مصر رمز عريق من رموز الحضارة الإنسانية والتنوع الفكري والديني

15/4/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

 (جبل موسى (ع) وجبل القديسة كاترين نموذجاً)

 بقلم الدكتور أحمد محمد قيس (1)

في البداية لا بد من التأكيد على أمرٍ مهم وهو أن اختياري للعنوان إنما هو على سبيل الحقيقة والواقع العلمي والعملي، لا من باب الدعاية أو المجاملة أو أي شيء من هذا القبيل، وهذا ما سوف تعرفه عزيزي القارئ في سياق هذه المقالة بشكل تلقائي، إذ أن أي إطلالة أو دراسة في التاريخ الإنساني من أي نوع كانت هذه الدراسة، سوف يجد الباحث نفسه فيها يتعرض الى نماذج لها إرتباط موضوعي بمصر بشكل من الأشكال. حيث أن مصر تفرض نفسها على التاريخ والحاضر وأيضاً على المستقبل في مجالات وسياقات لا مجال لذكرها الآن.

فمصر هي التي تفرض نفسها وحضورها كما ذكرت وليست بحاجة الى من يعرّف عنها ويتحدث عن أهمية دورها الجغرافي والحضاري والثقافي، وذلك لأنها شكّلت معلماً مهماً في التاريخ الإنساني في كافة أطواره عبر الأزمنة والعصور.

ويكفيها فخراً أنها أرض قبّلت أقدام الأنبياء والأولياء والعلماء وتمّ ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من مناسبة لا يمكن إحصاؤها في هذه العجالة. كذلك الأمر في جميع الكتب السماوية وغيرها. فعلى جبل من جبالها كلّم الله موسى (ع) تكليماً، وهو الذي يعرف بجبل موسى (ع) أو جبل الطور.

ولو كان للجبال أن تتحدث وتبوح بأسرارها لحكت من الأخبار والحكايات الكثير الكثير منها على سبيل المثال: من ههنا مرّ نبيّ الله إبراهيم(ع)، وهنا على هذه الصخور جلس روح الله عيسى (ع)، ومن هنا سارت القافلة التي أقلّت يوسف (ع)، وعند ذاك السفح هرول نبي الله يعقوب (ع) لملاقاة حبيبه يوسف (ع)، وبين تلك الوديان عاش النبيان موسى (ع) وهارون(ع)، وتحت تلك الحصى وذلك التراب يرقد نبي الله صالح (ع) والى جواره في مكان قريب نبي الله هارون(ع).

في منطقة جبل موسى (ع)، والتي تعرف بطور سيناء تتوحد القلوب بحثاً عن الغفران، حيث تحتضن ما لا يمكن إحصاؤه من المعجزات والكرامات، لذا فإنه مكان تجتمع فيه القلوب والنفوس وتتّحد الأديان، ويرتقي الإنسان ويلامس بعقله وقلبه السماء.

وجبل موسى (ع) هو ثاني أكبر جبل في مصر ويقع في محافظة سيناء، ويبلغ ارتفاعه 2285 متراً فوق سطح البحر.

وسمي بجبل موسى نسبة الى النبي موسى (ع)، الذي كلمّه ربّه فيه، وتلقى منه الوصايا التي نقشت على الألواح الحجرية وهذا ما تقول به كل الديانات السماوية كاليهودية والنصرانية والإسلام. ويعتبر هذا الجبل من أشهر جبال سيناء ويليه جبل كاترين الذي سيأتي الكلام عنه في السياق.

ويزور هذا الجبل (جبل موسى) الآلاف من السياح من كافة أرجاء المعمورة لروعة المناظر الطبيعية والخلابة التي يمكن مشاهدتها من أعلى الجبل وخاصة عند شروق الشمس أو غروبها. والطريق المؤدية الى الجبل بشكل عام صعبة ووعرة وتعتبر بحد ذاتها مغامرة مشوقة وسياحة دينية وطبيعية في آنٍ معاً.

ويرافق السياح عادة مجموعة من الأدلاّء الذين يعملون على إرشادهم ومساعدتهم في هذه الرحلة الحسّية في فضاء التاريخ الديني الذي يلامس القلب والوجدان ويحرك العقل في إتجاه المعبود الأوحد قبلة الأولين والآخرين الله سبحانه رب العالمين.

والى جوار جبل موسى (ع)، يقع جبل كاترين. والذي يوجد فيه دير سانت كاترين وهو على ارتفاع 2629 متراً لذا فهو أعلى من جبل موسى وأعلى الجبال في مصر قاطبة لكنه بالمرتبة الثانية لجهة اهتمام السياح به بشكل عام.

وسمي الجبل بهذا الإسم تخليداً للقديسة كاترين في المسيحية من الإسكندرية وهي من أهم القديسات في الغرب ولها دور كبير في انتشار المسيحية وماتت فداءً لذلك. ويوجد بالمنطقة دير وهو دير طور سيناء أو دير سانت كاترين، وتقول القصة: أن رهبان دير وجدوا جسدها في أعلى الجبل بعدما كانت قد أعدمت في الإسكندرية ومن ثم اختفى جسدها لذا يقال أن الملائكة بحسب المفهوم المسيحي أو حتى الصلحاء من أتباع الديانة المسيحية آنذاك قد استنقذوا جسدها وحملوه بعيداً حتى وصلوا الى أعلى الجبل. وعلى كل حال فقد تم دفنها هناك وتم توسعة الدير وأصبح محجّة لكل المؤمنين المسيحيين والسياح على حد سواء.

كما يوجد في أعلى الجبل مصلى خاص وهو عبارة عن المكان الذي وجد فيه جسدها وبالقرب من هذا المصلى يوجد حُجرتان حيث يمكن للحجاج الى الجبل أن يبيتوا، أمّا الطريق الى الجبل فإنه صعب الى حد ما ولكن يمكن تسلقه من معبر قام أحد كهنة الدير بإنشائه.

ومن أعلى الجبل يمكن رؤية خليجي العقبة والسويس بشكل واضح وأخّاذ.

خصوصية دير سانت كاترين: يقع دير سانت كاترين في جنوب سيناء بمصر أسفل جبل كاترين أعلى الجبال بمصر بالقرب من جبل موسى ويقال عنه أنه أقدم دير في العالم ويعد مزاراً سياحياً مهماً حيث تقصده أفواج السيّاح من جميع أصقاع العالم.

وهذا الدير منعزل عن الناس ويديره رئيس الدير وهو أسقف سيناء والذي لا يخضع لسلطة أيّة بطركية أو مجمع مقدس ولكن تربطه علاقات وطيدة مع بطريرك القدس لذلك فإن إسم بطريرك القدس يذكر في القداسات على الرغم من أن الوصاية على الدير كانت لفترات طويلة للكنيسة الأرﺛوذكسية الروسية ورهبان وكهنة الدير من اليونانيين وليسوا عرباً أو مصريين شأنهم شأن أساقفة كنيسة الروم الارثوذكس في القدس التي يسيطر عليها اليونانيون منذ عهود طويلة، وأسقف سيناء يدير الى جانب الدير الكنائس والمزارات المقدسة لدى المسيحيين والموجودة في جنوب سيناء في منطقة جبل الطور وواحة فيران وطرفة. وبني هذا الدير بناءً على أمر الإمبراطورة هيلين والدة الإمبراطور قسطنطين ولكن الإمبراطور جستنيان هو من قام فعلياً بالبناء في عام 545 م. ليحوي رفات القديسة كاترين التي كانت تعيش في الإسكندرية.

قصة القديسة كاترين: تقول الأخبار أن القديسة كاترين تنحدر من عائلة ارستقراطية وثنية ولدت في الإسكندرية عام 194م. وكانت تسمى زوروسيا وكانت مثقفة شأنها شأن أبناء العائلات الثرية الأرستقراطية وأيضاً كانت جميلة بحيث رغب بها الجميع لجمالها ومكانتها الإجتماعية إلا أنها رفضت الجميع وآمنت بالدعوة المسيحية وذلك في فترة حكم الإمبراطور مكسيمونوس واضطهاده للمسيحيين، وقامت باتهامه علناً بعبادة الأوثان وتقديم التضحيات لها مما اضطر الإمبراطور الى الإستعانة بخمسين خطيباً من جميع أنحاء الأمبراطورية لكي يقنعوها بالرجوع عن دينها ودعواها إلا أن المفاجأة كانت باعتناق هؤلاء الخطباء جميعاً للمسيحية مما أثار حفيظة هذا الإمبراطور الظالم والوثني فأمر بقتلها وبعد ذلك فقدت جثتها.

إلا أنه وبعد مرور ثلاثة قرون على وفاتها وجد جثمانها فأمر الإمبراطور جستنيان بوضعه في صندوق رخامي في الدير الذي بناه عام 545 م ويقال أن رائحة الطيب ما تزال تفوح من رفاتها مما شكل أعجوبة دائمة. ولأجل تضحياتها ولأجل هذه الأعجوبة قدسها المسيحيون، وحمل هذا الدير الموجود فيه رفاتها إسمها منذ القرن الحادي عشر كما أطلق اسمها على العديد من الكنائس وخاصة تلك التي في الإسكندرية. والملفت للنظر أيضاً وجود مسجد صغير للمسلمين داخل الدير بناه أحد حكام مصر في العصر الفاطمي وذلك من أجل إيجاد حامية للدفاع عن هذا الدير من الهجمات التي كان يتعرض لها من حين الى آخر.

ولاحقاً قام نابوليون بونابرت أثناء الحملة الفرنسية على مصر ببناء وتقوية السور الذي يحيط بالدير حتى وصل الى علو 200 قدم وأقام في محيطه دفاعات لحمايته من الغزو أو الهجمات.

وقيمة هذا الأثر الديني أنه يحتوي على العديد من الهدايا النفيسة التي قام بإرسالها الملوك والأمراء، وبه أيضاً بئر يقال أنه بئر موسى التي فجّرها للأسباط كما يقال أيضاً أن فيه شجرة موسى التي اشتعلت بها النيران وكلمه الله من خلالها، كما يحتوي الدير على ثاني أكبر مكتبة للمخطوطات بعد الفاتيكان.

وبالإضافة الى وجود رفات القديسة كاترين فإن هنالك أيضاً رفات لعدد كبير من الرهبان الذين عاشوا في هذا الدير وخدموا فيه.

والجدير بالذكر أن إدارة الدير تلزم جميع السياح الغربيين وغيرهم بالإحتشام بالملابس عند الدخول الى الدير وتؤمن لهم الملابس المناسبة والفضفاضة لأجل ذلك. ويمكن الولوج الى هذا الدير من باب صغير على ارتفاع 300 متر بواسطة صندوق على شكل رافعة على هيئة المصعد في عصرنا الحالي أو من خلال باب صغير استحدث لاحقاً في أسفل الجدار.

وفي ختام هذه المقالة لا بد من أن أشير الى أنني وأثناء قراءتي لسيرة وحياة هذه المرأة الفاضلة، والمؤمنة الأبية والحرّة الشهيدة، من تأثري وإعجابي الشديدين بها، كما أنها أثارت في داخلي لواعج الحزن والأسى لما شكلت سيرة حياتها وتضحياتها جانباً من سيرة وحياة وتضحيات سيدتي ومولاتي زينب(ع). فالسلام كل السلام على عباد الله، الأحرار في سبيله، الذين باعوا الدنيا وعزفوا عنها طاعةً له ويقيناً به، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل ذلك.

أليست زينب (ع) القائلة بعد استشهاد أخيها الحسين(ع):« اللهم تقبل منا هذا القربان فداء لوجهك الكريم....».

لذا لا أجد حرجاً أو غضاضة في القول: السلام عليك يا أيتها القديسة كاترين وهنيئاً لك الشهادة في سبيل الله.

وهنيئاً لأهل مصر لوجودك الكريم بينهم.(2)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 الهوامش:

(1) مصر 14/3/2016م. من على ضفاف النيل.

(2) «مجلة حوروس»، العدد الثالث، عام 2016، صفحة 23 و24.

الموسوعة الحرّة ويكيبيديا جبل موسى.

الموسوعة الحرّة ويكيبيديا جبل كاترين.

الموسوعة الحرّة ويكيبيديا القديسة سانت كاترين.


جبل موسى (ع) والى جانبه جبل كاترين

وعورة الطريق المؤدية الى أعلى الجبل والإستعانة بالجمال من أجل ذلك

مجموعة من السيّاح أثناء استراحتهم بعد وصولهم الى أعلى الجبل

روعة المناظر الطبيعية التي يمكن مشاهدتها من أعلى الجبل وخاصة عند شروق الشمس أو الغروب