اللون الأخضر تاريخه، أشكاله، شخصيّة محبيه

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

إعداد الدكتور قيس غوش

في مناجاة لطيفة لفصل الربيع، قال أحد المحبين وقد هاجت به الذكريات:

«أيَها الربيع! لست أجمل من حبيبتي، فإنّ خضرة عينيها قد هدَأتا من روعي وقلبي، وحمرة وجنتيها هيَجتا غرامي، وصفرة جيدها قد بهرت عينيّ. إنّها أرقَ من خضرة نرجسك، وأجرأ من صفرة أزهارك الأقحوانيّة وأصفى من زرقة سمائك المليئة بالطيور. حبيبتي حبّها هادئ كلونها الزاهيّ، ولكنَّ حبّي لها ثائرٌ كوردك الأحمر ذي الأشواك».

يبدو أنّ المحبّ كان على دراية بألوان الطيف الشمسي السبعة التي تندرج من الأحمر إلى البنفسجي، والتي يتوسّطها الأخضر...

وبين الأزرق والأصفر يأتي اللون الأخضر محصّلة تزاوجهما اللونيّ، غير أنّه يدخل مع الأحمر في لعبة التناوب الرمزي: تزهر الوردة الحمراء بين الأوراق الخضراء.

الأخضر قيمةٌ معتدلةٌ، وسطيّةٌ بين الساخن والبارد، والعالي والهابط، إنّه لونٌ مسكّن، منعشٌ وإنسانيّ. هو لون الأمل، القوّة، العمر المديد. إنّه لون الخلود الذي ترمز إليه الغصون الصغيرة المخضوضرة.

ولا عجب كيف ينفذ هذا اللون إلى أعماق الإنسان بقوّة، ويخرق بالقوّة عينها حياة الطبيعة، بكلّ ما فيها من أشجار وغابات وحقول، ومزروعات، يكلّل جبين الجبال، يحرس الأزاهير، يغذَّي الفاكهة والخضار والحيوانات والبشر وحتّى الهواء من حوله.

ويعود السبب العلميّ لوجود اللون الأخضر في الطبيعة، بهذه الوفرة، إلى مادة اليخضور أو الكلوروفيل، وهي لفظة يونانيّة الأصل، معناها النبات الأخضر...

والكلوروفيل موجودٌ في كلّ أوراق الشجر والنباتات والحشائش، وهو يحوّل بفضل أشعة الشمس، ما يمتصّه النبات من الهواء ومن التربة، إلى مواد غذائيّة تعيش النبتة عليها. وتجدّده وتغذّيه، وتعطيه لونه النضر وتترك عليه بصمة العمر المديد؛ ولذلك نرى أنّ كلّ الحضارات القديمة، قدّرت هذا اللون وَكنَّت له الحب والإحترام. ونحن نشهد في أيامنا الحاضرة، تحرّكات ناشطة لحماية اللون الأخضر الذي يختصر معناه وبعده، بمجرد رؤيته أو حتّى التلفظ بإسمه. وما دفاعنا عنه إلاّ ثقةٌ نابعةٌ من داخلنا، وتأكيد على أنّه اللون الذي يحافظ على ديمومة حياتنا.

إنّ الكثيرين من المؤيدين لهذا اللون يحملون صفات وأسماء مختلفة:« أصدقاء البيئة»، «المحميّات»، «أصدقاء الشجرة»... وغدت هذه التعابير في أيامنا الحاضرة، شعاراً لأبرز المنظمات العالميّة والمحليّة، ومن أشهرها، منظمة السلام الأخضر (Green Peace)...

وحول رأي أسلافنا بهذا اللون، نبدأ من مصر، مع أوزيريس الفرعون الأخضر، مكتشف القمح، وصفته مصر القديمة وصوّرت له نقوشاً مصبوغةً باللون الأخضر.

ثمة حضارةٌ أخرى عريقة، عظّمت هذا اللون وقدسته ودفنت مع موتاها أمتعة خضراء مصنوعة من الحجارة الثمينة الخضراء، وهي حضارة «المايا» القديمة، وهم من سكان أميركا الأصليين...

وقد انتقل هذا التقديس لهذا اللون من الحضارة عينها إلى الهنود الحمر، وهم أيضاً من سكان أميركا الأصليين.

واللون الأخضر هو لون دين الإسلام المحبّب، وخاصّة لدى الطائفة الشيعية الكريمة التي تكرّم هذا اللون الجميل، وهذا يعود لأسباب عدّة أهمها: أنّ الأخضر هو اللون المميّز في الجنّة، وإنّ المعصومين، i، شوهدوا بأثوابٍ وعمائم خضراء...

إنّ معظم شعوب الكرة الأرضيّة قد تباركت بهذا اللون لحمله العديد من الصفات الفاضلة، فمثلاً اتخذته إيرلندا رمزاً للخصوبة والحظ، وجعلت ورقة نبات النفل الخضراء رمزاً في الأعياد والمهرجانات الخضراء التي تقام كلّ سنة.

كما أنّ شعب «الأستك» في بلاد المكسيك القديمة عبد الحيّة الخضراء، والصين رأت أنّ هذا اللون هو لون القوة والعمر المديد. الهند عبدت «فيشنو»، إلهاً أخضر بوجه سلحفاة، ورمزت به إلى الحياة والماء والتعقل.

وإننا نستعمل حالياً بصورة تلقائيّة تعابير كثيرة تحمل اللون الأخضر:

ـ اللون الأخضر: إشارة للمرور...

ـ البطاقة الخضراء: تشير لحرية التنقل دون خوف أو محاسبة.

ـ اليد الخضراء: يدٌ خصبة تحسن الزراعة...

ـ الورقة الخضراء: تشير إلى العملة الماليّة.

ـ السنة الخضراء: تدل على موسم حصاد وافر الغلال.

أشكال اللون الأخضر

اقترن لفظ الأخضر بالأصفر والأزرق، وهذا الاقتران باللونين المذكورين أمر طبيعي لأنّه يقع في الوسط بينهما...

الأخضر الفاتح: من الصباغات التي تعطينا الأخضر الفاتح نذكر «الكوبالت» يحضّر كيميائياً...

الأخضر العادي: صباغه يُصنع من مواد كيماويّة عدّة، الأبرز والأقرب إلى اللون هو الكروميوم الأخضر...

الأخضر الغامق: يوجد في كل أوراق الخضرة الكبيرة، كورق السلق، والسبانخ والبصل الأخضر.

ـ الأخضر الزيتي: هو أخضر زيت الزيتون أو حَب الزيتون المكبوس. هو الأخضر عينه الذي نراه في أوراق أشجار العنب بعد ظهورها، أو في حب اليانسون... يقال له أخضر الأرض أو الأخضر الزيتي...

ـ الأخضر المزّرق: يشبه خضار البروكلي والبقلة. إنّه صباغ قديم يسمى أخضر اليونان الذي عرفه الفراعنة وصنعوه في أوعيّة زجاجيّة ضخمة...

ـ الأخضر الفستقي: يستعمل في الزينة والزخرفة.

ـ الأخضر الرمادي: هو رمادي مخضّر.

ـ الأخضر الكاكي: هو أخضر زيتي مع إضافة الأزرق.

ـ الأخضر العسكريّ: هو لون لباس القوى العسكريّة.

ـ الأخضر العتيق: هو اللون الذي يظهر على الأشياء القديمة.

ـ أخضر البحر: هو اللون الذي نراه في بعض المواقع البحريّة.

ـ وكذلك للأخضر أسماء متداولة في فن الرسم والطلاء والطبيعة...

من هم محبّو اللون الأخضر؟

لدى محبّي اللون الأخضر إقبال لافت ومتفائل على الحياة. مرافقتنا الطويلة لهم تزيد من حبنا وتعلقنا بهم. يلجأون إلى هدوئهم لتخطيط أعمالهم وتنفيذها، فهم لا يستنفدون قواهم العقليّة والجسديّة من أجل أشياء غير ذات نفعٍ.

لا يعرفون الخبث والمكر في تعاملهم مع الآخرين، فهم يتفاعلون مع العواطف بنضجٍ أفضل وأسرع من محبّي اللون الأزرق، وتتميّز عواطفهم بالحنان والرقّة والتفاني...

يستفيد محبّو الأخضر من برودة اللون للإنتصار قبل أي ارتباط عاطفيّ أو عائليّ أو على مستوى العمل، فعامل الوقت صديقهم الدائم، وهم يحتاجونه حتّى تبقى أذهانهم صافيّة...

يتمتّع محبّو الأخضر بالوقار ممّا يقرّب النّاس إليهم، ويجعلهم محط احترام وتقدير. وهم قد يتفقون على أمور عدّة أهمّها، أنّهم محظوظون وأعمالهم مزدهرة بفضل متابعتهم الجديّة والمتواصلة لهم...

ثُمّ أنّ هناك ميزةً تجمع محبي هذا اللون، فهم يتمتعون بصحةٍ جيدة ويحافظون عليها، بمزاولة الأنشطة الرياضيّة، وتناول الأغذيّة الصحيّة.

ومن هوايات محبّي هذا اللون أيضاً متابعة مجمل المعلومات والأخبار المتعلّقة بالصحة والمرض، لأنّها تحصّنهم ومعها يتّخذون التدابير الملائمة.

كما أنّ جميع محبّي هذا اللون قريبون من الأرض، فهم إمّا محبّون للزراعة أو يجيدونها أو يطالعون كتباً ومجلات متعلقة بالزراعة، أو يبحثون في الأمر مع المختصيّن...

ومحبّو هذا اللون أناس متّزنون ومثقفون، يشعرون أنّ لهم أدواراً مهمّة في محيطهم. هم اشخاص إيجابيّون، لا يحبّون الخروج عن القوانين أو إزعاج أنفسهم أو الغير.

وهذا لا يعني أنّ محبّي هذا اللون يخلون من الشوائب، فقد يتعرّضون في بعض الأحيان إلى الإنتقاد بسبب قسوتهم، وفي أحايين كثيرة يتّهمون بالوحشيّة والطمع والجشع والبدائيّة والظلم والفوضى.

وخلاصة القول: إنّ اللون الأخضر يؤثر على حياتنا بصورة سحريّة من يوم ولادتنا حتّى يوم مماتنا، وهو يستطيع تغيير أمزجتنا، وهو قادر على تغيّرنا فيزيولوجياً وإجتماعياً وسيكولوجياً.

إنّه يجمَّل الطبيعة وينقَي الجو وهو يعني السلام والطمأنينة، وهو من أهم الألوان الموجودة في الطبيعة. إنّه لون الخمائل والغابات. إنّه أحبَّ الألوان.

 

الهوامش:

(1) بعض المراجع المتعلّقة باللون الأخضر والتي استفدنا منها:

ـ د. توفيق الحاج يحيى، الطب البديل (الطبَ الطبيعيّ)، دار الفكر المعاصر، بيروت ـ دار الفكر دمشق، ط1، 1995م.

ـ ريتا طانيوس، إنّه اللون، دار الخيّال، بيروت، ط. 1، 2010م.

ـ كلود عبيد، الألوان، مراجعة وتقديم دكتور محمد حمود، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 2013م.