يومُ الغديرِ... يومُ الوفاء

15/12/2014
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم: المفتي الدكتور الشيخ سليم اللبابيدي(1)

سماحة المفتي العلاّمة الدكتور الشيخ سليم محمود اللبابيدي وهو العامل في علم الحقيقة والتصوف أراد في مقالته إرشاد المسلمين إلى واجبهم الشرعيّ والوفاء لحقِّ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب(ع)، على كل مؤمن ومؤمنة في يوم الغدير لأنّه هارون هذه الأُمّة ووليها ومرجعها وفيصلها دون منازع. والوفاء لأم المؤمنين خديجة إبنة خويلد سيّدة نساء العالمين والتي كرَّست حياتها في خدمة رسول الله(ص) ورسالته السمحاء وأنفقت جميع ما تملك في سبيل الله ورسوله. ولا يتحقق هذا الوفاء إلاّ بالحبِّ لرسول الله(ص)، والحبِّ لصاحب يوم الغدير ولأم المؤمنينO. حيث قال حفظه الله تعالى:

الأمّةُ في شهرِ ذي الحجة تتنافسُ في عدةِ أمور، منهم من يُسارع إلى بلادِ الحجازِ لأداءِ الحجّ الذي فرضهُ اللهُ تعالى على المُستطيع إليه سبيلاً مرةً واحدةً في العمرِ. وعامّةُ المُسلمينَ يحتفلونَ بيومِ الغديرِ وهو يومٌ اعطى رسول الله (ص) شرف الولاية من بعدهِ لأمير المؤمنينَ عليّ (رضيَ اللهُ عنه)

فقال (ص): «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه».

 

والولاية أعلى مرتبة بعد النبوة، وقد صرّح النبي (ص) بوضوحٍ لسيدنا علي (رضي اللهُ عنه) فقال له:« أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبيّ». وهنا تتوضح الولاية والمرتبة التي وضع فيها الرسول (ص) سيدنا عليّ...

فمن هو هُنا الوليّ بعد النبي؟، إنهُ ربيب البيتِ النبوي الشريف. وما ثبتَ أنَّ النبي (ص) قام بتربيةِ شابٍ في بيته إلا عليّ (رضيَ اللهُ عنه)، وكأنّهُ ولده، وما اهتمّت أم المؤمنينَ خديجة بولدٍ مثلما اهتمّت به، ولذلِك نجدُ أنها اوّل إنسانٍ آمَن بالرّسالةِ والنبوّةِ الشريفة، وعليٌّ أوّل مؤمنٍ من الذكور. ولكن عندما نتحدّثُ عن الوفاءِ لأميرِ المؤمنينَ لا بدَّ ان ننتبهَ اننا نُقَصِّر ـ بالإجمال ـ بحقِّ أم المؤمنينَ خديجة التي كانت تسمّى الطاهرة، وهي الوحيدة التي نزل جبريلُ عليه السّلام من أجلها ليقرئها السّلام من الله عزَّ وجل، ويُبشرّها ببيتٍ في الجنّة من قصب، فمن هيَ وماذا فعلت؟

ان الأمة جميعُها في عنقها دَينٌ مستحق الوفاء لم تؤده لأُمنا خديجة (رضي الله عنها)، فهيَ سيدة نساء العالمين زوج خاتم المرسلين، وأم السيدة فاطمة بنت النبي (ص)، الطاهرةُ بنت الطاهرة ومربية أمير المؤمنين عليِّ (رضيَ اللهُ عنه)، وهيَ التي احتضنت الدعوة ورعتها وانفقت عليها مالها في حياتها وبعد وفاتها، وهي التي تحمّلت الأذى في سبيلِ ذلِكَ، وهي التي انجبت الوَلَدِ للنبي (ص)...

كثيرٌ من النّاس ينسى او يتناسى أنَّ رسول (ص) تفرّغَ لتبليغ الدّعوة مُعتمِدًا على أمرين، الأوّل نفسي والثّاني مادّي، فهيَ كانت تُعطي الأمن للرسول فيتفرّغ في الغارِ وتواسيهِ حينَ نزول الوحي، وتُثّبت قلب النبيّ، وتقول له من باب التثبيت: «والله لن يُخزيكَ الله أبداً «ونرى انَّ اصحاب الدعوات تكون نساؤهن اكبر العوائق في دعواتهم، امّا خديجة (رضيَ اللهُ عنها) فكانت اكبر المؤثرات على اعطاء الرسول جرعات التثبيت، وكلمات التمكين، والمال للتفرّغ للعبادة ونشر الدين وتبليغه طوال حياته.

فالجميع بعنقهِ دَين لأمهِ خديجة، اولاً: لتثبيتها واعطائها الحب والحنان والكلمة الطيبة للرسول (ص)، وهُنا الأساس الأقوى للدعوة، وثانيها: أنّها هيَ من أنفق المال على الرّسول (ص)لنشرِ الدينِ، ولم تُرهِقه بأيِّ تكليفٍ من تكاليفِ الدُّنيا وبذلك استحقت محبة أهل بيتها، ولا نبالغ إذا قُلنا انها كانت تحظى باحترام كل قريش كافرهم ومسلمهم، فهيَ السيدة والطاهرة وسيدة قريش بلا منازع.

فهيَ زوج النبيّ (ص) الذي يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وهيَ مربية أمير المؤمنينَ عليِّ الذي مُدِحَ في كتابِ الله بالإنفاق رغم فاقته، على المساكين واليتامى والاسرى، لا بل انه كان يُعطي حتى في صلاته ولا ننسى انه تصدق بخاتمه وهو في الصلاة، ولم يفعلها احدٌ قبله. وهي جدة الأسباط الحسن والحُسين وزينبَ الّذين بذلوا نفوسهم رخيصة في سبيلِ الله.

انها مربية المدرسة الإسلامية الأولى، التي تُعلمنا العزَّة والعطاء دون حدود، وبكل الأشكال المادية والمعنوية.

إنّا في يومِ الغدير يوم الوفاء واعطاء كل ذي حقٍ حقه، فحق الولاية دَينٌ في رقبةِ كل مسلم، وحق السيدة خديجة دَينٌ ايضاً في رقبة كل مُسلم، والبرُّ بها هو اتمامٌ لبرِّ الوالدينِ، فنحن مُنعنا من ان نقول أنَّ محمداً هو أبو احدٍ منّا، ولكن فُرِضَ علينا ان نقول انَّ زوجاته هنَّ امهاتنا، فواجبنا البّر بهنَّ، وبالأخص السيدة خديجة التي ما أحبَّ رسول الله (ص)أحداً كحبِّه لها، ولم يتزوج عليها أخرى حتّى ماتت فكانت المحبُّ الأوّل له، وكان يذكرها بعد وفاتها ويتصدق ويهدي لصديقاتها، ويقوم بإستقبالهنَّ مما فتحَ باب الغيرة من بعض زوجاته، فيقول لهن: «والله ما ابدلني اللهُ خيرًا منها، فقد كانت وكانت...»

فلنتذكر في هذهِ الأيام الوفاء لآل البيت النبوي الشريف وأن نعطي البّر والوفاء والمكانة لسيدة النساء، والمُبشرة بالجنّة والمربيَّة لمنهج البذل والعطاء.

الهوامش:

مفتي فلسطين في لبنان والشتات وعضو مؤسس في تجمع العلماء المسلمين.