إبراهيم بن أدهم شيخ الصوفيّة

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم القاضي الدكتور الشيخ يوسف محمد عمرو

الحديث عن شيخ الصوفيّة

الحديث عن سلطان الزهّاد وشيخ الصوفيّة إبراهيم بن أدهم، هو حديث عن إمام من أئمة مدارس الصوفيّة في القرن الثاني الهجريّ أي القرن الثامن الميلاديّ. وحديث عن إمام لم تتلوث مدرسته بالفلسفات الهنديّة الصوفيّة أو غيرها من فلسفات، كما حدث مع بعض المدارس الصوفيّة أو اليونانيّة الأخرى في القرون التاليّة.

وأساتذة إبراهيم كانوا شيوخ الإسلام في العراق وبلاد الشام، وعلى رأسهم في العراق كان الإمام جعفر بن مُحمّد الصادق o، وفي بلاد الشام كان الإمام الأوزاعيّ q، في بيروت. كما كان طلبة العلم يقصدونه للرواية والحديث عنه أينما حلَّ وذهب سواء كان في جُبلة أو في جبيل أو في بيروت أو في صور من مدن الساحل الشاميّ. ومع هذا وذاك كان يعمل ليأكل من كدِّ يمينه وعرق جبينه حتى أنَّ الّذي يراه كان يقول عنه فلاحاً أو حمّالاً. كما كان يشارك المرابطين في الثغور جهادهم ويذهب معهم للجهاد في سبيل الله تعالى للغزو في البحر حتى يمنع سُفن البيزنطيين وجيوشهم من الإقتراب والعدوان على المدن اللبنانيّة. وكان يتصدّق براتبه من المرابطة على الفقراء وينبسط لهم في الحديث ويطعمهم العسل والسمن عندما يستضيفهم. وقد فضلّه الإمام الأوزاعيّ على جميع تلامذته من أهل الفقر والتصوّف.

كما كان لمدينة جبيل ومسجدها، والزاوية التي كان يجلس فيها وَيُلقي دروسه للطلاب الأثر الطيب في تاريخها كما سوف تعرف إن شاء الله تعالى.

أ ـ إبراهيم بن أدهم وشيخ الأزهر الشريف

صنّف شيخ الأزهر الشريف الإمام الدكتور عبد الحليم محمود كتاباً عن حياة إبراهيم بن أدهم شيخ الصوفيّة من 154 صفحة، طبعته ونشرته «دار الإسلام» في القاهرة والمكتبة العصريّة في بيروت، في الستينيات من القرن الماضي وممّا جاء في كلامه عنه:[« لقد بدأ إبراهيم بن أدهم حياته في ترف من العيش، وفي نعيم من الدنيا: فقد كان والده من المياسير، بل كان من بيت الملك... ونشأ إبراهيم لذلك مُحاطاً بكلِّ أنواع الرعاية، وانغمس إبراهيم في كلِّ ما تتيحه بيئته المترفة من ملاذ... لقد عبَّ منها ونهل...

وفي لحظات، لا تُعدَّ بالشهور ولا بالأيام بل ولا بالساعات، في لحظات تعدُّ بالدقائق إنقلب إبراهيم فجأة من شاب مفتون بالدنيا إلى شاب يتجه بكلّ كيانه إلى الله سبحانه، ويصبح ما بين طرفة عين وانتباهتها من أولياءِ الله ...(1)»].

ثُمَّ تكلّم عن ترجمته، حسب ما ذكره صاحب كتاب «طبقات الصوفيّة» إلى أن قال شيخ الأزهر الشريف:« ولعلَّ القارئ قد سمع عن «مريم المجدليّة» التي انتفضت هذه الإنتفاضة، وذهبت إلى المسيح t، فغسلت رجليه بالدموع، ومسحتهما بشعر رأسها، ولم تكفَّ عن تقبيلهما ودهنهما بالطيب... وغفر الله خطاياها على لسان السيّد المسيح t، الذي وازن بينها وبين سمعان فرجحت كفتها ...»(2).

وتوفيق الله تعالى لإبراهيم كان من أسبابه الرئيسة كما قال شيخ الأزهر :[« ولقد كان إبراهيم بن أدهم، قبل توبته يتجه إلى الله من حين إلى حين ... يتجه إليه وهو غُمرة من ملذاته... يتجه إليه في رجاء ويقول:« اللّهم انقلني من ذُلِّ معصيتك إلى عزِّ طاعتك»... مُستشهداً بقوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ...) سورة الأنعام، آية 125.

وقوله تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) سورة آل عمران، الآية 101.(3)»].

ويقول الإمام الأوزاعي عن إبراهيم بن أدهم وسائر المتصوفة:[« ليس في هؤلاء الفقراء أفضل من إبراهيم بن أدهم فإنّه أسخى القوم...».

وعلى الرغم من أنَّ إبراهيم بن أدهم كان يأكل من عمل يده، فإنّ أجره كان فيه البركة، وكان العسل والسمن دائماً على مائدته، وكانت مائدته مبذولة لكل وارد من أصحابه»(4)].

ومن كلماته q:« كلُّ سلطان لا يكون عادلاً، فهو واللص سواء، بمنزلة واحدة... وكلُّ عالم لا يكونُ ورعاً فهو والذئب بمنزلة واحدة... وكلُّ من يخدم سوى الله فهو والكلب سواء»(5).

ب ـ إبراهيم بن أدهم والأستاذ جابر

المؤرخ العامليّ الأستاذ علي داود جابر أرّخ له في الجزء الأوّل من موسوعته «معجم أعلام جبل عامل» حيث قال عنه: [« محدث زاهد من كورة بلخ، كان من أبناء الملوك، إذ أبوه من الأشراف، كثير المال والخدم، والمواكب والجنائب والبُزاة... وعن ولادته يقول غيث الأرمنازي الصوري:«حجَّ أدهم أبو إبراهيم بأم إبراهيم، وكانت حُبلى فولدت إبراهيم بمكّة، فجعلت تطوف به على الخلق في المسجد، وتقول: أدعو لابنيّ أن يجعله الله رجلاً صالحاً»].

أُعجب إبراهيم بحياة الصوفيين، فترك الإمارة في بلده، ودخل الباديّة والتقى الإمام زين العابدينt (6). كما ذكر صلة إبراهيم بن أدهم بالإمام جعفر بن مُحمّد الصادق o، في الكوفة حيث قال:[« قرأ إبراهيم بن أدهم على الإمام جعفر بن محمّد الصادق o، كما أخبر أبو جعفر الطوسي فقال:[« كان إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار من غلمان الإمام جعفر بن محمّد الصادق».

وذكر أبو حازم عبد الغفار بن الحسن:« قدِم إبراهيم بن أدهم الكوفة وأنا معه وذلك على عهد المنصور، وقدمها جعفر بن مُحمّد العلويّ، فخرج جعفر يريد الرجوع إلى المدينة فشيّعه العلماء وأهل الفضل من الكوفة، وكان فيمن شيّعه سفيان الثوريّ وإبراهيم بن أدهم فتقدّم المشيّعون له، فإذا هم بأسد على الطريق، فقال لهم إبراهيم بن أدهم: قفوا حتى يأتي جعفر فننظر ما يصنع، فجاء جعفر t، فذكروا الأسد فأقبل حتى دنا من الأسد فأخذ بأُذُنهِ فنحّاه عن الطريق ثُمّ أقبل عليهم فقال: أمّا إنَّ النّاس لو أطاعوا الله حقَّ طاعته لحملوا عليه أثقالهم (7)».

وعن سبب سكنه في مدينة صور يقول أبو الفرج الأصفهانيّ:«حدّث الفرج مولى إبراهيم بن أدهم بصور سنة ست وثمانين ومائة، وكان أسوداً، قال: كان إبراهيم بن أدهم رأى في المنام كأنّ الجنّة فُتحت له، فإذا فيها مدينتان: إحداهما من ياقوتة بيضاء، والأخرى حمراء، فقيل له: اسكن هاتين المدينتين فإنهما في الدُنيا، فقال: ما اسمهما؟.

قيل اطلبهما فإنّك تراهما كما رأيتهما في الجنّة، فركب يطلبهما، فرأى رباطات خراسان، فقال: يا فرج ما أراهما، ثُمّ جاء بحر قزوين، ثُمّ ذهب إلى المصيصة والثغور، حتى أتى الساحل من ناحية صور، فلما صار بالنواقيرـ وهي نواقير نقرها سليمان بن داود o، على جبل على البحرـ فلما صعد عليها رأى صور، فقال: يا فرج هذه إحدى المدينتين، فجاء حتى نزلها، فكان يغزو مع أحمد بن معيوف، فإذا رجع نزل يَمْنَةَ المسجد، فغزا غزوة فمات في الجزيرة، فَحُمِلَ إلى صور، فدفن في موضع يقال له مدخلة، وأهل صور يذكرونه في تشبيب اشعارهم، ولا يرثون ميّتاً إلاّ بدأوا أولاً بإبراهيم بن أدهم: قال القاسم بن عبد السلام، قد رأيت قبره بصور والمدينة الأخرى عسقلان.

إلى أن قال:« وفي منطقة مدخلة إلى الغرب من بلدة المنصوريّ سنة 161هـ. وقيل 162 وقيل 163هـ. (8)»].

حيث يقارب وفاته سنة 777م. أو سنة 778م. أو سنة 779م.

ج ـ إبراهيم بن أدهم والدكتور تدمري

ذكره الدكتور عُمر عبد السّلام تدمري في كتابه «لبنان من قيام الدولة العباسيّة حتى سقوط الدولة الأخشيديّة» فقال عنه:[« إبراهيم بن أدهم: الزاهد المشهور، له سياحة ومرابطة ومجاهدة في ساحل « لبنان» وقد تقدم ذكره في الكتاب الأوّل من هذه الدراسة عند حديثنا عن «الرباط في صور» فقد اجتاز إلى ساحل «لبنان» حول منتصف القرن الثاني الهجريّ، فدخل جبيل وأقام فيها مدّة، وعقد مجالس للحديث فقصده الطلبة وسمعوه في جامعها، وكان منهم «خلف بن تميم بن مالك التميميّ الدارميّ» وقد حدّث عنه فقال: لقيت إبراهيم بن أدهم بجبيل فقلت له: هنيئاً لك الرباط والجهاد. فقال: ما قدمت الشام مرابطاً ولا مُجاهداً، وإنّما قدمتها لأشبع من خبز الحلال، تراني أحمل هذا الحطب من الجبل فأبيعه، فلا يراني أحد إلاّ قال: فلاح أو حمّال.

وانتقل «ابن ادهم» إلى بيروت فأقام فيها مدّة وتردد على الإمام أبي عَمرو الأوزاعيّ، وسمعه الأوزاعي ايضاً وحكى عنه. وكذلك سمعه ببيروت:«أبو الحسن عليّ بن بكار البصري» الزاهد الذي سكن طرطوس والمصيِّصة مرابطاً بين سنتي 199 هـ. 208 هـ. و «سهل بن هاشم الواسطيّ البيروتيّ».

«رآه الأوزاعي يوماً ببيروت وعلى عنقه حزمة حطب، فقال: يا ابا اسحاق إنّ إخوانك يكفونك هكذا، فقال له: أسكت يا أبا عَمرو، فقد بلغني أنّه إذا وقف الرجل مذّلة في طلب الحلال وحببت له الجنّة».

«وسئل الأوزاعيّ يوماً: أيُّهما أَحبُّ إليك: سليمان الخوّاص أو إبراهيم بن أدهم؟.

فقال: إبراهيم أحبُّ إليَّ لأنَّ إبراهيم يختلط بالنّاس وينبسط إليهم (9)»].

د ـ مع الأستاذ عُمر بهيج اللقيس

جاء في كتاب «جبيل مواقع ومواقف» للأستاذ عُمر بهيج اللقيس، منشورات بلدية جبيل، عام 2012م. في الصفحة 42، تحت عنوان:[« جامع السلطان إبراهيم بن أدهم» قول الأستاذ اللقيس رئيس لجنة وقف «إسلام جامع جبيل»: «يقع على ميناء جبيل وهو يُعرف بـ «مُصلَّى البحارة» حيث كانوا يرتاحون فيه خلال فصل العواصف الهوجاء، وارتفاع الأمواج العاتية، وجنون الأعاصير وينتظرون هدوء البحر ليعاودوا الإبحار والمغامرة»].

هـ ـ مسجد إبراهيم بن أدهم في مدينة جبيل

تحت عنوان «مساجد لبنان» على صفحة الانترنت جاء تحت هذا العنوان الآنف الذكر:[« زاوية تاريخيّة جميلة تنتظر زيارتكم ودعمكم. عبارة عن زاوية تابعة لوقف السُنَّة في جبيل، لا أعرف لماذا سُميّت بإسم «مسجد السلطان إبراهيم بن أدهم» إلاّ إذا كان المقصود بصاحبه «سلطان الزهّاد» أو لأّنه كان من عائلة مالكة، ويقع في نهاية السوق القديم غرباً.

والمصادر التاريخيّة تفيد أن العابد الزاهد إبراهيم بن أدهم، كان يعقد في مسجد جبيل مجالس الحديث، فكان يقصده الطلبة ويسمعونه، وهذه الزاوية الظاهرة في الصورة كان يتّعبد ويرابط فيها».

ثُمّ تكلّمت هذه الصفحة عن حياته وعن دفنه في مدينة جبلة على الساحل السوريّ، وأصبح قبره هناك مزاراً. وجاء في معجم البلدان أنّه مات بحصن سوقين ببلاد الروم، أُقيم في موضع وفاته مسجد سمي جامع السلطان إبراهيم وهو أهم مساجد جبلة اليوم.

كما ذكرت هذه الصفحة أنّه وجدت في زاوية جبيل لوحة رخاميّة فوق الباب كُتِبَ عليها بالأسود على السطر الأوّل «مسجد السلطان» بخط نسخي عادي، وعلى السطر الثاني:«إبراهيم بن أدهم» بخط رقعي غير متوازن»].

وخلاصة الكلام

أنَّ إبراهيم بن أدهم بلغ من الزهد والعزوف عن الدُّنيا والعبادة والتهجد والرئاسة والشهرة مرتبة عالية حتى أَطلقَ عليه أهلُ عصره والنّاس لقب السلطان. وأنّه تتلّمذ وروى عن الإمام جعفر بن مُحمّد الصادق o، وعن سفيان الثوري، والإمام الأوزاعيّ وغيرهم من الأقطاب والأعيان في عصره. وقد أخرج أحاديثه كبار العلماء كالبخاري في صحيحه ومُسلم في صحيحه وكذلك ترجم له الإمام أبي جعفر الطوسي وغيرهم من الأئمة والعلماء. وكان يبتعد في حياته عن الولاة والأمراء والسلاطين وعن أموالهم وعطاياهم لذلك أتى جبال لبنان وجبال عاملة ليأكل من كدِّ يمينه وعرّق جبينه، من خلال عمله اليوميّ في البساتين والحدائق أو من خلال احتطابه للحطب وبيعه للنّاس حتى كان من يراه من النّاس يقول عنه فلاحاً أو حمّالاً. وقد أكرمه الله تعالى في حياته بقصد طلبة العلوم الدينيّة للأخذ عنه والرواية وللتخلق بأخلاقه وللإستماع إلى وصاياه في جبلة وجبيل وبيروت وصور. وأنّ أهل جبلة بنوا مسجداً بإسمه وكذلك فعل أهل جبيل. وأمّا أهل صور فكانوا يذكرونه في تشبيب أشعارهم وكانوا لا يرثون ميتاً من أمواتهم إلاّ بدأوا أولاً بإبراهيم بن أدهم. فرحم الله تعالى إبراهيم بن أدهم الذي عزف عن الإمارة والملك واختار طلب العلم والرواية والحديث من شيوخه عن رسول الله w، والعمل بطاعة الله تعالى، وتقوى الله تعالى والمرابطة والجهاد في سبيل الله تعالى، من خلال طلب اللقمة الحلال، وحمل السُنَّة الشريفة وروايتها لطلب العلم والمرابطة في بلادنا تقرّباً إلى الله تعالى.

وبعد، فما أحرى بالمسلمين من سُنّة وشيعة في مدينة جبيل وبلاد جبيل بالإهتمام بمسجد سلطان الزّهاد إبراهيم بن أدهم والصلاة والدعاء به تقرباً إلى الله تعالى.

 

 

الهوامش:

1.    (1) إبراهيم بن أدهم شيخ الصوفيّة، ص 44، بتصرف.

2.    (2) نفس المصدر، ص 46.

3.    (3) نفس المصدر، ص 47.

4.    (4) نفس المصدر، ص 54.

5.    (5) نفس المصدر، ص 114.

6.    (6) « معجم أعلام جبل عامل» للأستاذ داوود جابر، ج1، ص68. ومعنى ذلك أنّ إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار كانا يخدمان الإمام جعفر بن مُحمّد الصادق o، عندما كان t، في الكوفة.

7.    (7) نفس المصدر، ص 70.

8.    (8) نفس المصدر، ص 70 ـ 71 ـ 72.

9.    (9) «لبنان من قيام الدولة العبّاسيّة حتى سقوط الدولة الأخشيديّة»، للدكتور تدمريّ، ص 169 ـ 170 ـ 171. بتصرف.