نبع الحياة

20/1/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

للمهندس ريمون انطوان عبيد(1)

يشرفني أن أشارككم ذكرى استشهاد سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين بن عليّ o.

العلاقة التي تربطني بالإسلام بدأت منذ 32 سنة عند شرائي القرآن الكريم مع ترجمته إلى اللغة الفرنسيّة، ممّا سهّل عليّ فهم المعاني والمفردات، وفي تلك الأيام أدركت أنّ الثقافة والفكر والتعرف على نظرائنا في الخلق يمهد الطريق لتوطيد العلاقات ولنشر المحبة والمودة بين النّاس.

ومع مرور الأيام أصبحت استمتع بقراءة القرآن الكريم الذي ساعدني في التعرف على الإسلام دين الرحمة وساعدني في التعمق وفهم مسيحيتي بشكل أَفضل.

إنّ ذكرى عاشوراء التي نحييها كل سنة هي نَبعُ الحياة الذي يجب على الإنسان أن يشرب منه لمواجهة الظلم والفساد وصعوبات الحياة. هي منهج وأسلوب يتخطى الأزمنة. فحيث يكون الظلم والإستبداد يجب أن تكون كربلاء.

هو صراع بدأ منذ نشوء الإنسانيّة بين قوى الخير وقوى الشرِّ، بين الأخ وأخيه، وفي النفس الإنسانيّة الذاتيّة وبين الشعوب والأمم.

في بدء الدعوة الإسلاميّة، نشأ صراع بين الرسول (عليه الصلاة والسّلام) والمؤمنين من جهة، وبين الكفار والمشركين والمنافقين من جهة أخرى، فحاربوه وتآمروا عليه وحاولوا قتله.

أليست قوى الظلم والطغيان هي نفسها التي سَمَمَتْ للإمام الحسنt، رغم الهدنة التي أقامها معها لتفادي الحرب وحقن دماء المسلمين. أمام كل هذه المآسي واستفحال الظلم والإستبداد قام الإمام الحسين بثورته ضدَّ الظلم والظالمين فكانت كربلاء.

بعد هذه المأساة تحرّك النّاس وبدأت ردود الفعل فكانت صغيرة في البدء، ثُمّ نمت وأصبحت ثورات قضّت مضاجع الظالمين في هذا الشرق.

بدأت ردود الفعل مع سير موكب آل البيت من الكوفة عن طريق الفرات إلى حلب وحماه وحمص وبعلبك إلى الشام حيث زوجة يزيد بدأت تنوح على الحسين وتبكيه وكذلك بكى شيوخ أهل الشام عندما خطب فيهم الإمام زين العابدين من على منبر الجامع الأموي في دمشق!!!

فتنصل يزيد من تلك الجريمة الشنيعة واتهم ابن زياد وحكام العراق بذلك.

وبعد عودة آل البيت إلى المدينة، ثار أهلها على بني أُميّة، ثُمّ ردَّ يزيد عليهم بجيشه في واقعة الحرة فقتل سبعين صحابياً وأحد عشر ألف شهيد من أهل المدينة.

بعد فترة وجيزة كانت ثورة التّوابين في الكوفة بزعامة الصحابي سليمان بن صُرد الخزاعيّ الذي شارك أمير المؤمنين t، في حروبه. هؤلاء ندموا وتلاوموا في ما بينهم على عدم نصرتهم للإمام الحسين فشكلوا جيشاً من أربعة آلاف مقاتل كان أول اهدافهم الإقتصاص من قتلة الإمام الحسين t، وإزاحة الأمويين عن السلطة في الكوفة والعراق.

كان ذلك بعد خمس سنوات من معركة كربلاء، إذ كانت معركة عين الوردة قرب مجرى نهر الخابور بين التوابين وجيش الشام استشرسوا فيها وتركوا أمثلة رائعة عن البطولة والجهاد ومقاومة الطاغوت، وتعتبر هذه المعركة أولى المواجهات الشعبيّة التي استمدت روحها وطريقها من مأساة الإمام الحسينt.

وبعدها بعام واحد تمّكن المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ من إبادة المسؤولين عن مقتل الحسين، بدأ بقتل شمر بن ذي الجوشن وبعده تمّت تصفيّة خولي بن يزيد الأصبحي ثُمّ عُمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم من الظالمين، وأخيراً قضوا على عبيد الله بن زياد في المعركة التي قادها إبراهيم بن الأشتر النخعي في عين الوردة بالقرب من نهر الخابور في الموصل بأمر وتدبيرٍ من المختار الثقفيّ.

العاطفة في عاشوراء

العاطفة هي مسألة مهمة جداً في إحياء الذكرى ومن دونها لما بقيت هذه المناسبة مطبوعة في الوعي الإنسانيّ ولا كانت لتدوم الى يومنا هذا بل كانت ذابت وتحوّلت إلى قضيّة جامدة لا روح فيها ومعرّضة للخطر والنسيان والإهمال والإندثار كغيرها من الثورات في التاريخ.

فإذا أخذنا الثورة البلشفيّة في روسيا في عام 1917م. والتي قامت على أُسس إجتماعيّة وإقتصاديّة كان هدفها المساواة بين فئات الشعب كافة والقضاء على الرأسماليّة الإقطاعيّة وتحقيق الإشتراكيّة. هذه الثورة بكل إمكاناتها العظيمة لم تستطع الدخول إلى عمق النفس الإنسانيّة. لقد اهتمت بكثير من الأمور التي تهُّم الإنسان وتحقق طموحاته ولكنها اهملت الجانب العاطفي الذي يسيّر الشعور والعاطفة الإنسانيّة. حيث نراها قد سقطت وانتهت بعد سبعين عاماً. أمّا الثورة الحسينيّة فالأجيال تحييّها منذ أربعة عشر قرناً وهي ستبقى إلى يوم الدّين.

التقارب بين المسيح والحسين o

أرسل الله تعالى، المسيح عيسى بن مريم، رسولُ الله وكلمته التي القاها على مريم وروح منه ليبشر النّاس بالمحبّة والتفانيّ لخير الأُمّة وليقوّمَ النّاسُ بالقِسطِ وليَخْرُجْنَا من الظلمات إلى النور. نقرأ في إنجيل يوحنا: وكان فصح اليهود قريباً فصعد يسوع إلى أورشليم ووجد في الهيكل الّذين كانون يبيعون بقراً وغنماً وحماماً والصيارف جلوساً فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر وكبَّ دراهم الصيارفِ وقلب موائدهم وقال لباعة الحمام:« ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت الله بيت تجارة».

فكما صَبَّ السيّد المسيح غضبه على كهنة اليهود لأنّهم جعلوا من بيت الله مغارة لصوص كذلك ثار الإمام الحسين ضدّ الكفر والظلم والفساد وطغيان بني أُميّة على أُمّة الإسلام إذ قال:« إنيّ ما خرجت أَشْراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً، إِنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

الصلاة والتقوى عند الإمام الحسينt

في اليوم التاسع من مُحرّم سنة 61 هـ. طلب الإمام الحسين من شقيقه العبّاس أن يفاوض عُمر بن سعد ليؤخر الهجوم إلى الغد لا لكسْبِ الوقت ولا لأي شيء آخر سوى للصلاة، فقال« لعلنا نُصليّ لربِّنا الليلة ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحبُّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار. ولعلّ الله تعالى يهدي أولئك الظالمين أو بعضهم ويرجعون عن غيّهم وضلالهم».

الإمام الحسين يشفق على أعدائه

كان الإمام الحسين يخاف على أعدائه من إقدامهم على قتله وسفك دمِهِ، فلما طلب من عبيد الله بن الحرِ الجعفيّ نصرته والإنضمام إليه اعتذر، فقال له الإمام:« فإن لم تَنْصُرْنا فاتقِ اللهَ أَنِ تكونَ ممن يقاتلنا، واللهِ لا يسمعُ واعيتنا أحد ثُمّ لا يَنْصُرُنا إلاّ هَلِكَ».

السيّد المسيح يناشدنا محبّة اعدائنا

يقول يسوع المسيح في انجيل متى (43:5)« لقد سمعتم أنه قيل: أحبّ قريبك وابغض عدوك. أمّا أنا فأقول لكم: احبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم واحسنوا إلى مبغضيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات فإنّه يُشْرِقُ شَمْسَهُ على الاشرار والصالحين ويُمطِرُ على الأبرار والظالمين فإن كنتم تحبّون الذين يحبّونكم فأيَ أجر لكم ؟ ولإن كنتم تسلّمون إلاّ على اخوتكم فأَي فَضْلٍ تصنعون».

الحسين استشهد في ذروة الحبِّ لله تعالى

بعد أن استشهد الحسين وأبناؤه خرج إلى جيش عُمر بن سعد طالباً منهم أن يسقوا طفله الرضيع عبدالله ماءً! فكان جوابهم أن رموه بسهم ذبحه من الوريد إلى الوريد في حُضْنِ والده!!! فتوجه عندها إلى الله وخاطبه بكلمات الحبّ: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله».

ثُمّ رموا الحسين بالرماح فخرقت جسده وكثرت جراحاته فخاطب ربّه قائلاً:« إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ مني حتى ترضى».

ولعلَ أبرز وجوه التشابه بين الامام الحسين والسيّد المسيح هو الشهادة في سبيل القيم الإنسانيّة والرسالة الإلهيّة.

الإمام الحسين قدّم نفسه وعياله واقرباءه وأصحابه ليبقى دينُّ الحقّ أي دينُّ رسول الله w، وهو دين ابراهيم t.

والسيّد المسيح ضحى بنفسه ليفدي بني البشر ويبقى دين ابراهيم t، فنقرأ في انجيل مرقس: «لأنَّ ابْنَ الإنسانِ (المسيح) أيضاً لمْ يأتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ ولِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عن كَثيرِين».

وبالنسبة للإختلاف العقائدي بين الديانتين أقول:« إنّ رَبَكَ أعْلَمُ بمن ضَلَّ عن سَبيلهِ وهو أَعْلَمُ بالمهتدين».

ضَحَى الإمام الحسين t، بنفسه وبعياله وبأصحابه حتى ترى الأُمّة فداحة المأساة فتتحرر النفوس النائمة والخائفة من الطواغيت والتي تتحرك وفق مصالحها الماديّة ولعل الفرزدق عبّر عن حال الأُمّة عندما قال للإمام الحسين في طريقه من مكّة إلى الكوفة:« قلوبُ النّاس معك وسيوفهم عليك».

إستشهاد سيّد الشهداء زلزل الضمائر، حرّك المشاعر، دَحَرَ المخاوف فأضحى اتباعه عبر تاريخنا العربيّ يحاربون الباطل والظلم وينصرون الحقّ.

إستشهاد سيّد شباب أهل الجنّة أدخل القوة والعزم على قلوب المؤمنين في مواجهة الأعداء الّذين يتربصون ببلادنا ويدبرون المؤامرات لتفتيت عالمنا العربيّ إلى دويلات وشعوب تتناحر فيما بينها.

أنتم يا أتباع الحسين، استشهاد إمامكم قبل أربعة عشر قرناً (تقريباً) جعلكم أُمّةً قادِرةٌ على دَحْرِ قوى الظلم والظلام فالإحتلال الإسرائيليّ لوطننا لبنان ولّى الأَدبار في أيار سنة 2000م. دون قيدٍ أو شرط.

ثُمّ انتصرتم عليه في تموز 2006م. وها أنتم تسطرون الملاحم البطوليّة ضد أهل الكفر والظلام في سوريا لتبقى رؤوسنا مرفوعة إلى العلى. وليبقى لبنان بلد الحبِّ والسلام حاملاً رسالة المسيح ومُحمّد والحسين.

 

 

ملحق الإمام t

 

الهوامش:

(1) العضو البلدي في مجلس بلدية لاسا، الكلمة التي ألقاها في ذكرى عاشوراء من على منبر حسينيّة بلدة لاسا ـ جبيل في 5 تشرين الأوّل 2016م.