مكوّنات التلقيّ الأدبيّ

15/12/2014
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم: البروفيسور عاطف حميد عوّاد

(الحلقة الأخيرة)

فولفجانج إيزر وفينومينولوجيا القراءة:

بالانتقال إلى القطب الثاني في نظرية التلقي فولفجانج إيزر سنجده يتكئ على خلفيةٍ فلسفيةٍ تتمثَّلُ بأعمال الفيلسوف الظاهراتي رومان انغاردن كما أشرنا ـ سابقاً ـ وسنحاول في سبيل المعرفة بطريقة قراءة إيزر للنَّص وضع مجموعة محاور للتفاعل مع مفهوماته للقراءة النقدية، ولكن قبل ذلك لا بُدَّ لنا من الإشارة إلى زاوية الاختلاف بين عملي ياوس وإيزر فـ «على حين صَبَّتْ اهتمامات «ياوس» بالتلقي في حقل تاريخ الأدب، فقد انصبَّ عملُ إيزر على تحليل الأعمال الفردية وتفسيرها والتنظير لدينامية القراءة وكيفية تكوين المعنى لدى القارئ»(1)، فالقارئ والنَّص وعملية القراءة هي العناصر التي استحوذت على اهتمام إيزر، وما دام الأمر كذلك فإنَّ «التفاعل» بين الحدين كان الأمر الاستراتيجي لدى إيزر فـ «نقطة البدء في نظرية فولفجانج إيزر الجمالية هي تلك العلاقة الديالكتيكية التي تجمع بين النَّص والقارئ وتقومُ على جدلية التفاعل بينهما في ضوء استراتيجيات عدة «(2)، ومن هنا أشاح إيزر النظر عن المؤلِّف وحده أو القارئ وحده في بناء عملية القراءة ذلك أنَّ أيَّ «تركيز على أدوات المؤلِّف الإبداعية وحدها أو سيكولوجية القارئ (...) وحدها لن يمدّانا إلاّ بالقليل عن عملية القراءة ذاتها والتي تقومُ في أساسها على جدلية التفاعل بين النَّص والقارئ «(3)، ومن هنا يتوقف إنتاج النَّص وتشكيل المعنى والدلالة على آلية التفاعل والتداخل بين النَّص والقارئ:« وعموماً ففي الأعمال الأدبية تنتقلُ الرسالة في اتجاهين، فالقارئ «يتلقاها» بواسطة «تأليفها»، ولا توجد شيفرة عامة، وفي أحسن الأحوال يمكن القول أنَّ الشفرة تظهر أثناء عملية القراءة التي ينتج عنها في النهاية إيقاظٌ لوعي واستجابة القارئ، وهكذا تدفع القراءة بالعمل الأدبي لكي يكشفَ عن شخصيته الديناميكية «(4).

إنَّ إعادة الاعتبار إلى التفاعل والحوار في قراءة إيزر ليس معناها إلا إعادة الاعتبار لخاصية الحوار التي تترتب عليها أن يمنح كلُّ طرفٍ ذاته للآخر، ففي الحوار غالباً ما يتنازل كلُّ طرفٍ عن إيديولوجيته وينصت للطرف الآخر، ليتكشَّف المعنى وطريقة كلِّ طرفٍ في الوجود والحياة، وتبرز في قراءة إيزر عدة محاور أو نقاط استراتيجية تشكِّلُ من هذه القراءة «استراتيجية» للكشف عن المعنى في النَّصِّ الأدبي، وهذه العناصر هي التي تتحقَّق بها القراءة التفاعلية، وسوف نتوقف بداية عند مفهوم:

أ ـ رصيد النَّص:

فماذا يُقصد بهذا المفهوم في فينومينولوجيا القراءة النَّصية لدى إيزر؟

يُشـيرُ الباحث محمود العشيري إلى أن مفهوم «رصيد النّص» يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ مفهوم «أفق التوقع» لدى ياوس، «فهو مفهوم أقرب إلى مفهوم «أفق التوقعات» عند «ياوس» إذ يتضمن معايير اجتماعية وثقافية وتقاليد أدبية وقيماً جمالية «(5)، إنَّ «رصيد النَّص» هو الرأسمال الذي بحوزته، حيث يسمح بإحداث التواصل، فالنَّص الأدبي ومهما كان نوعه وشكلانيته فإنَّهُ ليس منبتَ الجذور عن الفضاء الثقافي الذي نشأ فيه وتكوّن، ولهذا فهو يمنح القارئ بعض الجسور للتواصل معه، فأعراف النوع الذي ينتمي إليه النَّص وتقاليد الكتابة في نوعٍ محدّد، وطبيعة الكتابة الشعرية أو النثرية هي التي تشكِّل «الرصيد» الذي يخلق لدى القارئ تنبهات للبدء بعملية التواصل والتفاعل، ولهذا يقول إيزر: «يجتمع النّصُّ والقارئ معاً في موقفٍ يتعيّن على كُلٍّ منهما «لإدراكه»؛ ولكي ينجح التواصل الأدبي فلا بُدَّ أنْ يأتي معه بكلِّ العناصر اللازمة لبناء الموقف، فهذا ليس لـه وجود خارج العمل الأدبي «(6)، وبقولِ آخر، فإنَّ كلاً من النَّص والقارئ هما اللذان يخلقان التواصل من خلال «الموقف» الذي يتشكَّل عبر «رصيد النَّص»، لكننا يمكن أن ننحت مفهوماً مقابلاً لـ «رصيد النَّص» وهو «رصيد القارئ»، فمهما كان رصيد النَّص ثرياً وموجهاً للتلقي، فالقارئ الذي يخلو من معرفةٍ بهذا الرصيد لن يتفاعل مع النَّص، هكذا يقتربُ مفهوم «رصيد النَّص» و «رصيد القارئ» من مفهوم «أفق التوقع» لدى ياوس، وبناء على ذلك، فإنَّ مفهوم «الرصيد» يكون بمنزلة القنطرة بين النَّص والقارئ، إذ «يتيح تحديد الرصيد نقطة التقاء بين النَّص والقارئ «(7)، تبدأ بعدها فعالية القراءة في إنجاز حوارٍ ثري بين الحدين، إنَّ رصيدي «النَّص» و «القارئ» يؤسسان ما نسميه بعرف القراءة الذي يتوقف عليه الحوار والتفاعل بين كائني القراءة النقدية: القارئ والنَّص، إنَّ الجهاز النقدي الذي يتبعه إيزر يتوزّع بين النَّص والقارئ، ومن عناصر هذا الجهاز أيضاً مفهومُ:

ب ـ الفراغات:

«فراغات» النَّص أو البقع البيضاء في النَّصِّ هي المصطلح الأكثر أهمية الذي يندرج في فعل القراءة بين القارئ والنَّص، وكما أشرنا أنَّ «الفراغات» هي من رأسمال النَّص التي تُمسك بالقارئ، وتساعدُهُ على التواصل مع النَّص، بيد أنَّ هذا المفهوم لم يأتِ إلا بالاتكاء على فلسفة رومان انغاردن حول العمل الفني، فالفيلسوف الظاهراتي طرح مفهوم «عدم التحديد» أو «المواضع اللامحددة» في النَّص الأدبي، يقول إنغاردن حول هذه الخصيصة في النَّص الأدبي:« إنَّ السمة المميزة لكلِّ عملٍ فنيٍّ من أي نوعٍ كانت هي أنَّهُ ليس من صنفِ الشيء الذي يكون محدداً تماماً من كُلِّ جهة بواسطة مستوى أولى من كيفياته المتنوعة، وهذا يعني بعبارةٍ أخرى أنَّ العمل الفني ينطوي على فجوات Lacanae مميزة لـه تدخل في تعريفه، أي على مواضع من اللا تحدد Aveas(sposts) findetermina، إنَّهُ إبداع تخطيطي، وعلاوة على ذلك، فإنَّ كل تحديداته ومكوناته أو كيفياته تكون في حالةِ تحقّقٍ فعليٍّ، ولكن بعضاً منها تكون كامنة فقط، ويترتب على هذا، أنَّ العمل الفني يتطلب عاملاً آخر يوجد خارج ذاته، وهو الشخص الملاحظ، كي يجعله ـ وفقاً لتعبيري الخاص ـ عيانياً Concrete»(8).

ونفهم من هذا المقطع أنَّ العمل الفني عبارة عن فضاء يتضمن فجوات وبياضات وتمزقات أو «مواضع من اللا تحدد»، وهذه المناطق البيضاء هي التي تحفّز القارئ على ملئها، ليكتمل الفضاء النَّصي ويتعيَّن بلغةِ انغاردن، وفي واقع الحال فإنّ إيزر يختارُ اسماً مغايراً فحسب لمناطق اللا تحدد المذكورة لدى إنغاردن ويطلق عليها اسم «الفراغات» التي تقوم بدور الاتصال، لكن كيف ينظر أو يعرّف إيزر هذه «الفراغات» أو «الفجوات»؟

قلنا إنّ إيزر يتكئ كثيراً على إنغاردن في صياغة هذا المفهوم لكنه يمنحه خصوصية نقدية، إذ يدرج إيزر هذا المفهوم ضمن مفهوم أوسع وهو «الإبهام النَّصي» ويعرِّفه على النحو الآتي:« وينشأ الإبهام من الوظيفة التواصلية للأدب، وبما أنَّ هذه الوظيفة تؤدَّى عن طريق التحديدات المتبلورة في النَّصِّ فإنَّ الإبهامات الناتجة عن النَّصِّ المتبلور لا يمكن أن تكون بلا بنية، وهناك في الحقيقة بنيتان أساسيتان للإبهام في النَّصِّ وهما الفراغات والنقائض، وهي شروط أساسية للتواصل لأنها تثير التفاعل الذي يحدث بين النص والقارئ وتتحكم فيه إلى حدٍّ ما أيضاً» (9).

إنَّ الذي نفهمه من كلام فولفجانج إيزر هو الإشارة إلى الوظيفة التي تقومُ بها «الفراغات» و «النقائض» كمناطق غير محددة، ويعرِّف إيزر «الفراغ» بالقول:« أمَّا الفراغ فيشير إلى مساحةٍ فارغة في النسق الكلي للنَّص يؤدّي ملؤها إلى تفاعل الأنماط النَّصية، بعبارةٍ أخرى فالحاجة للإكمال في هذا الصدد تحلُّ محلّها الحاجة للربط، ولا يبدأ الشيء الخيالي في التبلور إلاّ حين يتم ربط مخططات النَّص كل بالآخر، والفراغات هي التي تقومُ بعملية الربط هذه، فهي تدلُّ على ضرورة الربط بين مقاطع النَّص على اختلافها، ولو أنَّ النَّص نفسه لا يقول ذلك، وهي بمثابة مفاصل غير مرئية للنَّص، وكما تميز المخططات والرؤى النصية عن بعضها البعض فهي في الوقت نفسه تطلقُ عمليات تصور في ذهن القارئ، وبالتالي فحين ترتبط المخططات والرؤى معاً «تختفي» الفراغات «(10).

هكذا نجد إنَّ لا اختلاف بين مفهومي إنغاردن وإيزر، والفرق الوحيد أنَّ إيزر يدفع بمفهوم إنغاردن إلى أقصى درجات الإجراء في القراءة النقدية، يتبدى لنا الفراغ من خلال حديث إيزر أنَّ «النَّص الأدبي» يقول أشياء ويسكت عن أشياء، هذا المسكوت عنه هو الذي يُمثِّلُ الفراغات النَّصية أو الدلالية التي تؤدّي دوراً خطيراً في إنتاج النَّص وتعيينه، وبمعنى آخر فإن بناء الفضاء الدلالي يتوقف على الكشف عن المسكوت الثاوي في فراغات النَّص، وهذا يعني أنَّ «الفراغات» تشكّل مواقع استراتيجية للتواصل مع النَّص، وبالتالي للحوار معه، وعلى هذا يرى إيزر أنه بظهور الفراغات وتواجدها تعزر درجات الاتصال مع النَّص الأدبي، حيث يرى أنَّ الفراغ يعمل كشرطٍ ابتدائي للاتصال»(11)، وفضلاً عن هذا الشرط الأساسي للاتصال بين القارئ والنَّص الذي يقومُ به الفراغ النَّصي، فإنه يؤدِّي وظيفة أخرى، فحين يتمُّ استكمال التمزقات الدلالية نتيجة الفراغات المنسية والمقصودة في النَّص، يعودُ النَّصُّ إلى تماسكه الدلالي، وهذه الفراغات لا تشكل عيباً بقدر ما تضفي القوة والتماسك، ذلك أنَّ اللغة الأدبية وعلى عكس اللغة اليومية لا تشتغل وفق قوانين الثانية، أي اللغة اليومية التي تخلو على نحوٍ عام من هذه الفراغات المتزايدة في النَّصِّ الأدبي، التي ينبغي ألاّ نأخذها:« كعيبٍ، بل إشارة إلى أنَّ المخططات النَّصية يجب أن ترتبطَ فيما بينها باعتبار أنَّ هذا هو السبيلُ الوحيد لتكوين سياقٍ يضفي على النَّص تماسكاً ويعطي للتماسك معنى «(12)،

وبهذا الشكل يؤدّي «الفراغ» في النَّص دوراً بانياً وتواصلياً على صعيد القارئ.

ويُدْرجُ إيزر فضلاً عن مفهومي «الفراغ» و «رصيد النَّص» مفهوماً أكثر خطورةً فيما يتعلق بالقارئ الذي يقومُ بفعل القراءة، ويتمثَّل هذا المفهوم بـ «وجهة النظر الجوالة»

وجهة النظر الجوالة:

إنَّ «وجهة النظر الجوالة» أو المتجولة تلخص لنا عملية إدراك القارئ للنَّصِّ، وتشيرُ وجهة النظر الجوالة إلى أنَّ القارئ لا يدرك النَّص دفعةً واحدةً، فمسار الفهم في الواقع في تقدّم وتراجع، أمام وخلف، وهذا يعني أنَّ القارئ في قراءته للنَّص، بقصد الفهم، فإنما يُعدِّل فهمه عن طريق استجلاب المعلومات واسترجاعها، وهذه الوسيلة يطلق عليها إيزر وجهة النظر الجوالةwandering vieupoint حيث يقول فيها:« إنَّ وجهة النظر الشاردة هي أداةٌ لوصف الطريقة التي يمثل بها القارئ في النَّصِّ، وهذا المثول عند نقطة تلتقي عندها الذاكرة بالتوقع، وتؤدي الحركة الجدلية الناتجة إلى تعديل مستمر للذاكرة وتعقيد مطرد للتوقع «(13)، فوجهة النظر الجوالة التي يتولاها القارئ في التعرُّف على النَّصِّ تسمح لـه بتقليب وجهات النظر المبثوثة في النَّصِّ والتوصيل بين الفراغات والمقارنة بين المقاطع النَّصية إلى حدًّ أنَّ وجهة النظر الجوالة «تسمحُ للقارئ بالسياحة في النَّصِّ فيكشف تعددية وجهات النظر المتداخلة التي تبرز كلما حَدَثَ تحول من وجهة نظرٍ لأخرى «(14)، وبمعنى آخر فإنَّ وجهة النظر الجوالة حين تسوح في مجال النَّص فإنَّها لا تعضد وجهة نظر ضد أخرى بقدر ما تحاول تعديل مضمون النَّصّ ومحتواه الدلالي، وهذه السمة البارزة التي تؤدِّيها وجهة النظر الجوالة في قراءة النَّص هي التي تخلق للقارئ مكاناً في النَّص لكي يُقارنَ بين وجهات النظر الكائنة في النَّص، ومكان القارئ «لا يتحدد إلاّ من خلال الربط بين هذه الرؤى، إلاّ أنَّ عملية الربط غير ممكنة إلاّ من خلال التعديلات المحتفظ بها في لحظات القراءة وتوضّحها عملية تركيز الضوء«(15).

هذان باختصار نموذجان للقراءة النقدية في إطار نظرية التلقي، والنموذجان يلقيان الكثير من الضوء على فعل، عملية قراءة النَّص الأدبي، وما يُثيرُ في هذه النظرية أنها حاولت بجديةٍ أن تستعيد قيمة المعنى في النَّص الأدبي بالاتكاء على التقاليد الألمانية في حقل الهرمنيوطيقا والظاهراتية، فإذا كان ياوس قد لجأ إلى الهرمنيوطيقا لدراسة علاقة الأدب بالتاريخ في إطار عامٍ، فإنَّ إيزر صبَّ اهتمامه على القراءة النصية الذاتية، وفي كلا المقاربتين نجد أنَّ نظرية التلقي قالت بمبدأ التفاعل والحوار بين القارئ والنَّص، فهذا المبدأ ـ مبدأ الحوار ـ هو الذي يتيح أنْ يقول النَّص ما عنده وكذا القارئ، وهذا ما كان يقصده هانس جورج غادامير حين أشار إلى انصهار الآفاق، فالحوار لا يكون حواراً إلاّ حين يكون هناك ما يقوله القارئ للنَّصِّ، وما يقوله النَّص للقارئ ذلك أنَّ «الطريقة الوحيدة التي تبلغ بها إمكانية التحدث مع بعضنا بعضاً، هي أنْ يكون لدينا شيء لنقوله لبعضنا بعضاً «(16)، فهذا الإصرار من جانب المنظرين ياوس وإيزر على الجانب الديالكتيكي ـ الحواري بين القارئ والنَّص يكمن في إزالة حالة الاغتراب بين النَّص والقارئ، ومن خلال ذلك يتقدَّم الماضي نحو حاضر القارئ، وفي الوقت ذاته يمضي الحاضر إلى الماضي في علاقةٍ جدلية تمتلئ بالمعنى.

ثانياً: الخاتمة

تأتي الخاتمة لترصدَ للقارئ ـ الباحث نتائج الدِّراسة المترتبة على معالجة الدراسة، وفي هذا الإطار نرى أنَّ الذي يسم مكونات التَّلقي الأدبي يتجلى في تلك العلاقة الجدلية بين المكوِّنات الثلاثة، بمعنى أنَّ وجودَ أحدها يتوقف على الآخر في علاقةٍ تفاعليةٍ مثيرة من تقدُّم القارئ نحو النَّص وتقدُّم الأخير نحو القارئ؛ لينهض فعل القراءة.

وتكشف قراءة المكوِّن الأول: النَّصّ عن ضرورته القصوى لإنجاز العملية التواصلية، فالأثر الجمالي الذي يبثه نحو القارئ، هو الذي يُثيرُ القارئ ويستفزه للسقوط في فضاء القراءة، وتبرزُ أهمية النَّص في كونه جهازاً يُعيدُ توزيع اللغة رابطاً بين دلالات اللغة قديماً وحديثاً، وهو بهذا التوزيع والربط بين عالم المفردة قديماً وعالمها حديثاً فإنما يتسم بالإنتاجية والتمعني والتناص، وبذلك يغدو النَّص ليس مجرّد حفنةً من العلامات الموزّعة على فضاء البياض، وإنَّما كائناً ينهض من الماضي ليتحدث إلينا، ومن هنا ضرورة القارئ الذي ينبغي أنْ يجيبَ على أسئلة النَّص، إنَّ أسئلة النص ترتبطُ على نحوٍ وثيقٍ بالأسرار التي تكتنفه، فالنَّص القادر على إخفاء أسراره البنائية والدلالية هو القادر على طرح الأسئلة، وهو لن يكون سوى النَّص المفتوح ـ المكتوب.

وعلى صعيد قراءة المستوى الثاني وجدنا الناقد الألماني يميز بين ثلاثة مستويات من القارئ يسميها القارئ الضمني، الحقيقي، المثالي، وإذا كان من الاستحالة الحديث عن القارئ المثالي، نظراً لأن النَّص كائن تاريخي ومثله القارئ، فلا يمكن بحالٍ الكلام عن قارئٍ استوعب معنى النَّص على نحوٍ محكم، عندئذٍ يبقى القارئ الضمني والآخر الحقيقي، والعلاقة بينهما أنَّ القارئ الحقيقي ليس سوى التجسيد الواقعي والفعلي للقارئ الضمني، ومِنْ ثَمَّ فالقارئ الضمني ليس سوى القارئ الحقيقي في حال الإمكان والوجود بالقوة.

ونأتي أخيراً إلى المكوِّن الثالث وهو القراءة، وعلى هذا الصعيد وجدنا أنَّ جمالية التلقي قد رسخت على نحو عتيدٍ التفاعل بين النَّص والقارئ، وقد تحوَّل هذا التفاعل إلى واقعٍ حيٍّ من خلال الجهاز المفهومي الذي استخدمه كلٌّ من ياوس وإيزر، فالقراءة مهما كانت متفاعلة، متحاورة مع النَّص، فهي تحتاجُ إلى أدوات إجرائية تقترب بها من النَّص في محاولة لفهم مستوياته الجمالية والدلالية.