جبيل... بعيني اليزابيت سميث

29/9/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم : محمود الأحمدية (1)

جارتنا في مدينة جبيل، حي مار يوسف. اقامت في منزل حجري قديم منذ عام 1967 كمندوبة لمتحف باريس. عشقت لبنان بشكل عام وجبيل بشكل خاص. كانت تنقل لي ولفضيلة الشيخ غسّان اللقيس همومها عن البيئة في جبيل ونظرتها للنظافة والبيئة والرفق بالحيوان. لم تشأ أن تترك جبيل منذ عامين إلا بكتاب عن لبنان تحت عنوان:« من شباك لبناني.. رسائل إلى لبنان » عدد صفحاته 152. تبدأ من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة وأنت مأخوذ بجمال لبنان ومستقبله السياحيّ. كتب الأستاذ محمود الأحمدية في صحيفة «البلد»عنها وعن هذا الكتاب ما يلي:

اليزابيت الإسكوتلندية تصف الوطن وجمالات الوطن بلغة هي نتف من القلب وجزء من الروح وعاطفة تنبض صدقاً وأريحية، من عنوانه تتراءى لك الصور بأبهى حلتها، وبرشاقة تحسُّ من خلالها بأنها بنت البلد ولم تأت من إسكوتلندا. عام 1967 إختارت اليزابيت جبيل مكان إقامة لها، وسكنت بيتاً جميلاً يطلُّ على البحر، ومن خلال الكتاب تتحدث عن مشاركتها عام 1997 في مسابقة جائزة إذاعة «بي.بي.سي» الإنكليزية في موضوع عام: «مشيتي الصباحية في بيبلوس».

وفازت بالجائزة الأولى على مئات المنافسين العرب الذين شاركوا في هذا الموضوع، ممّا شجعها على التفكير بإصدار كتاب يختصر حبها للبنان عموماً وجبيل خصوصاً… وحسب ما جاء في كتابها تقول اليزابيت: في الصباح وقبل أن أنطلق في رحلتي الصباحية أتأمل البحر وأمتع نظري بشارع «الشبابيك الزرق» وبساتين الموز، وأمر على الأبنية التاريخية فتتراءى لي الحقبات التاريخية التي مرت بها بيبلوس، كلّ حائط يتكلم، كلّ حجر في كلّ حائط يتكلم. هنا مرّ الفينيقيون والعرب والرومان والصليبيون وكلّ فترة يختصرها حائط، بوابة حديد، عامود وهيكل حجري.

تتخيل وأنت تقرأ بأنّ الأمم التي مرت يختصرها شارع، ولن أعقب بحرقة ومرارة كلبناني يرى البلادة والبرودة والعقلية المتحجرة تسكن أروقة الوزارات المتعاقبة، فالرؤيا السياحية مفقودة وإستثمار ما نملك ولا يملكه الآخرون مفقود. والخيال الواسع الرحب مفقود، تتخيل اليزابيت بعقليتها الأوروبية المنفتحة وبثقافتها الواسعة، تضع النقاط على الحروف وكأنها تعلمنا كيف نحب وطننا وتاريخ وطننا وعزة وطننا... إسكوتلندية صحيح ولكنها لبنانية أكثر…

هنا كمقطع في الكتاب أخذني بسحره وقالت فيه بالحرف الواحد:«سعيدة أنا في بيتي، أتأمل قرص الشمس يتسلل في البحر كالخشوع والصلاة»… سيدة إسكوتلندية تتكلم بكلّ صراحة بأنها عانت كلّ الحروب اللبنانية، وعانت اللحظات الصعبة التي مرّ فيها اللبنانيون، وعانت الفترة السورية وعاصرت حرب تموز/ يوليو 2006 وكانت تتابع بحسرة وألم وعذاب سقوط الرؤيويين حسب تعبيرها وإغتيال الأدباء والمفكرين والمسؤولين، وتذكر بفخر وإعتزاز بأنّ السفارة البريطانية أرسلت لها مندوباً وإتصلت بها بعد ذلك للترحيل الى بلادها مثل أكثرية الأجانب الذين كانوا يسكنون لبنان، وذلك أثناء حرب تموز / يوليو وكان جوابها قاطعاً وبإيمان كامل: لن أرحل، سأبقى حيث الشمس تتمنى أن تبقى في سمائه وترحل حزينة كلّ يوم ولا تصدق متى تعود فتشرق من جديد على بلد الجمال، سأبقى حيث القمر الواسع يتربع كبد السماء ليلاً وينعكس تلألؤاً على صفحة البحر الأبيض المتوسط، سأبقى حيث شباك بيتي الأزرق وساحة الورد والحجر العتيق يمنعونني بشدة لمجرد التفكير بالرحيل.

إنها رسائل حب الى اللبنانيين كلّ اللبنانيين من شباك بيتها… حبذا لو قرأ شعبنا هذا الكتاب لأحب لبنان أكثر ولكان لبنانياً أكثر، حبذا لو تعلقنا بوطننا بعشر ما تعلقت به اليزابيت لكنّا في موقع آخر ومساحة آخرى ووطن آخر… فكرة طرأت على خاطري هي أشبه بنوع من الفانتازيا أو الحلم الوردي: ماذا لو أنّ لبنان بأربعة ملايينه إنقلب الى أربعة ملايين اليزابيت! أترك هذه الصورة الحلم للقارىء العزيز كي يتخيل هذا الـ «لبنان» الحلم.

 

الهوامش:

(1) عن صحيفة «البلد» الصادرة في يوم الأربعاء 22/7/2015م.