عندما يكون الصالحون وحدهم القادة –(الحلقة الأولى)

15/12/2014
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم :د. يسري عبد الغني عبد الله(1)

قال الله تعالى:}وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ{ سورة الأنبياء، الآية 105.

الأرض ـ في النهاية ـ لا بد أن تسقط في أيدي أهل الإيمان الحقِّ، ولا بد أن يتقلب المؤمنون الصالحون في أحضانها!..

فالله (سبحانه وتعالى) لم يخلق الأرض لتبقى دائرة أبد الدهر في دولاب الدماء والظلم إلى الأبد.. وإنما خلقها لتسبح في نور الحرية، وفجر السعادة والسلام والحقَّ والخير والعدل.

مستحيل أن يستمر الظلام، ومستحيل أن يدوم حكم الطاغوت في الأرض، وأيضاً: مستحيل أن يظلَّ الإنسان غارقاً في الألم والعوز والحرمان، أجل.. لا يمكن أن يغفل الله عن الظالمين في أي مكان من الأرض، وإنما يؤخره ليوم معلوم، لساعة موقوتة لا يفلتون من قبضتها، أبداً .

فكأس النصر في نهاية المطاف يغفو على شفاه الصالحين الذين يعرفون الطريق إلى الخير والأمان والحبِّ والسلام..

 

نعم سوف يأتي اليوم الذي يهزم فيه أهل الظلم والتجبر والتكبر، لتقذفهم قوى الحقِّ والخير إلى المزابل المهترئة، وعندها سوف ينضوي العالم كله، تحت لواء الحكومة الإسلامية الواحدة، ذات الثقافة الواحدة، وذات الطابع الحضاري الواحد، بقيادة المنقذ البطل المخلص، الإمام القائد، صاحب العصر والزمان، الحجة المهدي، الذي يأمل كل أهل الإيمان والإخلاص بأن يعجّل المولى تعالى فرجه، ويجعل كل أهل الإيمان من أعوانه، وأنصاره، بحقِّ رسولنا محمد الهادي البشير(ص)، والإمام علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الجليلين الحسن والحسين، عليهم جميعاً أزكى السلام.

ونظرة واحدة، نلقيها معاً على ما يدور من حولنا، من كائنات، ومخلوقات، حية، وغير حية، تكشف لنا جلياً، عن أن كل شيء في هذا الكون الشاسع، قائم على أساس العدل، ولا يمكن له أن يعصي الله طرفة عين.

فالمجرات الكواكبية، تسبح الله في الفضاء الرحب، في أروع نظام، وأدقِّ قانون، وهي تسبح لله جلَّ علاه وتقدسه.

وكما في المجرات، كذلك في عالم الأحياء، أخذاً من الخلية، والنبات، والطير، وانتهاءً بالدواب، والحشرات، والأسماك، فهي لا تُعصي الله أبداً، مصداقاً لقوله تعالى: }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُون{ سورة النور، الآية 41، وكذلك قوله جل شأنه:
}
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً{سورة الإسراء، الآية 44.

فليس في الكون، ذرة واحدة، خارجة على النظام على وجه الإطلاق، وإنما كل الذرات، وكل الخلايا، وكل ما يجري في الطبيعة، قائم على الحساب، والدقة، والنظام، وذلك ضمن معادلات رياضية، غاية في الإتقان.

إذن: فالكون كله مطيع لله العليِّ القدير، ساجد له، يسبح بحمده.. والملائكة من خيفته! باستثناء الإنسان الذي يكون منه العاصي، ويكون منه المطيع، ومن أجل أن يستقيم نظام الكون، فلا بُدَّ أن يأتي يوم، يرجع الإنسان فيه إلى الله الخالق الأعظم، وإلى نظامه، مُنسجماً مع بقية الكائنات، على نور العدل، وهداية العدالة، وذلك اليوم، آت لا محالة!.

لا بد للأرض من أن يرثها عباد الله الصالحون في المستقبل القريب، أو البعيد، بإذن الله تعالى العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء.

لأنه من المستحيل أن تظلَّ الأرض، غارقة في حمامات الدم والقهر والظلم والذل، التي يزرعها الجلادون في كل مكان، ومن المستحيل أيضاً أن يظل الإنسان يدور دائماً وأبداً في دائرة العذاب والحرمان، بل لا بد للبشرية جمعاء أن تنعم في ظل الإسلام الدين الخاتم، بأحلامها وآمالها في حياة أفضل وأحسن، وتشرف على طرد الفاسدين والمفسدين في الأرض بنفسها، وهناك يعرف التالون غُبَّ ما أسس الأولون!.

وهذا القرآن المجيد ـ أمامنا ـ صريح في تأكيده على هذا الجانب بالذات، وذلك عندما أراد الله سبحانه، أن يخلق الإنسان، وأخبر الملائكة بالموضوع قائلاً: }إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة{سورة البقرة، الآية 30. فما كان من الملائكة إلا أن قالوا : }أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{ سورة البقرة، الآية 30.

ونستفيد من جواب الله جل شأنه، للملائكة: }إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{: إن الإنسان لا يمكن له أن يستمر في سفك الدماء في الأرض وإنما لا بد له من يوم يتوقف فيه سفك الدماء، وَيعُمَّ في أرجاء المعمورة الأرضية الخير، والسعادة، والنور، والحرية، والأمن والأمان..

وإلا فما معنى قوله تعالى: }إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{ إذ لو لم يكن هناك حد، لوقف الدماء، وإنهاء الظلم في الأرض، لما كان هناك موجب لجواب الله العلي القدير للملائكة، وعلى هذا، فإن إشكال الملائكة يبقى معلقاً بلا جواب..

إذن: فالذي نستفيد من قول الله عز وجل للملائكة: }إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{ هو أن الأرض يرثها الصالحون، وأن القائد المخلص، لا بد أن يظهر ولو بعد حين، فيّطهر الأرض من الفساد والظلم، ويملأها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً!..

والسؤال هو: كيف عرف الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض، ويسفك الدماء؟..

عرفوا من محورين: المحور الأول هو: أن الله سبحانه وتعالى، قال له:
}
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{ سورة ص، الآية 71 ـ 72.

وهنا أدرك الملائكة أن هذا المخلوق، مؤلف من قبضة من الطين، ونفخة من روح الله الخالق الأعظم، فهو إذن، يختلف عن جنس الملائكة، وكذلك يختلف عن جنس الحيوانات.. فالملائكة لا غرائز لها، وإنما هي مخلوقات محدودة الثقافة والمعلومات، بدليل قولهم:
}
قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{ سورة البقرة، الآية 32. فالملائكة لا علم لهم إلا ما علّمهم المولى جلَّ علاه، أي أن علمهم محدود، بأبعاد معينة.

أما الحيوانات، فقد كانت، تسير مشدودة إلى غرائزها، فهي لا تعقل، ولا تفكر..

ولكن هذا المخلوق الجديد، الذي إسمه الإنسان هذا هو وحده الذي يملك قدرة الملائكة، وقدرة الحيوان، فهو لديه الغرائز التي مبعثها قبضة الطين، وكذلك لديه العقل، والفكر، اللذان منبعهما نفخة الروح.. ولأنه مؤلف من غرائز مادية، ومعنويات روحية، فلا بد له من الصراع بين الغريزة والعقل من جهة، وبين الشهوة والروح من جهة ثانية، وكنتيجة طبيعية: تتحكم الشهوة، ببعض، ويتحكم العقل ببعض آخر، ويحدث صراع جديد بين أصحاب الشهوات، وأصحاب العقول، ولا بد أن يتبع الصراع سفك الدماء.

هذا، الشريط التطابقي مرَّ في رؤوس الملائكة، حين قال لهم: }إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِين{، والطين منبع الغرائز والشهوات، }فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{، والروح منبع العقل والفكر، من أجل هذا استحق الإنسان السجود من الملائكة، والتكريم من الله عز وجل، حيث سجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين.

على أن السجود حدث بعد أن دخلت نفخة من روح الله في الإنسان.. }فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{.

أما قبل التسوية الروحية، فلم يكن الإنسان أهلاً لهذا السجود الملائكي، وذلك: لأنه كان مجرد جسد مطروح على الأرض.. وهو بعد ذلك كتلة من الغرائز والشهوات الملتهبة!.

ومن هنا أدركت الملائكة عمق المأساة التي سيفجرها الإنسان في المعمورة الأرضية، ولذلك طرحوا السؤال التالي: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء..؟، وجاء الجواب في حزم: إني أعلم ما لا تعلمون..

والمحور الثاني: هو أن الملائكة عرفت بفساد الإنسان، لأنَّ الله جلَّ عُلاه خلق قبل آدم هذا ألف آدم كما تقول الروايات، والأحاديث عن أهل البيت (عليهم رضوان الله أجمعين)، والله أعلم وهو القادرعلى كل شيء..

والله تعالى ولي التوفيق

الهوامش:

باحث وخبير في التراث الثقافي