البروفسور فكتور الكِك يَتربَّعُ على عَرشِ الصَّمتِ الأَبديّ

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

تشرَّفتُ بلقاءِ البروفسور الدُّكتور فكتور الكِك q غيرَ مرَّةٍ، في المناسباتِ الدِّينيَّة، كعيدِ الغدير في جامعة آزاد في برج البراجنة، وذكرى انتصارِ الثَّورةِ الإِسلاميَّةِ في إِيران، في مركز كامل جابر في النَّبطيَّة؛ كما أَجريتُ معه مقابلةً خاصَّةً حينَ حلَّ ضيفًا في مِهرجانِ المنارِ الثَّامن للتَّفوُّق في 28 آب 2012؛ هذا المِهرجان الَّذي قمتُ بتقديمِه آنذاك، في قناة المنار؛ إلى أَن التقيتُ به في البيال في 10 شباط 2014 ، أَثناء تقديمِ التَّهاني بانتصارِ الثَّورةِ الإِسلاميَّة في إِيران، ووعدَني بالإِشرافِ على أُطروحتي لنَيلِ شهادةِ الدُّكتوراه، واختارَ لي عنوانَها، وهو: الصَّاحبُ بن عبَّاد...

ومنذُ ذلكَ الوقت، توطَّدتْ عَلاقتي به، إِذْ زرتُه في منزلِه الكائِنِ في الحازميَّة، كما تردَّدتُ إلى مكتبِه مراراً وتَكراراً في حارة حريك، عارِضاً عليه ما كتبتُه من فصولِ الأُطروحة، مستفيداً من إٍرشاداتِه وتوجيهاتِه المهمَّة. وكم التقطتُ معه الصُّورَ التَّذكاريَّةَ، وقمتُ بتسجيلِ بعضٍ من كلماتِه، أَثناءَ مُحاورتِه، ممَّا لفتَ نظرَه، قائِلاً لي: سيأْتي يومٌ وتستفيدُ من هذِه الصُّورِ والتَّسجيلات! حسبي شرفًا أَنَّه قال لي ذاتَ يومٍ: وإِذا مِتُّ فإِنِّي أَحيا بطلاَّبي النُّجباءِ، أَمثالِكَ.

كما كنتُ أَتوجَّسُ خيفَةً من رحيلِه عن الحياةِ قبلَ إِتمامِ المناقشة، بعدَ أَن أَخبرَني أَنَّه أَجرى عمليَّتَيْنِ جراحيَّتَيْن تكلَّلتا بالنَّجاح، وهو ينتظرُ العمليَّةَ الثَّالثة؛ ثُمَّ إِنَّه بعدَ إِجراء العمليَّةِ الأَخيرةِ كان يتأَلَّمُ كثيراً، بَيْدَ أَنَّه كان مُحِبًّا للحياة؛ فكثيراً ما كان يُمنِّي النَّفسَ بالعودةِ إِلى حياتِه الطَّبيعيَّة، فكنتُ كلَّما كلَّمتُه هاتفيّاً للإطمئنانِ عن حالتِه الصِّحّيَّةِ كان يُجيبُني بالقولِ: آمُلُ أَنْ أَتحسَّنَ في الأُسبوعِ القادم. وقبلَ موعد المناقشةِ بشهريْنِ تقريباً وقعَ ما كنتُ أَحذرُ منه، فقد أَسلَمَ الرُّوحَ إِلى بارئِها، ووقَعَ خبرُ وفاتُه على نفسي كالصَّاعقة، وكان صعباً عليَّ أَن أُصدِّقَ الخبر، وشعرتُ أَنَّ الحُلمَ قد تبخَّر.

ونظراً لشدَّةِ إِعجابي بشخصيَّتِه الفذَّةِ، تطوَّعتُ بكتابةِ عددٍ من قصائِدِه وأَبحاثِه على الحاسوب (الكومبيوتر) بكلِّ شغفٍ وغبطة؛ وممَّا شدَّني لخدمتِه كتاباتُه في أَهلِ بيتِ النَّبيِّ w، منها نشيدُ العتبةِ الرَّضويَّة الَّذي يتأَلَّفُ من تسعةٍ وأَربعينَ بيتاً، يقولُ في مطلعِه:

إِمامَ الرِّضا، يا إِمامَ السَّلامْ

حَلَلْتَ بِإِيرانَ خَيْرِ مُقامْ

لأنْتَ الغَريبُ، وَأَنْتَ الحَبيبُ

وَأَنْتَ الشَّهيدُ، وَأَنْتَ المَرامْ

وَأَهْلُكَ عُرْبٌ، وَأَهْلُكَ عُجْمٌ

فَآخَيْتَ بَيْنَ شُعُوبِ الأَنامْ

وَصَحْنُكَ رَحْبٌ يَفيضُ دُعاءً

تَعالَى إِلَى خالِقٍ لا يَنامْ

كَسَتْهُ الشُّمُوسُ ضِياءً بَهِيًّا

فَشَعْشَعَ لَيْلاً، وَذابَ الظَّلامْ

وَضاءَتْ شُمُوسُكَ لَيْلاً نَهاراً

فَلَيْسَ بِصَحْنِكَ نَفْسٌ تَنامْ

وَأَضْحَتْ شُمُوسُكَ نُورًا مُداماً

بِهِ يَهْتَدي الزَّائرُ المُسْتَهامْ

يَضِجُّ صَلاةً بِلَيْلٍ وَيَوْمٍ

وَتَنْهَلُّ شِعْرًا نَدِيَّ الكَلامْ

وَأَنْتَ الكَليمُ لِرَبِّ البَرايا

حَكيمُ الوَرَى مُنْذُ عَهْدِ الفِطامْ

حُشُودٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ

عَميقٍ، تُناجي وَتَدْعُو الإِمامْ

واللاَّفتُ أَنَّ الدُّكتور الكك توسَّلَ بالإِمامِ الرِّضا t خلالَ العمليَّةِ الجراحيَّة الَّتي أَجراها سابقاً، قائِلاً لي: توسَّلتُ بالإِمامِ الرِّضا لأَنَّ لديه كرامات. وممَّا يُؤكِّدُ حبَّهُ للإِمامِ الرٍّضا t أَنَّه كتبَ في حقِّه غيرَ قصيدةٍ، فكتبَ قصيدةً أُخرَى في حقِّه تحتَ عنوان: الإِمامُ الرِّضا جامِعُ الفُرْسِ وَالعَرَبِ وَالمَلأ، يقولُ فيها:

عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ يا ابْنَ مُحَمَّدٍ

رَفَعْتَ لِواءَ الحَقِّ في أَرْضِ مَشْهَدِ

وَهَذِي خُراسانُ العَريقَةُ في العُلَى

تُقَبِّلُ أَعْتابَ الضَّريحِ وَتَهْتَدي

تَطُوفُ بِصَحْنٍ، تُخْفِضُ الشَّمْسُ عِنْدَهُ

جَبينَ ضِياءٍ مِنْ ضِيائِكَ سَرْمَدِ

يَؤُمُّ ثَراكَ الزَّائِرُونَ، أُلُوفُهُمْ

تَدافَعُ بِالأَكْتافِ وَالكُلُّ قَدْ صَدي

فَهَذا يُنادي: سَيِّدي، أَيُّها الرِّضا

قَطَعْتُ إِلَيْكَ القَفْرَ، يا خَيْرَ سَيِّدِ

وَذاكَ يُرَوِّي الدَّمْعُ صَفْحَةَ خَدِّهِ

وَيَهْفُو إِلَيْكُمْ بِالشِّفاهِ وَبِاليَدِ

حَمَلْتُ إِلَى مَثْواكَ لُبْنانَ زائِراً

وَمِنْ عامِلٍ طِيبًا وَزادَ المُزَوَّدِ

وَمِنْ صُورَ مِنْ صَيْدُونَ أَلْفُ تَحِيَّةٍ

وَأَلْفُ دُعاءٍ لِلإِمامِ المُعَمَّدِ

مَقامُكَ في إِيرانَ لِلْفُرْسِ نِعْمَةٌ

وَلِلْعُرْبِ شَوْقٌ لِلتَّآخي المُحَمَّدي

ومِن كلمةٍ لهُ في حقِّ الإِمامِ الحسينِ t، بعنوان: الحُسَيْنُ ، وُلِدَ شَهيداً:

            لَمْ يَمُتِ الحُسَيْنُ جَشِعاً إِلَى مَقامٍ وَلا طامِحاً إِلَى مَجْدٍ.

            فَعَلَى مَفْرِقِهِ اسْتَوَى المَجْدُ تاجَ حَقٍّ لا تاجاً مِنَ الذَّهَبِ.

            وَبِيُمْناهُ فَخَرَ الصَّوْلَجانُ إِرْثًا مِنَ الرِّسالَةِ العُلْوِيَةِ.

            لا فِضَّةً صِيغَتْ مِنْ آهاتِ المَحْرُومِينَ وَخُبْزِ الجائِعينَ.

            مَجْدُ سِواكَ، يا حُسَيْنُ، شُيِّدَ عَلَى جَماجِمِ المَغْدُورِينَ وَالمُسْتَضْعَفينَ في الأَرْضِ.

            أَمَّا مَجْدُكَ فَفي حَبَّاتِ القُلُوبِ الَّتي لا تَخْفُقُ إِلاَّ لِلْحَقِّ.

            مَجْدُ سِواكَ كانَ اغْتِصاباً لِلْمَجْدِ، في زَمانٍ مُعَيَّنٍ وَمَكانٍ مُعَيَّنٍ.

            أَمَّا مَجْدُكَ فَرايَتُهُ خَفَّاقَةٌ في الزَّمانِ وَفَوْقَ كُلِّ مَكانٍ.

            بِشَهادَتِكَ، يا حُسَيْنُ، دَخَلَ التَّاريخُ حَرَمَ الوُجُودِ الحَقِّ خافِضاً جَبينَهُ!

            فَوُلِدَتِ الأَرْضُ مِنْ جَديدٍ بِالرُّوحِ.

كما ترجمَ الدُّكتور الكِك مَرثاةَ الشَّاعرِ الفَرنسيُّ أَرمان رُونُو (1836ـ1895) الَّتي نَظمَها في اسْتِشهادِ الإِمامِ الحُسين، نَقتطفُ مِن أَوَّلِها هذِه الأَبيات:

            أَبُوهُ، قَتيلاً، أَخُوهُ، قَتيلاً،

            شَهيدَيْنِ غابا وقِدِّيسَيْن،

            بِعَهْدِ التَّعَسُّف

            اغْتالَهُ السَّفَّاحُون

            رِفاقُهُ اثْنَيْنِ وسَبْعينَ كانُوا

            وَراءَ رَبْوَةٍ أَوْدَعَ

            ذُرِّيَّةً وَزَوْجًا

            وَفي المُقابِلِ عَشَرَةُ آلافِ عَدُوّ.

            وَتَحْتَ سَماءٍ مِنَ النَّار، لا شَيْءَ يُشْرَب.

            لِعَشْرٍ مَضَيْنَ تَكَرَّرَ هَذا المَشْهَد

            عَلَى مَرْأًى مِنَ العالَم.

            وَفي حَمْأَتِها حَصَدَ المَجْدَ الرِّجال.

            صُراخُ الطُّفُولَةِ يَبْغي مِنَ الماءِ قدراً.

            أَخيراً، سُقُوطُ الحُسَيْنِ وَقَعْ

            مُقَطَّع الأَوْصال

            دَمٌ شَرِبَتْهُ الرِّمال

            بِصَحْراءِ كَرْبَلاء.

            كَذَلِكَ، مُنْذُ بُزُوغِ الفَجْر،

            تَنُوحُ البَهائِمُ بِغاباتِها، وَمِنَ السَّماء

            رَشَحاتُ المَطَر تَساقَطُ فَوْقَ رُؤُوسِنا

            مُرَّةً كَمِلْحٍ أجاج.

            أَنا، وَحْدي، لا أَبْكي، بَلْ أَغبِطُ

            مَنْ في سَبيلِ مَحَبَّةِ اللهِ،

            مَضَى في العَذابِ وبَذْلِ الحَياة

            بِبادِيَةٍ اسْمُها كَرْبَلاء.

وخلالَ محادثتي الخاصَّةِ معه أَفصحَ لي الدُكتور الكِك أَنَّه منذُ كان في الخامسةَ عشْرةَ مِن عُمره، وهو مَفتونٌ بالإِمامِ عليِّ بْنِ أَبي طالبٍ. وقد نظمَ في حقِّه قصيدةً شعريَّةً، عنوانُها غديرُ الملَكوت، يقولُ فيها:

هَلَّلَتْ عَدْنُ كَبَّرَتْ لِفَتاها

أَحْمَدٌ شَمْسُها عَلِيٌّ ضِياها

في عُرُوجٍ إِلَى السَّماءِ تَجَلَّى

مِنْ غَماماتِهِ الإِمامُ، وَتاها

ذِكْرَياتٌ مِنَ الغَديرِ عِظامٌ

هَرِمَ الدَّهْرُ، وَالبِلَى ما كَساها

وَالعِراقانِ في سَحيقِ مَداها

أَتْرَعاها دَماً وَدَمْعاً وَآها!

يا إِمامَ الهُدَى وَناصِرَ دِينٍ

نَخْوَةُ الجَهْلِ رُوحُهُ تَأْباها

سَيْفُكَ الحَقُّ غَيَّبَ الجَهْلَ لَمَّا

آيَةُ النُّورِ أُرْعِدَتْ في سَماها

يا غَديراً صَفا الوُقُوفُ عَلَيْهِ

ماؤُكَ الآسِنُ اسْتَحالَ صَفاها

بَلِّغِ النَّاسَ، قالَ جِبْريلُ فيهِ

يا نَبِيَّ الإِلَهِ، بُشْرَى نَماها

أَنْتَ مِنْ رَبِّكَ العَلِيِّ رَسُولٌ

عِصْمَةٌ فيكَ لُطْفُهُ أَرْساها

وَاشْرَأَبَّتْ مِنَ البِطاحِ رُؤُوسٌ

لا تَرَى العَيْنُ بَيْنَها أَقْصاها

عَبْدُ رَبِّي أَنا، وَمَوْلاهُ هَذا

هُوَ نُورُ الهُدَى وَخالِفُ طَهَ

رَبِّ والِ الَّذي يُوالي عَلِيًّا

أُمَّةَ الحَقِّ عادِ مَنْ عاداها

صافَحَ الصَّاحِبانِ كَفَّ عَلِيٍّ

وَعَرا الأَرْضَ بَغْتَةً ما عَراها

ثُمَّ كَرَّتْ جُمُوعُهُمْ تَتَتالَى

هَنَّأَتْ في الإِمامِ حامي حِماها

هُوَ مَوْلًى لَهُمْ وَلَيْثُ حُنَيْنٍ

أُحُدٌ شاهِدٌ، وَبَدْرٌ غَزاها

كَعْبَةُ اللهِ صانَها مِنْ ذِئابٍ

أَشْهَرُوا السَّيْف، نَكَّسُوا مِنْ عُلاها

دَوْحَةٌ هاشِمٌ عُلاها وَطَهَ

فَاسْتَطالَتْ عَلَى السِّماكِ ذُراها

نَحْنُ في عيدِكَ العَظيمِ نَسيمٌ

رَوْضَةَ الوَرْدِ عافَها، وشَذاها

مُرَّ في رَوْضِكَ الزَّكِيِّ صَباحاً

ضَمَّخَ الطِّيبُ عِطْفَهُ فَتَباهَى

ثَمِلاً عادَ حامِلاً سُكْرَ عَدْنٍ

أَرْضَنا البُورَ أَكْؤُسًا كَمْ سَقاها!

أُتْرِعَتْ مِنْ دِنانِ خُلْدِكَ دَهْراً

وَاسْتَرَدَّتْ عَلَى الزَّمانِ صِباها

وهكذا يبدو حُبُّ الدُّكتور الكِك لأَهلِ البيتِi، واضحاً جليًّا لا لبسَ فيه، فجزاه اللهُ عنهم خيرَ الجزاء، ومنحَهُ ثوابَ مدحهِم رَوْحًا ورَيْحاناً، وجَنَّةً ورِضواناً، فلقد وردَ عنهم: مَنْ قالَ فينا بيتَ شِعرٍ بنَى اللهُ له بيتاً في الجَنَّة.

عِلاوةً على ذلكَ فإِنَّ الدُّكتور الكِك منذُ سنٍّ مبكِّرة، عندما كان في الصَّفِّ الأَوَّلِ الثَّانويِّ، ـ وهو رجلٌ مسيحيٌّ، وعاشَ في بيئَةٍ مسيحيَّة ـ كان يقرأُ القرآنَ الكريم، عمَلاً بنصيحةِ والدِه رحمه الله؛ والدُّكتور الكِك يقولُ علنًا: إِنَّه امتَلكَ نُسخةً من القرآنِ ما زالتْ في مكتبتِه حتَّى اليوم، وكان يقرأُ القرآنَ دائِماً باحترام، ويَحفظُ الآياتِ القرآنيَّة؛ ليس لأَنَّ القرآنَ مَوردٌ لُغويٌّ فحسب، بل لأَنَّه كتابُ وَحيٍ؛ فانطبَعَ في ذِهنِه، حتَّى آخرِ نفسٍ من حياتِه، وهذا ما رسَّخَ قَدماهُ في اللُّغةِ العربيَّةِ وآدابِها.

وتجدرُ الإِشارةُ إِلى أَنَّ لَجنةَ خُدَّامِ الثَّقافةِ الرَّضويَّة، في عام 2015 ، انتَخبَت البروفسور الدُّكتور فكتور الكك خادماً للثَّقافةِ الرَّضويَّة، في القِسمِ الدَّوليِّ. وهذه سابقةٌ ممَيَّزةٌ لمْ تَكنْ مأْلوفةً، وهيَ تَنمُّ عن تقديرِ القَيِّمينَ على المَركزِ الدَّوليِّ الثَّقافيِّ والفَنِّيِّ للإمامِ الرِّضا t للبروفسور فكتور الكك، المتميِّز في تَخصُّصِه في شؤُونِ إيران وحضارتِها ولُغاتِها وآدابِها. ولَه فيها مؤلَّفاتٌ بالفارسيَّةِ والعربيَّةِ والفرنسيَّةِ والإِنكليزيَّةِ، وقد دَرَّسَها ولا يزالَ في جامعاتِ العالَمِ.

والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ المؤسَّساتِ الرَّضويَّةَ في إيرانَ تَفوقُ جِهازَ الوزارةِ من حيثُ الاتِّساعُ والمسؤوليَّاتُ المختلِفة.

وللانتخابِ هذا دَلالاتُ تَقديرٍ فوقَ العادةِ، لأنَّ الدُّكتور فكتور الكك مسيحيٌّ.

ومن أَبرز دلالاتِه انفتاحُ الشِّيعةِ المميَّز.

أَقولُ: لا غروَ أَنْ تَختارَ لَجنةُ خُدَّامِ الثَّقافةِ الرَّضويَّة، البروفسور الدُّكتور فكتور الكك عُضْوًا في القِسمِ الدَّوليِّ للثَّقافةِ الرَّضويَّة، فهو لائِقٌ بهذا المَنصب، وجديرٌ به، وهو الذَّكيُّ صاحبُ الفكرِ المتوهِّج، والعقلِ المبدِع. والدُّكتور فكتور الكِك، أَشهرُ من نارٍ على مَنار، وأَوضحُ من الشَّمس في رائِعةِ النَّهار، ومهما قُلنا في حقِّه فهو قليلٌ قليل، نظراً لكثرةِ عطاءاتِه، ومؤَلَّفاتِه.

ولمَن لا يَعرفُ الدُّكتور فكتور الكِك، هو من مواليد 1936 جبل لبنان، أُستاذٌ جامعيّ ممتازٌ لديه ثلاثُ شهاداتِ دكتوراه في آدابِ اللُّغةِ العربيَّةِ، وفي اللُّغةِ الفارسيَّة، وفي الفلسفةِ باللُّغة الفرنسيَّة. كما يُتقنُ عدَّةَ لغاتٍ: (العربيَّة، الفارسيَّة، الإنكليزيَّة، الفرنسيَّة) درَّس بهذه اللُّغات في جامعاتِ فرنسا وأَمريكا وكندا وإِيران ولبنان، إِضافةً إِلى اللُّغاتِ السَّاميَّةِ القديمةِ والآريَّةِ القديمة. وله أَكثرُ من عشرينَ مؤَلَّفًا مُطوَّلاً، وأَكثرُ مِن مائَةِ بَحثٍ طويلٍ في موضوعاتٍ متنوِّعةٍ: (الأَدب، اللُّغة، الفلسفة، العِرفان)؛ ولَه الكثيرُ من التَّرجماتِ من الفارسيَّةِ والفرنسيَّةِ والإِنكليزيَّةِ إِلى العربيَّةِ لُغتِه الأُمّ.

ومن أَهمِّ وأَوَّلِ كتُبِه الَّتي أَصدرَها قبلَ خمسٍ وخمسينَ سنةً كتابُ (فنّ المقاماتِ في تراثِ بديعِ الزَّمانِ الهَمذانيِّ وأَثرُه في اللُّغاتِ الفارسيَّةِ والسِّريانيَّةِ والعبريَّةِ)، والكتابُ الآخَرُ (تأْثيرُ القرآنِ والحديثِ النَّبويِّ وفنونِ الشِّعرِ العَربيِّ وعَروضِ العَربِ في الثَّقافةِ الإِيرانيَّةِ)... . وقد أَشرفَ على أَطاريحِ الدُّكتوراه في الآدابِ والفلسفةِ. وهوَ رئيسُ المجمعِ الثَّقافيِّ العربيِّ (أَكاديميَّة بين عربيَّة، مركزها بيروت).

إنَّ البروفسور فكتور الكك علمٌ من الأعلام الَّذين حملوا لواء العِلم والبحث العلميِّ، والانفتاح في سبيل تطوير الحضارات ورقيِّها. إنسانٌ جَمع بين جَمال الخَلق والخُلق، واتَّسم بحبِّ المغامرة والبحث عن حقيقة الشُّعوب وآدابها، متغلغلاً بأدقِّ تفاصيلها مستخلصًا منها النَّاجع والشَّافي، ومتسلِّحًا بإرثها الباقي والكافي. إنسانٌ طَوى المسافاتِ بين الشُّعوب من جهة، وآدابها من جهة أخرى، بحيث سَبَرَ وغاص في بحر كلِّ الحضارات، وكلِّ مجتمع، مستخرجاً اللُّؤلؤَ والمَرجان من مكامنهما الدَّفينة في أعماق بحارها، وفي شتَّى أصقاع المعمورة؛ فسافر إلى ألمانيا وفرنسا وأميركا وكندا وغيرها، من أجل نشر حضارة أُمَّته العربيَّة، وحضارةِ بلاد فارس الَّتي اشتركت في كتابة حضارةِ المشرقِ المجيد.

إنَّ البروفسور فكتور الكك، بفضل حكمته ووعيه وثقافته الواسعة، وحبِّه لاكتشاف ما هو مجهول ومستور، استطاع أن يتبوَّأَ مناصبَ راقيةً رفيعة في الدُّول العربيَّة والفارسيَّة والأوروبيَّة والأميركيَّة. فهو إنسان عَمل على تلاقي الحضارات وتطوُّرها وخصوصًا العربيَّة والفارسيَّة، هذه الثَّقافة الغَنَّاء الَّتي حملها وتميَّز بها، وجعلته يسبر أغوارَ الحضارةِ الفارسيَّة، ويَستخرجُ كنوزَها الدَّفينة البعيدة الَّتي تتلاقى مع عقول ووِجدان الكثيرِ من الكتَّاب والأُدباء العرب والمسلمين؛ فهو يُعتبرُ إنسان كلِّ حضارة، ومُعجمِ كلِّ أدب؛ وهو الَّذي أَغنى الأدبَ العربيَّ وزادَه بريقًا، وأضفى عليه من الآداب الأُخرى كالفارسيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة والأميركيَّة والتُّركيَّة، فمَزج بين هذه الآدابِ وحلَّل مضامينَها، واستَكشفَ أَسرارَها وخفاياها، مُسلِّطًا الضَّوءَ على كلِّ ما فيها من أمورِ الأدبِ والحياة.

إنَّ البروفسور فكتور الكك يُعدُّ من الكتَّاب والأدباء، الَّذين حَملوا قضيَّة العروبة والعربيَّة، ودافعوا عنها في المحافل الدَّوليَّة، فضلاً عن النَّدوات والمؤتمرات الَّتي شارك فيها حاملاً معه أوجاع الأمَّة ولغتها ومعاناتها. وقد وقف سنة 1972 أمام رياح تدريس المواد الإنسانيَّة في اللُّغات الأجنبيَّة فقط، وأصرَّ على التَّدريس باللُّغة العربيَّة، والكتابة بلغة الضَّادِ إلى جانب اللُّغاتِ الأجنبيَّة. وخلال الحرب الأهليَّة الَّتي عصفت بلبنانَ وجدناه رمزًا للتَّعايش والانصهارِ الوطنيِّ والوَحدة الوطنيَّة. فهو لم يُفرِّقْ بين مذهَبٍ وآخَر، بل جَعل قلبَه موطناً للدِّيانات السَّماويَّة السَّامية. فخلال تلك الحرب الهدَّامة، والَّتي حُمل خلالَها السِّلاحُ المدمِّرُ الفتَّاك، وجدنا الدُّكتور فكتور الكك يَحمل سلاحًا بنَّاءً وموضوعيّاً؛ إنَّها الكلمة الَّتي سخَّر قلبه في خدمتها، فعمل على بناء الثِّقة بين اللُّبنانيِّين، وتوطيدِ جسور المحبَّة والتَّعايش بينَ جميع الأَفرقاء، بعيدًا عن الطَّائفيَّة والكَيديَّة والمحسوبيَّات.

إنَّ البروفسور فكتور الكك، كاتبٌ، وأُستاذٌ، وباحثٌ، وإداريٌّ، ومقاومٌ في الحقِّ، ومرشدٌ نبيهٌ، ومسافِر، وفاتِح ومغامرٌ يَشق العبابَ، طوله وعرضه، كبحَّارٍ ما إن يغرس مرساته على شاطىء جزيرة معيَّنة حتَّى نراه يبسط الشِّراع مجدَّدًا باتِّجاه آخر؛ والقصدُ غوصٌ في السِّرِّ، وفي المجهول، لعلَّه يُدركُ اليقين، وهو لا يُعطي للتَّعب حُسباناً.

لا يَستكينُ، ولا يَعرفُ ما هو التَّقاعد؟ وما هو سنُّ التَّقاعد؟ حيث إنَّ لديه روحاً مستعدِّة ومتوثِّبة دوماً للمساعدة وللتَّدريس والبحث والمحاورة، وكأنَّ عمره توقَّف عند مرحلة الشَّباب.

يقولُ جلالُ الدِّين الرُّوميُّ في رباعيَّةٍ مِن رباعيَّاتِه:

هذا الصَّباحُ، قطفتُ ورداً منَ البُستانِ

وكنتُ خائفًا منْ أنْ يَراني البُستاني

ولكنَّه خاطبَني بصوتِه العذبِ قائلاً:

ما قيمةُ الوردِ؟ أُعطيكَ كلَّ البُستانِ.

هذه قصَّة البروفسور فكتور الكك، وأظنُّها قصَّة كلِّ من تعرَّف إليه وقصَده بمشورة علميَّة، برأْيٍ أَو بمعلومة، فنراه يَهَبُ ذاتَه في كلِّيتِها لمنْ يدقُّ بابَه باحثاً عن الحقيقةِ عطشاناً.

ونظرًا لمكانةِ الدُّكتورِ الكِك السَّامية، فلقد عزَّ علينا فَقدُه، وآلمَنا رحيلُه، ومِن الَّذين نَعَوهُ، مركزُ الفِكرِ والفنِّ الإِسلاميِّ (حوزة هُنَرى) طهران، في بيانٍ صادرٍ عنه يقولُ فيه:

تلقَّينا ببالغِ الحُزنِ والحَسرةِ والأَسَى نبأَ نَعيِ البروفسور فكتور يوسف الكِك؛ هذا الفيلسوفُ الَّذي نَذَرَ حياتَهُ في سبيلِ تعايُشِ الأَديانِ وحوارِ الثَّقافاتِ وتحقيقِ السَّلامِ والوِئامِ بينَ بَني البَشَر، مُستَلهِمًا رُؤاهُ مِن مُعلِّمِه ومُرشِدِه مولانا جلالِ الدِّينِ الرُّوميِّ.

إِنَّ غيابَ العَلاَّمةِ المَوسوعيِّ فكتور الكِك يُعتبَرُ بحقٍّ خسارةً لا تُعوَّضُ لعالَمِ الثَّقافةِ والأَدبِ الإِنسانيِّ في زمنِ اللَّيلةِ الظَّلماءِ، حيثُ يُفتقدُ البدرُ، وهو القامةُ الشَّامخةُ الَّتي تفيَّأَ بظِلالِها المِئاتُ مِن طالبي العِلمِ والمعرفةِ.

رحلَ أَبو هادي بَعدَ نصفِ قَرنٍ مِن العملِ الجادِّ في سبيلِ الكَشفِ عن القواسِمِ المشتركةِ بينَ العربيَّةِ والفارسيَّةِ والبحثِ عن سُبُلِ وآليَّاتِ الحِوارِ الحضاريِّ بينَ الثَّقافَتَيْنِ، والغوصِ في أَسرارِ مَولانا الرُّوميِّ، والتَّفتيشِ عن عوالِمِ حافظِ الشِّيرازيِّ، وتعريبِ شاهنامة الفِردوسيِّ، وتسليطِ الضَّوءِ على قصائِدِ سَعدي الشِّيرازيِّ، لا في العالَمِ العربيِّ فحَسب، بلْ في العديدِ مِن جامعاتِ أُوروبَّا وأَمريكا. ونَشَرَ العشراتِ مِن الكتبِ، والمِئاتِ مِن الأَبحاثِ الأَكاديميَّةِ في المجلاَّتِ المُحكمةِ باللُّغاتِ العربيَّةِ والفارسيَّةِ والإِنكليزيَّةِ. وأَشرفَ على عشراتِ رسائِلِ الماجستير والدُّكتوراه في الجامعاتِ العربيَّةِ والإِسلاميَّةِ.

لقد كان الأَديبُ الرَّاحلُ خيرَ سفيرٍ للأَدبِ الفارسيِّ، وحلقةَ الوَصلِ، والجسرَ الثَّقافيَّ والحَضاريَّ بينَ الشُّعراءِ والمثقَّفينَ العربِ والإِيرانيِّينَ. وإِنَّ النَّجاحَ الَّذي حَقَّقهُ في إِثراءِ الحَراكِ الثَّقافيِّ والفِكريِّ بينَ الأَدبَيْنِ لمْ يَسبِقْه فيه أَحدٌ من المُعاصِرينَ، حيثُ حَفرَ اسْمَه في سِجلِّ كِبارِ الشُّعراءِ والأُدباءِ. وساهمَ بكلِّ قواهُ في تعريفِ العالَمِ العربيِّ بالكنوزِ الصُّوفيَّةِ والرُّوحانيَّةِ للأَدبِ الفارسيِّ، وكانتْ مجلَّتُه الدِّراسات الأَدبيَّة أَحدَ أَهمِّ إِنجازاتِه الَّتي ساهَمَتْ في خِدمةِ الفِكرِ الإِنسانيِّ المُعاصِرِ.

فيكتور الكِك، رحلَ وهو يَنثُرُ منذُ نصفِ قرنٍ بفِكرِه المستنيرِ بذُورَ الشِّعرِ والأَدبِ الفارسيِّ حتَّى نَبتَتْ أَزهارُه، وكبرتْ سنابلُه عبرَ مئاتِ الباحثينَ والأُدباءِ الَّذينَ نهلوا من محاضراتِه ومَعارفِه، ودرَسوا في صفوفِه الجامعيَّةِ.

سلاماً لروحِه الأَبيَّةِ؛ وعِرفانًا بفَضلِه، واستمرارًا لمسيرتِه وعطائِه، نَستذكرُ عطاءاتِه الخالدةَ، ليَبقَى اسمُه محفورًا في القلوبِ، سائِلينَ العليَّ القديرَ أَنْ يَجعلَ مَثواهُ جنَّةَ النَّعيم، ويُلهِمَ أُسرتَه ومُحبِّيهِ الصَّبرَ والسِّلوان، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ العَليِّ العظيم.

إِنَّ الوفاءَ للدُّكتور الكِك يقتضي أَنْ نَنشرَ مؤَلَّفاتِه، لينهلَ طُلاَّبُنا من معينِها، ويَقتبسُوا من أَنوارِها، فهي ثروةٌ كبيرةٌ لا يُستهانُ بها.

في نهايةِ المَطاف، هنيئًا للدُّكتور الكِك، حيثُ استراحَ من هَمِّ الدُّنيا وغمِّها، ومضَى إِلى ربٍّ رحيم. لقد أَدَّى قِسْطَه للعُلَى، وآنَ له أَنْ يستريح بعدَ إِحدَى وثمانينَ سَنةً من العطاء والكدِّ والعناء. ولَئِنْ حَجبَ الموتُ وجهَه، وبتَرَ عمُرَه، فهيهاتَ أَنْ يَحجبَ ذِكرَه. سيبقَى حاضرًا في أَعماقِ القلبِ والوِجدان، عصيّاً على الأُفولِ والنِّسيان.

الدُّكتور الكِك لم يَمتْ، فهو حاضرٌ فينا دائِماً وأَبداً، لأَنَّ العلماءَ باقونَ ما بقيَ الدَّهر، أَعيانُهم مفقودة، وأَمثالُهم في القلوبِ موجودة، كما وردَ عنِ الإِمامِ عليٍّ عليه السَّلام، وممَّا يُنسبُ إِليهِ شِعراً:

النَّاسُ من جِهَةِ التِّمثالِ أَكفاءُ

أَبوهُمُ آدم،ٌ والأُمُّ حوَّاءُ

ما الفخرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلمِ إِنَّهُمُ

عَلَى الهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلاَّءُ

وقيمةُ المَرءِ ما قَدْ كانَ يُحسنُه

والجاهلونَ لأَهلِ العِلمِ أَعداءُ

ففُزْ بعِلمٍ تعشْ حيًّا به أَبداً

فالنَّاسُ موتَى وأَهلُ العلمِ أَحياءُ