علم نفس: كيف نتعرّف إلى أنفسنا (الحلقة الخامسة)

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم مستشار التحرير د. عصام الحاج علي العيتاوي

مقدّمة:

إذا أردت أن تعرف نفسك حقيقة، لا بد لك من الإلتفاتة إلى أمور كثيرة، تعمل فيها فكرك جاهداً دون ملل، متوجهاً ببصيرتك نحو واجب الوجود تعالى، سائلاً من أعماق قلبك أن يدلك على صراطه المستقيم، حتى تتأدى إليك أجوبة ما يدور في فلك معرفتك من تساؤلات، تشغل بالك في صحوة تطلعاتك إلى عالم الغيب، الذي لا يبعد عنك، فتحدثك نفسك عن ذاتها، وترشدك إلى ماهياتها، لتأنس معها كل ما سموت صاعداً تستخبر أنباء السماء فيلقى في رَوْعَك تعريفات ومفاهيم، تجعلك في سرور دائم، وغبطة تُحسد عليها من الآخرين، فتغرق في عشق يزداد عمقاً كلما تجلّت لك مكامن الحقّ بدءاً من معرفة انتماء نفسك التي بين جنبيك.

انتماؤها:

النفس: تنتمي إلى عالم النفس وليس إلى عِلمْ النفس، ومعرفتها تستدعي الإلمام بعالمها أولاً لا بعلمها، من حيث هي جوهر لا مادة، وما كان جوهراً يصعب بل يستحيل علمه؛ لأنه لا يقع تحت إطار التجربة، من أي جهة كان.

وعليه لا يمكن مع النفس المتمظهرة من خلال حركة الجسم، إلا التعرف إلى بعضها، لا كلها، لعدم إحاطة العقل الجزئي الممنوح لنا من قبل الباري تعالى. ولذلك فمن الأولى أن نقول عنها، إذا ما قصدنا تعريفها، بالمعرفة لا بالعلم، للفرق الحاصل المبين، ما بين العلم والمعرفة.

بين العلم والمعرفة: فالعلم هو إدراك الشيء من خلال مادته بواسطة التجربة، أما المعرفة فهي إدراك الشيء من خلال آثاره الدالة عليه.

عالم النفس: هو المكان الأول الذي أُبدعت فيه، وبالتحديد ما قبل المكان الذي انبعث منه، دون زمان ما قبل الزمان ساعة مشيئة الرحمن في جعلها مُنبعثة من العقل، في الزمن الأول عنده تعالى. لقوله سبحانه: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا{، وفي آية اخرى }وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا{».(1)

وهذا ما يقودنا إلى التفريق بين الفعلين خلق وجعل، لمعرفة التباين بينهما.

الخلق والجعل: الخلق هو إيجاد شيء من عدم وإبراز في الوجود، وهذه ميزة لا يستطيعها إلا الله جل جلاله، وما أكثر الدلائل عليها من خلق السموات والأرض وكل ما في الوجود. أما الجعل فهو إيجاد شيء من شيء آخر موجود.

وهنا تجدر الملاحظة حول الآيتين السابقتين (خلق منها ـ جعل منها)، ففي الأولى خلق منها فهي في تمام الكمال من حيث الخلق، الذي يختلف بين خلق الرجل (آدم)t، وخلق (حواء)، وفي الثانية جعل من النفس المخلوقة سابقاً خلقاً شبيهاً بالأول من حيث البيئة، مع ما رافق ذلك من فروقات بالتكوين بين الرجل والمرأة، الغاية استمرارية وجود الإنسان وتكاثره، بعد أن كان في المرة الأولى خلقاً ابداعياً من تراب ونفخ الروح فيه مباشرة وفي ما بعد جعله تكاثراً ذرياً من الأصلاب والترائب، بمشيئته جلَّ جلاله.

وهذه المعارف الربانية، أعلم الباري بها الأنبياء والرسل وأوصيائهم بها سلفاً، وميّزهم عمن سواهم في دقائقها مع الإحتفاظ بسِّر الروح من خاصته لقوله العزيز }وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً{(2). لكن أهل العلم علمهم اقتصر عليهم فقط أم انتقل إلى غيرهم، وتخصص به من تخصص منهم أوهبوا العلم أو زُقّْوه ُفطرة من فاطرهم جلَّ جلاله، فكان الأوصياء أعلم من غيرهم وتبعهم من بعدهم الأقرب فالأقرب ممن يجيدون استعمال العقل في مكانه، للوصول إلى مقاصدهم. فكان للفلاسفة والمفكرين دور في الحركة العلمية الروحية المعرفية بامتياز عمن سواهم. وحتى يكون الفيلسوف فيلسوفاً والمفكر مُفكراً لا بد من الإمتياز ببعض الأشياء منها:

الفلاسفة: كما يقال في التحليلات المنطقية الفلسفية، يتوجب على الفيلسوف حتى يكون فيلسوفياً أن يجيب على أسئلة ثلاثة كبرى تشغل بال الإنسانية قاطبة وهذا ما حدّده الإمام علي t، معرفة: من أين وفي أين وإلى أين، أو الذي يمكن التعبير عنه حديثاً معرفة الكون والحياة وما بعدها (الموت). على أن تكون الإجابة تحمل بين طياتها البُعد الأقرب إلى الفهم العام، أي لكل من أراد ذلك.

المفكرون: وهم أولئك الرجال والنساء الّذين غلبت عقولهم على شهواتهم، فنظروا إلى باطن الأمور كلها، ليستخلصوا منها العبر الدالة المتجددة دائماً على مرِّ العصور والأجيال، وبالتالي الّذين وصلوا إلى فن الإبداع والعطاء المميز في اقتباس العبر الدالة من كل موجود تقع عليه الحواس والتحليل العقلي وقوى الذوق السليمة، وواحدة تُغني عن الكل في تسلسل الأفكار واجادتها، والجمع يبرز المفكر الفذ عمن سواه، وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون، إيجابياً من بلوغ الإنسان إلى مستوى قد يصل في أحيان كثيرة، إلى درجة الملائكية بل أكثر من ذلك، بحسب قوة الارادة والعزيمة التي يتمتع بها صاحبها.

الثقافة: وحتى تكون العبارات السابقة ملتصقة بواقعها، لا بُدَّ من لفت النظر إلى نوع فهمها في التعاطي مع عالمْ النفس، وعلى سبيل المثال الفيلسوف الطبيب ابن سينا كانموذج متقدم، حينما تكلّم عن النفس وأراد التوسع في التعرف إليها، جعلها في عالمها العلوي، عالم الخلق الأول والزمن الأول والمكان الأول حيث لم يكن كما تقدم عند خلقها أو بعثها لا زمان ولا مكان بل كانت كلمة الله وحدها، التي لا تحتاج لما تقدم من شرط، إذ هو واضع الشروط والنواميس الحكيمة من لدنه جلَّ جلاله.

لذلك نرى ابن سينا يتحدث عن النفس في قصيدته المشهورة في عالمها الخاص الّذي يعتبره في المكان الأعلى. فيبدأ شعره قائلاً:

هبطت عليك من المحل الأرفع

ورقاء ذات تعزز وتمنّع

محجوبة على مُقلة كل ناظر

وهي التي سفرت ولم تتبرقع

والهبوط لا يكون عقلاً إلا من المكان الأعلى عقلاً، سواء كان موجوداً حسياً أو عقلياً، والعلو دائماً مثال للذين يريدون النظر إلى الأعالي، وقمة الجبل أعلى وأرفع ما فيه، وقمة العلم في معرفة خلق الله. وحجب النفس عن كل العيون هو سرها المكنون، وظهورها من خلال حركة الجسم يدلُّ عليها، ولا يمكن معرفتها أو التعرف إليها إلا من خلال هذا السفور، الذي لا يمكن منعه إلا بالموت فقط.

معرفتها: ولهذا يصعب معرفتها كلها، إلا لمن أحيط بمعرفتها من خالقها، أما في ما عدا ذلك فنسب متفاوتة، بين سائر العقول كلها، بلا هوية كمقدّمة لما بعد. عند من أَراد أن ينظر الى الوجود بما هو موجود وليس بما هو موروث، ففي الأولى بيان الحق والحقائق، وفي الثانية اثبات ما هو غير ثابت، تراث عريق كلٌ يدعيه لجانبه، حتى كادت تضيع الحقيقة بين أقلام الكاتبين، وخاصة منهم الذين يحملون اقلاماً ليست من جيوبهم تمول ولا لمصلحة الحقيقة تكتب.

وتعددت النظرات اليها (النفس) وحقيقة الأمر، عند كل من تعاطى بهذا الشان منذ ولادة الفكر في الحضارات السابقة، وما زالت حتى اليوم كذلك، ولعل الحياء العلمي من الارث والموروث ما زال حتى يومنا لم يتخلص من الرواسب القديمة والحواجز الموهومة وهذا ما يدعو بحد ذاته الى الجرأة الفكرية لمن يريد التعاطي بالشأن العقلي العام دون وجل.

ولعل هذا ما دعا الفيلسوف الالهي سقراط الى قول: اعرف نفسك بنفسك، الذي ما زال شعاراً مكتوباً على معهد دلفي في ايطاليا، لكل من اراد عيش الحرية مع الحق، والذي يعتبر دافعاً الى التخلص من كل من يريد أن يقيد الفكر عن الانطلاق في سماء حرية الرأي العالمي، وليس من الصدف أن يسجل رسول الانسانية كافة، وصاحب خاتم رسالات السماء مُحمّد (ص)، في المعنى نفسه، دافعاً وحافزاً لمعرفة رسالته حيث يقول: من عرف نفسه فقد عرف ربّه(3) مع ما يتضمن هذا الحديث الشريف من الدعوة الى اجادة فن استعمال العقل في التعاطي مع المخلوقات للتعرف على الخالق، إذ من الصعب الوصول الى العظيم مباشرة، فكانت النفس الغيب البعيدة عن الحاسة ووقوعها تحت الاطار العقلي بداية لتحريك عجلة العقل الجزئي في الاتجاه الاحادي لمعرفة العقل الكلي، مع الاعتراف سابقاً بعدم القدرة على ذلك لضيق إحاطة الجزئي بالكلي، لكنه في حده الادنى الأعلى، يبقى المفتاح الأصلي المخول بواسطته الدخول الى العالم الأولي، عالم الروحانيات المطلق، عالم الروح، عالم العقل وعالم النفس.

وكم كانت هذه الأشياء ان صح التعبير عنها بهذا اللفظ غير القابل للدلالة عليها سبباً لاتحاد المنهج العقلي كنهج لمعرفتها في آخر عمر الحضارة العربية الاسلامية مع فيلسوف العقل ابن رشد مُلهم الآخرين عرباً وغير عربٍ في الاعتماد على قوة العقل في الوصول الى معرفة القوة.

وبناء على قول الرسول (ص)،«من عرف نفسه فقد عرف ربه». فكيف نعرف أنفسنا؟ أو كيف نتعَّرف على أنفسنا، ونحن نعرف الكثير عن الطبيعة ومكوناتها، والمعارف الشخصية من الأخوة والرفاق والأصدقاء، وأسرار الكثير من المهن وأدواتها، إضافة إلى معرفة الأفراد والجماعات والتيارات السياسية والإجتماعية، وتقاليدهم وعاداتهم، بالإضافة إلى أصدقائنا الخُلَّص، ولا سيما الصداقة الحميمة، مروراً بعائلاتنا وأهل بيتنا بالخصوص إلى ما هنالك...

فهذه المعارف وغيرها المتعلق كل منها بفرع من العلوم والثقافات، حتى تصل معنا إلى درجة الخبرة والمرجعية في بعض العلوم، جراء التمعن والتعمق في ما ندرسه ونود الوصول إليه، والتي نوليها العناية الفائقة، أليس من الأمر البديهي أن نتعرّف أولاً بأول، على أقرب المخلوقات الينا، والتي لا حياة لنا دونها، ولإستمرار وجودنا عبر أجسامنا، وهي أَنفسنا التي بين جنبينا، فهل من العدل أن نعرف الكثير عن الغير ولا نعرف القليل عن حالنا؟. هذا ما سوف أتناوله من بعض المحاور المتعلقة بكل من الجسد والنفس، محاولاً التعريف بينهما من جهة، وبين الروح من جهة أخرى، حتى تتكامل الصورة، خاصة وأنَّه بات من الواضح في عصرنا اليوم، أنَّ الإنسان يتألف من ثلاثة أقسام «الجسد والروح والنفس».

وبما أنَّه في الأساس، أن الفرد في التقييم الأول لوجوده يمكن تقسيمه إلى جزءين، مادي (الجسد) ومعنوي (الروح + النفس)، وبما أنه لا يمكن له العيش إلا بواسطة المستلزمات الأولى للحياة، الغذاء والماء والهواء، وحيث أن الفرق واضح لامحالة، بين ما يسمى مادياً ومعنوياً من حيث شروط البقاء والاستمرار، لذلك فالمادي يحتاج إلى غذاء على شاكلته، والمعنوي يحتاج كذلك إلى ما يقيمه ويسير به إلى الأمام والتقدم والمعرفة على شاكلته. إذاً يمكن تقسيم الغذاء الأساس لكل من الجسد من جهة، والنفس من طريق آخر، والروح من جهة أخرى، لأن الروح، أولاً: ممنوحة من خالقها كاملة إلى الإنسان، وهي غير محتاجة إلى التغذية سواء المادية منها أو الروحية حتى تكتمل، لأنها هي النفخة الإلهية الكاملة الصادرة عنه تعالى وفاقاً للنّص القرآني المجيد، الذي جاء فيه تحت باب خلق الإنسان: }وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي{(4). وهذه النفخة هي أصل حياة الإنسان، مع ما يرافقها طبعاً، من سُنّة التكوين في أرحام الأمهات جراء عمليات التزاوج بين الجنسين المُختلفين، الذكر والأنثى، ولقد اقتضى هذا الشرح المفصل، بإعتباره أنَّ في بعض بلدان الغرب من يجّوز الزواج المثلي (ذكر من ذكر ـ أنثى من أنثى) وهذا مخالف لسُنّة استمرار النسل وبناء المجتمعات.

وعليه تبقى مسألة التغذية قائمة ما بين الجسم والنفس فقط، وإن كانت الروح ترتاح أكثر كلما قويت النفس، وتبقى الروح تمارس دورها في الحياة في كل منهما بحسب الفرصة الزمنية العُمُرية الممنوحة من قبل الباري تعالى، لكل فردٍ منّا في الدنيا. إذاً فالجسم بحاجة إلى الغذاء المادي، والمادة موجودة ضمن المواد المخلوقة في الأرض والهواء، والنفس بحاجة إلى الغذاء المعنوي المنّزل من السماء (الله) والتي تتصل به عن طريق الوحي للخاصة المختارين من قبل الله، لتبليغ تعاليمه الموحى بها والعمل كأوامر ونواهٍ، حتى تستقيم أمور الناس، وتسلم مجتمعاتهم من الفوضى والعبثية، ما يمكِّنهم من العيش بأمان وبسلام، وذلك يتمُّ بعدم اكراههم على الفعل، بل تركه المولى جلَّ جلاله، لكل إنسان وقراره الخاص واختياره يكون برضاه.

ما هي علّة وجودنا؟

هنا تكمن الفكرة الأساس من وجود الإنسان، على هذا الكوكب ضمن سلسلة (لامتناهية من المجرات والكواكب). حيث تقتصر معرفتنا على القليل من العلم عنها مهما علا شأننا العلمي، وأن سرَّ الوجود يكمن باستخلاف الإنسان في الأرض لقوله تعالى: }وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً{(5)، والخلافة خلافة نفسية قبل أن تكون جسمية، وهنا مدار البحث من علة اتصال النفس بجسمها فترة من الزمن ثم «تركها لكي يغتنم الإنسان هذه الفرصة، بتهذيب نفسه ويعلو بمكانها، حتى يصبح من عالم الملائكة، والمجال مفتوح له لأعلى من ذلك»(6) أي أعلى من الملائكة أنفسهم، كما جرى مع الإمام عليّ حين بات مكان النبيِّ مُحمّد (ص) ليلة الهجرة إلى المدينة، ومباهاة الله به الملائكة كما جاء في الرواية المعروفة، وكان أمره لكل من الملكين، ميكائيل وجبرائيل بالنزول إلى الأرض وحراسته من مكيدة قُريش، التي دُبرّت لقتل الرسول (ص)، ليهدر دمه بين أجبابها (7).

ومما جاء في القرآن الكريم: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{(8) فأحسن تقويم تستلزمه الصورة الحسنة، وهل في الوجود أحسن صورة من الإنسان؟ وهل في بقية مخلوقات الله من هو أفضل منه؟ فالحُسن في التقويم، إنه قائم منتصب ونفسه قابلة ومهيّأة للتعلم والاكتساب حتى لانهاية الدرجات العلمية، تبدأ أولاً بأول، حتى تصل في قمة معرفتها إلى العلوم الإلهية، وهي أول درجة العلوم الملائكية المُسبحين في السموات العلا، والقائمين بالتقديس لله تعالى، وذلك عندما يتعرّف الإنسان على المعرفة المُوحاة إلى الرسل والأنبياء عبر الوحي والإلهام المُنْزَل من السماء إلى الأرض، للتهذيب والعمل بمضمونه من أجل سلامة بناء النفس كما تقدم، وسلامة عودتها كما كانت في أولها مطمئنة، قادرة على فعل الكثير، وعمل الجميل، قبل مفارقتها للجسد بإذاقتها الموت، فترة من الزمن، حتى يأتي يوم الحساب الأخير. وهو ما يُعبّر عنه في جميع الأديان السماوية، بيوم المعاد. سواء آمنا به أو لم نؤمن، لكنه واقع لامحالة، وجميع المؤمنين به، يعملون من أجله ولبلوغه.

كيف نعرف أنفسنا؟

حتى لا يطول الكلام، سوف الفت النظر إلى بعض المسائل الأساسية في هذه الكيفية، مُختصراً إياها على مبادئ رئيسة، أقوم بشرحها في حلقة أخرى، أوجزها هنا بما يلي:

1ـ أن ننظر أولاّ إلى أحوال جسدنا منفرداً، تركيب بنيته، وأغلب ما يتعلق به من الصفات التي تميّزنا عن غيرنا شرط أن يكون خالياً من النفس أي (ميّتاً).

2ـ أن ننظر إلى أنفسنا وأجسامنا متحدين (أحياء)، وإلى الصفات التي تنسب إلينا، كيف نفكر، ماذا نلبس، ما هي طموحاتنا، كيف نعامل الغير وسائر الأمور اليومية الحياتية.

3ـ أن ننظر إلى أنفسنا، وهي مجردّة عن أجسامنا، وهذا ضمن إطار التصور والخيال، فنحدد علامات النقص فيها، وما كان يمكن أن ننجزه لو استعملنا عقولنا أكثر في تربيتها وتهذيبها، وبالتالي نركز عملنا على انطوائها تحت قيادة عقولنا، وعدم تركها قيادة أجسامنا إلى التهلكة والابتعاد عن طريق الرشد والصواب، أي مسألة تقييم أعمالنا التي سلفت.

4ـ أن نقيّم في البند (3) الفرصة التي منحنا إياها الله للعمل، فهل قمنا بالواجب، أم أننا أجّلنا الواجب ولم نفعله؟ وهل يحاسب الانسان من قبل خالقه، إلا على الإهمال؟ وهل من العدل أن يتركنا الله دون حساب، على ما أهملنا في جنب أنفسنا ومع الناس؟ }أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ{ (9).

وهذه الأمور الأساس، لا بُدَّ لها من معارف أخرى، تبلور جوهرها، وتدعو كل عاقل إلى معرفتها والعمل بموجبها، حتى لا نندم في آخر المطاف، عند الموت وانتهاء الفرصة الممنوحة لنا، والوقوع في الحسرة، التي لا مرَّد لها، لتعويض ما فاتنا، فنقع مع القائلين كما جاء في نص الآية الكريمة:} حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{(10). فمعرفة النفس تكون عبر حضَّها على المعرفة، الصحيحة، فإنه كلما ازددنا معرفة بأنفسنا، زادت معرفتنا بالله تعالى، وهي معرفة طردية، تتعمق عندنا، كلما عملنا على زيادتها. والعكس صحيح.

كيفية هذه المعرفة:

أولاً: أن تعلم «أن نفسك إذا فارقت الجسد الجسماني، والهيكل البشري، تصير ملكاً بالفعل، وترقى إلى عالم الروح والريحان، وجنات النعيم، وتنجو من العذاب المهين»(11). أكيد هذا مع شروط اتباع الحكمة والخير والعمل الدؤوب في مرضاة الله تعالى عن طريق التعاطي مع أنفسنا أولاً بما يكسب بها الرضى أولاً، ثم رضى الوالدين، الذي يكون عن طريق الإحسان إليهما عملاً بالآية الكريمة }حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{(12). ومن ثم التفاعل والتعامل مع الأخوة والعائلة والجيران والمجتمع. بما يأمر وينهى الله سبحانه من أوامر ونواه. وهذا هو الإسلام، الذي في حقيقته السلام بين البشرية عامة. عملاً بقول أمير المؤمنين الإمام علي t. الناس صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق(13). (وهذا من كتاب له لواليه مالك بن الحارث الأشتر النُخعي لمّا ولاه مِصر). فهذا يعني على كلتا الحالتين أن الناس أخوة شاؤوا أم أبوا، فكلهم من آدم وحواء، هذا من نظرة عامة. وإنّما في الخصوص، وكما جاء في القرآن الكريم }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم{(14). وهذا يعني أنّه كل من آمن بالله تعالى أنه ربٌ وإليه ترجع الأمور، وعليه فكل المؤمنين أخوة.

وأن تعرف نفسك: هي أن تتعرف على جسدك، بنيته، صورته المهيئة له وأن يدرك إنتصاب قامته، هي أجلّ أشكال عالم الحيوان وأحسن تقويم في الخلقة(15). بإعتبار أن الإنسان حيوان من حيث الجنس، وناطق من حيث النوع. فيقال عنه حيوان ناطق، وجاء في القرآن الكريم }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{(16). أي في أحسن صورة منذ خلقه كخليفةٍ لغيره، سواءً لأحياء كانوا قبله من الجن، أو خليفةٍ لله تعالى، ليقيم السُنن على نفسه أولاً، ومن ثم بين سائر أبنائه، الذين هم الناس. وقد جعل الله المصور، الخالق صورة الإنسان في أحسن صورة، على مرآة نفسه، بمعنى أن صورته لا يعتورها أي نقص، وهي كاملة منذ ان كان، لا كما يقال في العلوم الطبيعية، أو من خلال نظريات داروين ووالاس وما شابه. وقد جاء في الحديث: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه» ومن جهل نفسه فهو بربه أجهل، وعن طريق الحقِّ أعدل، وإلى سراط الباطل أميل.

أن نعرف أنفسنا معرفة حق، هي أن نعرف هذه البنية التي تقوم عليها أجسامنا، وأن نعلم يوماً أنّه بعد موتنا سنعود إلى حياةٍ أخرى (وهذا ما جاء في كل الأديان)، ومعناه أن نتعرف على معنى القيامة، وأن نكون على يقين بأن الله يعلم كل شاردة وواردة عندنا، ولا يخفى عليه شيء منا وأننا يوماً سنُحاسب على كل ما عملناه وفعلناه قصداً، وأنه سريع الحساب. كما من الواجب أن ندرك القوى التي توجد في داخل أجسامنا، وما هي المهام الموكلة بها، وأن نعلم أيضاً أن بداخلنا ملائكة موجودة، كقوة تسجل علينا، بالصوت والصورة، كُلَّ حركة نقوم بها، وكل همسة نتعاطاها مع أنفسنا، ومع غيرنا، إن كانت شراً أو خيراً، وأن الله يعلم ما في نوايانا وقلوبنا سواء جهرنا به أو لم نعلن. وفي القرآن الكريم جاء: }وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى{(17).

وأن نعلم أن الأمور العلمية والتعليمية درجات، وهي أول ما تبدأ بالأمور المحسوسة، وذوات الأشياء الملموسة، لذلك أول ما نبدأ به من الأعمال تجاه الله، هي الأعمال العملية، أي هيئة القضايا الدينية المأمورين بها من صلاة وصيام... وبعدها يأتي دور العلم الذي بواسطته نتعرّف على أعمالنا حتى ندركها كما هو الواجب. فإذا انتهينا من معرفة قاعدة المحسوس عن طريق العدد والرياضيات، ننتقل إلى معرفة المعقولات، ومن ثم الروحانيات، لنصل في النهاية إلى إدراك المجردات، وهنا تكمن الطاقات الفكرية. يعني ذلك وصولنا إلى معرفة البسائط، بعد علمنا بالطبيعيات المركبات.

وحيث أن السؤال كيف نعرف أنفسنا، واسع جداً فالإجابة عليه كذلك. لأجل هذا يلزمنا عدة حلقات في هذا الشأن حتى نستطيع إيفاء الموضوع حقه. وأكتفي هنا بهذا المقدار على أن يكون لي أكثر من حلقة أخرى في هذا المجال حتى يستوفي الموضوع حقه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

الهوامش:

(1) سورة النساء، آية 1. وسورة الأعراف، آية 189. وفي سورة الزمر، آية 6.

(2) سورة الاسراء، 17، آية 85.

(3) قوة العقل في الوصول الى معرفة القوة.

(4) سورة الحجر،آية 29.

(5) سورة البقرة، آية 30.

(6) الرسالة الواضحة، احمد بن عبد الوهاب بن اسماعيل جعفر الصادق، دار الاندلس، بيروت، ص 259.

(7) أجبابها: جمع أتى من الجب، وهو الفرع من العشيرة، وحتى العائلة الواحدة.

(8) سورة التين، آية 4.

(9) سورة المؤمنون، آية 115.

(10) سورة المؤمنون، آية 99 ـ 100.

(11) الرسالة الجامعة، ص 204.

(12) سورة الاسراء، آية 23.

(13) الامام علي، نهج البلاغة، ط2، شرح محمد عبده، دار الاندلس، بيروت، 1963، ص518.

(14) سورة الحجرات، آية 10.

(15) ا لرسالة الواضحة، ص 225.

(16) سورة التين، آية 4.

(17) سورة الاعراف، آية 172.