خواطر: رائحة الطين

15/11/2018
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم الأستاذ هيثم عفيف الغداف

استيقظ من نومه على صوت الرعد ونظر من حوله، لا شيء سوى أوراق الرواية مبعثرة على الأرض. تفكّر قليلاً وعاد وجال بناظريه يتفقد هذه الغرفة الصغيرة، أخذ أوراقه وأعاد ترتيبها. إنها السادسة صباحاً في الريف الانكليزي، خرج باكراً على غير عادته يحاكي نفسه، ليتها حقيقة وما أجملها.

عند محطة النقل البري، كل ما حوله يبعث على العجب، أسدل الستار على خياله واستقلَّ الحافلة لكنها لم تكن بانتظاره كما في كل صباح. انه يوم غير اعتيادي، تجري الأرصفة متسارعة للخلف، عبثاً كان يبحث بنظراته يمْنَةً ويُسْرَةً علّها تأتي، لكنه أبكر اليوم وتنطلق الحافلة ومعها الذكريات!.

عند مشارف العاصمة الانكليزية بكى ذكرياته وعاد الى الحلم، عاد الى حفنة التراب المبللة بعرق والده وترددت كلماته في ذهنه، وسأل نفسه، أين أنا اليوم من تلك الليالي؟ وأين عذب مرارة القرية؟ سؤال لم يغب عن باله لعقود من الزمن، ولم تخطفه ليالي أوروبا كما هي خطفت زيوس من ملك صور وارتحلت مع أمواج المتوسط الى القارة الشقراء. هي أوروبا، هي أمريكا، هي أستراليا، هي كلّها واحدة، هي مطلية بشعر مذهّب وعيون سماوية تجذبك اليها في ربيع العمر، فإن لم تصبك أصابت من فلذات أكبادك، فتصبح غافلاً عن أرض الجذور ويفاجئك خريف العمر يقبل عليك بالوديعة، ريعان شبابك وعُمُر أودعته طوعاً بالأمس القريب، على تلك الشواطئ المشرقية...

ترجّلَ وتابعَ الى مركز عمله، لكنه اليوم يبصر ويعي ولا وقت لديه إلاّ لكوب من القهوة يحتسيه واقفاً خلف هذا الزجاج يتأمل ويبحر برائحة القهوة، وكأن قدميه ما وطأت أرض الخضراء هذه، وكأن عمره لم يمرّ على هذا الدرب. ما باله في كل يوم؟ ما شأنه وشأني؟ يتعقّبني مع كل ومضة عين ويسألني ويلحّ في السؤال عن المشمش في تمّوز والكرز في آب، عن التفاح في تشرين، عن الزيتون، عن القمح، عن الحصاد، عن كل المواسم، عن القطاف، عن المعول، عن الجبل والوادي، عن النهر الجاري، عن قلب أبي يتجول في الكروم، وجبينه المتعرق تحت شعاع النور...

ويعصرُ قلبه ويحنُّ عشقاً وشغفاً لرائحة الطين المنبعث مع أولى القطرات في سهول الأجداد. حقّاً لهذه الرواية روح مشرقية قلبت فؤاده رأساً على عقب، فاستيقظت لها جوارحه كالشمس الى الشرق تُشرق من جديد.

في طريق العودة كانت في انتظاره، كما اعتاد واعتادت، فما ان صعد الى الحافلة حتى بادرته بالسّلام والاستفسار عن قطار الصباح. عن أي صباح يجيبها؟ فهو اليوم في دنيا ودّع حُبَّهُ فيها، أودعه بين أغصانها. يتنهد ويفكر وهو يُحَدِّقُ في سماء جذوره في عينيها الزرقاوين ويسترسل في خاطره ويقول في سرّه، كيف يَعصفُ ما في وجدانه في هذا الوجه الملائكي وكيف لها أن تفهم روايته وحلمه، في بلاد ليس فيها بيت عتيق، لا ترابه أرض الأجداد ولا سقفه سماء. بلادي، الشمعة فيها كمان وجلسة رومانسية حالمة دافئة، أعياد و أفراح. أمّا في قلب الشرق، فما زالت الشمعة تضاء خيراً من لعنة الظلام.

أجابها وسط ضوضاء أفكاره، وحُبّاً لها وخشية هجرانها وهو الذي اعتاد الصباح على شروقها والمغيب على فراشها...عزيزتي بتّ في سُبات عميق ...