاً فحسب؛ بل كان قد خبر الوقائع والأحداث وعاشهما حتى عجن وطبخ في مطابخها، واكتوى بنيرانها، وفي بعض الأحيان لعب دور الشاهد الذي رأى الكثير من حوله، كل ذلك كان من جراء الخبرة والتجربة والحنكة التي مكّنته من دراسة الأمور بصورة موضوعية، حتى خُيّل للكثيرين أَنَّه خُلِقَ ليكون في هذه الدائرة والصروح العلمية، فقد وُلد في بيت ينتمي الى أسرة عريقة لها الصدارة في مركز القرار الديني في العراق، ونشأ وترعرع في بيئة غنية بالعلماء والأدباء وتنفّس من خلال الفكر والأدب وفي مجالسها أفذاذ العقل الإنساني سلسلة متواصلة، ومن هذه البيئة الثقافية كان نتاج معاقلهم، فكانت على كامل الاستعداد لصقل موهبته وتحرّضه دوماً السير قدماً نحو الطريق الواضح ومواكبة النهضة الفكرية، وتأسيس طريق ومشروع ثقافي خاص به.

جُبل القزويني على المطالعة وكان يقضي ساعات طويلة في مكتبة والده السيد كاظم القزويني، الذي كان مدير معارف لواء كربلاء، وكان الوالد يواكب ولده الذكي المثير للانتباه، ولم يتدخل في وضعه؛ لأنه قرأ في ولده النبوغ والذكاء الحاد، أعطاه حرية المطالعة ليرى هذا الشاب الموهوب ماذا يصنع، إضافة الى ذلك كان القزويني شديد الولع بملاحقة الأدباء، ونشأت عنده فكرة الحفاظ على الموروث والإرث الثقافي لهذه الشريحة ، وهذه الحالة بحد ذاتها حالة ثقافة وطنية، أن يكون الانسان مُحبّاً للأدباء ويلملم شتات أوراقهم الضائعة والمتناثرة هنا وهناك.

المؤرخ الوطنيّ:

المؤرخ الوطني وحامل الأمانة يشعر دائماً بالتفاني والإخلاص في إحياء تراث الشخصيات العلمية التي طالها النسيان والتهميش والإقصاء المُتعمّد على مَرِّ العصور، ولقد نال الكثير منهم الاجتثاث أو التعتيم لأسباب معروفة،  فراح ذاك الشاب اليافع والطموح المتحمّس يؤمّم ويجمع ما تفرّق من سجلاتهم وأوراقهم ، وكافح كفاحاً في غاية الأهمية في هذا المجال،

وقد تميّزت أعماله بالنشاط والحيوية والعمل الدؤوب، وبإمكانك أن تسميه [كاتباً لوجه الله]، يسعى سعياً حثيثاً لجمع ما تمَّ السكوت عنه، استمدَّ قدرته من خلال مسيرته الطويلة بالعصامية والعنفوان وهمّة عالية في التدوين والدراسات المُكثّفة في شتى المجالات، إلاّ أَنه كان شديد الولع في سيَر الرموز وأصبح شغله الشاغل ولم يتخلَّ عنه طوال حياته، وأعطى كل ما يملك من قوة لخدمة معدن العلم، وقطع شوطاً طويلاً، فكان يلاحق الأدباء ويوّثق مسيرتهم الوضّاءة ويسجّل الانجازات والظلامات والحيف الذي تعرّضوا له، وسجّل الكثير من الشواهد والنوادر والتراجم، وهي تعتبر عند أهل الصحافة (السبق الصحفي).

وتدور كتاباته عن الشخصيات حيث تبدأ من الجذور والتجربة، لكلِّ أبعادها ومعالمها بأسلوب شيّق، معتمداً على جهوده الشخصية، ولقد أبدع في ما كتب وحقق، وهو لديه خبرة طويلة في دراسة العمالقة، يحقق، يتأمل، ويدقق في كتابة المعلومات مُسلّحاً بذاكرة حيّة وفراسة روحية في تشخيص الحالات المهمة.

كيف عرفت جودت القزويني؟

عام (2004) وصلت الى العاصمة اللبنانية بيروت قادماً إليها من بوابة المنافي ومدارس الاغتراب، ولا أخفي إعجابي بها والحنين الى ربوعها، إذ كانت الزيارة الأولى لها، وعلى الرغم من الفرحة والبهجة رافقتني الكثير من المتاعب، وكنت أتجوّل في شوارع بيروت مشغولاً بإعداد وطباعة كتاب (الوائلي تراث خالد)، يوثّق سيرته الذاتية ومقالاته المتناثرة في الصحف والمجلات واللقاءات، والشعر الذي لم يحوه الديوان، إضافة الى أرشيف الوثائق والصور، كنت يومياً أقصد المكاتب والمؤسسات الثقافية باحثاً عن وثائق ومعلومات تدعم الكتاب الذي كان عبارة عن أوراق متواضعة، والغريب أن بعض الأصدقاء كان قد اطلع عليها، فابتسم بوجهي قائلا: ما هذه الأوراق ؟! يومها شعرت بالإحباط وتألّمت كثيراً، وقلت له: من يفكر بالنهاية لا يمكن أن يُكمل الطريق ، ومن الصدفة الجميلة والرائعة والتي تزال عالقة في ذهني، أنه في إحدى دور النشر التي يملكها رجل عراقي يقيم في بيروت منذ زمن طويل، كنّا نتداول أطراف الحديث حول الثقافة والتراث والمعاصرة في سجل التاريخ العراقي المعاصر، اقتحم الجلسة سيد وقور تقرأ في ملامحه العبقرية والنبوغ والإبداع، ففوجئت بالحاضرين قاموا له بكل حفاوة وتقدير مُبدين تحياتهم الحارة من القلب الى القلب، عندها علمت إنّ هذا القادم شخصية علمية له دور مهم في الساحة الفكرية، وعندما جلس قام صاحب الدار معرّفاً ومنوهاً بجهوده البحثية والضيف يجمع بين التواضع والخجل والابتسامة البريئة، أمّا عيناه فقد كانتا تُحدِّقان في وجهي عبر نظارته التي توحي بشعور بالغ؛ قال صاحب الدار: صديقنا هو الكاتب الدكتور جودت القزويني، عندها نهضت مرحّباً سيدي العزيز: نحن دراويشك وأتباعك نقرأ لك دوماً ولك بصمات واضحة في الشعر والأدب وأنا قد قرأت لك الكثير من المؤلفات والشعر الجميل ، الغريب في الأمر أن اللقاء معه كان قد حدث للمرة الأولى لكنني شعرت أنني أعرفه منذ زمن بعيد، بل اكتشفت أن الرجل قد خطفني عبر مؤلفاته وأبحاثه. كان هذا هو اللقاء الجميل الأول من نوعه الذي بقي محفوراً في ذاكرتي.

ومما يميّز هذه الجلسة الرائعة المتسمة بسمة الصراحة والبساطة والوداعة، الحوار والجدال والقراءة الجديدة للتاريخ وفتح سجل العلماء. وقد دار الحديث حول حسين علي محفوظ، ومير بصري، وعلي الوردي، وعبد الزهراء الحسيني الخطيب، وأحمد الوائلي حيث رأيته استهوى الحديث واندمج معه بكل جوارحه وإن كان طويلاً ومتشعباً، وكان يعلق ويبدي رأيه، والقزويني قليل الكلام يحافظ دائماً على كيانه وتوازنه بصورة واضحة، حتى في طرحه وسرده ونقده؛ مشفوعاً بابتسامة بريئة تكون في غاية الدقة والأهمية إن لم يكن فكّر بها وأعاد صياغتها من بحور الشعر.

وهو مدرسة متأصلة يحمل في طياته أخبار الماضي والمستقبل، ومن رأى القزويني واستمع الى أحاديثه يجد فيه الشعاع المؤثر الذي يكهرب المقابل بجواهره القيّمة ، ويتمتع بتواضع جمّ وترابية عالية وبزهد عن الألقاب التي يستحقها انعكست على روحه، ولديه علاقة خاصة مع الفقراء، يدافع عنهم دوماً، وهو اجتماعي الطبع منفتح على الآخر، لكنه لم تُغيّرهُ البحار والأمواج التي تهتز الدنيا بأصواتها ومراكبها العميقة.. إلاّ أن القزويني بقي محافظاً على حياته معتزاً بريشته ومحبرته التي بقي وفياً لها، وهذا الوفاء الخاص للقلم نادر جداً لا يتمتع به الاّ القلائل، ورأيته يحدثني والحديث طويل، وفتحت قريحته وهاجت ذاكرته فتفجر متحدثاً عن رحلته الطويلة مع تاريخ القزويني والروض الخميل.

يتحدث بحماسة عن تاريخه العلمي واعتكافه في صومعة التاريخ، لينبش في جذور الشخصيات، كنت أراقب وأشاهد سكناته وحركاته، وشعرت بالألم واللوعة لرحلة الكاتب الذي يلاحق مهنة المتاعب، وهو طراز خاص وشخصية لها ثقلها العلمي والاجتماعي، يميل الى الجدية في العمل ويثابر مُبتعداً عن المنافع والانتهازية، وهمّه الوحيد مواكبة أعماله، ولديه عشق كبير للتاريخ، وأنا أعتقد أن التاريخ لديه نفس الشعور، ويبدو أنه العشق الروحي بينهما.

سلك طريقاً شاقاً وتحمّلَ أعباءه وراهن على إنجاحه وأعطى رسالة واضحة بأنه سوف يكتب ويحقق المخطوطات النادرة متحدياً الصعاب.

ورأيت فيه المؤرخ الذي يعيش الألم ثم يتمرّد عليه ويشاكسه وينتصر عليه؛ لأن علاقة الإنسان بالتاريخ أهم بكثير من علاقته بالسياسة والفنون الأخرى، وجّهَ إليَّ دعوة كريمة لزيارته في شقته الكائنة في ضاحية بيروت الجنوبية، فرحت كثيراً وأنا أخبر صاحبي من مثلي وأنا غداً سأكون ضيفاً عند جودت القزويني الذي سوفَ يدلّني على أهم المصادر التي أبحث عنها حول الشيخ الوائلي باعتباره كانت تربطه به علاقة وثيقة من النجف ودمشق ولندن، في زقاق من أزقة شارع السيد عباس الموسوي كانت هناك شقة مطلة على شارع عام تسمع الضجيج منها ، وصلت الى المكان كان هو بانتظاري مرحباً بكل محبة وسرور، تداولنا قصصاً ونوادر وأنا أشاهد صومعته كأنني في العراق ولست في بيروت، ولاحظت عليه المحافظة على الموروث الشعبي العراقي.

وراح يُطلعني على أرشيف نادر جداً إضافة الى مخطوطات تعود الى أُسرته الكريمة وبعض رموز العراق ، واكتشفت أن الرجل لم يترك باباً إلاّ دوّنه وأخضعه للأرشفة والتوثيق، ولقد أُصبْتُ بالدهشة والصدمة يومها لما يمتلكه من غزارة معلومات قيّمة وطرح شيّق.

والقزويني موسوعة سيّارة اجتمعت في رجل واحد يعمل أكثر من المؤسسات ومراكز الأبحاث.

وقال لي بصوت بغدادي جميل: \\\\\\\" كنت ولعاً منذ أيّام الصبا بقراءة التاريخ\\\\\\\"، ولاحظتُ من خلال كلامه أنه شديد الاعتزاز بأعماله، وهنا علمت أن الكاتب عندما يُخلص لنهجه وفكره يكون عمله مميزاً وناجحاً.

تتأمل وتسمع حديثاً متنوعاً تنسى هموم الدنيا ومشاكل المنافي، ولديه أسلوب جذاب يستهويك حديثه، وهو متفنّن في لغة الحوار، إضافة الى أريحيته ولطافته الفائقة، وهو لطيف جداً، فقد سمعت عنه الكثير، وحفظت من نوادره وأفكاره، وهو حالة استثنائية في العطاء والأداء والإباء، عشق الثقافة وذاب فيها، وسلك نهجاً علمياً يعتمد على الموضوعية ويبتعد عن الادعاء والضوضاء، ويعمل بهدوء، يعيش حراً طليقاً، ولديه مواصفات طبق الأصل للسيرة السلوكية والعلمية في الحياة الاجتماعية، تميّز بالعطاء والاكتفاء الذاتي، استمدَّ تاريخه بعد تجربة في الحلّ والترحال متنقلاً بين لندن ودمشق وبيروت وطهران، واستطاع أن يكون رحالة وشاهداً ومحققاً في سيَر المعاصرين، وهشّم مفاصل التاريخ التقليدي الضيق، بل كان واسعاً وموسوعياً شاملاً، وفي موسوعته [تاريخ القزويني] الذي يقع في (30 مجلداً)، و[الروض الخميل] الذي يقع في (10 أجزاء) من الموسوعات القيمة التي غطّت مِساحات واسعة من تاريخ العراق وغيره. حيث كتب عن أهم الشخصيات واستكتب الكثير منهم، طعمّها بتجربته وتحليلاته ونقده البنّاء، فهو لا يجامل ولا يهادن في ما يكتب ويميل الى الطرح العلمي.

تأصّلت هذه الصداقة والعلاقة وكان هدفها الاطلاع والاستفادة من الكفاءة العلمية، لذلك عرفت عنه الكثير وعرف هو عني الكثير، وكان لي شرف مرافقته في السفر والحضر في مملكة البحرين ودمشق وبيروت وطهران، وما وجدته إلاّ كاتباً مُبدعاً، وكنت أتابعه وهو يقلّب أوراقه الصفراء المعتّقة، التي تشمُّ فيها عبق التراث والأصالة، وهو عاشق لهذه الأوراق ويذوب فيها، وفي بعض الأحيان يساهم في تحقيقها، وهو متواصل في البحث والتنقيب، يواكب ويسجل، فلقد حفظ لنا الكثير من النوادر، ولولاه لضاعت وأصبحت في طيّ النسيان.

تأمّلتُ كثيراً وأنا أُنصت خاشعاً لسماع ذاكرته التي يسردها بشكل طبيعي دون تكلّف وعناء، وهو شديد الحرص أن يكون حديثه بعيداً عن التصنّع أو استخدام الألفاظ البلاغية المنمقة، بل يختار الأسلوب المناسب الذي يمتاز بالعقلانية.

وكلما سألته سؤالاً أجابك على الفور، وفي بعض الأحيان يقصُّ عليك أحسن القصص التي لم تسمع بها من قبل ولم تقرأها في كتاب.

إِنَّها سيرة حياة

إنَّها سيرة حياة رجل تخرَّج من عمق التجارب والمعاناة القاسية، وعندما يتحدّث عن الماضي يشعرك بالألم والأسى، وهو عدسة التاريخ المصورة يلتقط أجمل الصور وأروع اللقطات المعبّرة، التي هندسها في كتبه وموسوعاته، وكلما شاهدته أو ناقشته توصلت الى فكرة المؤلف النابه الذي نحبّه ونأنس بأفكاره، هو ليس مجرّد صديق عابر، بل هو الذي استطاع أن يتسلل الى عقولنا ومشاعرنا وأذهاننا ويؤثر فينا، وهو فنان بارع يعرف كيف يدغدغ مشاعر القرّاء، وكيف يلعب على مشاعرهم من خلال لمحاته ومعالجاته، وهو ماهر في الأسلوب الساحر في الطرح والتحليل.



[1]  عن مجلة \\\\\\\"النجف الاشرف\\\\\\\" بتصرف.