وصايا أمير المؤمنين الإمام عليّ

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

المعلِّم والمربِّي

صامدة حيّة، لكلِّ حادثة إنسانية

بقلم الدكتور بديع أبو جودة

«إنك لعلى خُلق عظيم!»

قالها، سبحانه وتعالى، لنبي الله ورسوله.

ومن أولى بهذه الصفة، من بعد رسول الله والأنبياء والأولياء، من إبن عمه، وصهره، وأبَ الحسن والحسين، اللذين أدخلا السرور والبهجة على قلبيهما معاً ... طفلان صغيران يتسلقان اكتافهما ويداعبانهما فيهشَّا ويبشَّا فرحاً وطرباً.

وأخذ أحمد شوقي، أمير الشعراء، المعنى حيث يقول:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا!

وهذا الذي يفخر، إن سمحتم له بالكلام في مؤتمركم، تعامل في حقل التربية منذ نصف قرن ونيّف، وما وجد بين مرجعياته أجدر وأبلغ وأحق مما أوصى به الإمام علي بن أبي طالب عن كيفية تنشئة الأجيال، قواعد خالدة عبر الزمن على أنها مثالية صادقة لا ينتابها تحديث او تطوير او تبديل.

وصمدت فكانت بذلك حيّة صالحة لكل حادثة إنسانية، فيها الموعظة والنصيحة، أمارة لنا لدرء عاديات الزمن والتغلب عليها ... توصياتها: ضمان رضى الله والنجاح، وتثبيت لمشيئته تعالى ودعوة لكل مأثرة وفضيلة ومبّرات.

وكم نحن بحاجة الى اشاعة مضمونها، وإيصال مكنوناتها إلى من كلهم آذان للسمع، وقلوب للتفقه أو إرادة للتطبيق.

ونِعْمَ من اتّبَعَ الهدى والحكمة والفضل ...

فهاكه يرسم لنا الطريق:

إجتهاداً: «فعليكم بالجدِّ والاجتهاد والتأهب والاستعداد».

ايمانيا:« الله، عزَّ وجل، جعل مكارم الأخلاق صِلة وصل بيننا وبينه».

دينياً: ويروح أبعد دينياً:« ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه، قبله، بعده وفيه».

صُن النفسَ واحملها على ما يزينها

تعش سالماً والقول فيك جميل

تربوياً: «كفى بك أدباً لنفسك ما كَرِهتهُ من غَيرك».

«راع أباك يراعك ابنك».

«من لانت كلمته وجبت محبته».

صحياً وبيئياً:

«كثرة الطعام تميت القلب

كما كثرة الماء تميت الزرع»

حقاً وعدالة:«اشترِ الحق واتبعه وكذا الحكمة والادب والفطنة».

وكلمة الحقِّ هذه : فلتكن أيضاً في الرضا والغضب.

اجتماعياً:«ما جاع فقير إلا بما مُتِّعَ به غني».

سياسياً:«أشقى الرعاة، من شقيت به رعيته».

وإذ يستعمل«ميكافيلي»الوصولية المادية، والانانية والكذب والخداع، ضارباً عرض الحائط بالشرائع والقوانين، دَيْدَنُهُ: الكسب فوق كل ثمن، وبلوغ السلطة فوق كل حساب.

نرى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، يُنذِرهُ وينذرنا وينذر قَوَّامين كثراً على دول مُغتصبة:

«دولة الباطل ساعةٌ، ودولة الحقِّ، الى قيام الساعة!».

ويعود بنا الى أحدث اساليب التربية وأُسسها العلمية:

تربوياً:«لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم لأنهم خُلِقوا لزمان غير زمانكم».

صدقت يا إِمامنا:«لا لباس أجمل من العافية، والتقوى والورع».

وأُظنَّك تلمح الى العافية الجسدية وراحة البال والفرح الداخلي.

دنيا وآخرة: وما أبلغه وأسماه وأعمقه يجمع بين الحياتين الدنيوية والأخروية:

«إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»

عتاباً ومحبة:

«عاتب أخاك بالإحسان إليه

واردد شره بالإنعام عليه»

ويعلمنا ان نكون مثله القدوة والمثال! ويربأ بنا أن نكون مثل هؤلاء النفعيين الذين لا يفقهون معنى للصداقة الصادقة، والنبل في التعامل:

« ما أكثر الإخوان حين تعدهم

ولكنهم في النائبات قليلُ

وبتواضع كبار العلماء:

ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي

والنصحُ أَرخصُ ما يُباع ويوهبُ

عفوك، يا إمام: فنصحك وتوجيهاتك أَثمنُ ما وهبت!

ورفعت مستوى الانسان: «هامةُ المرءِ: همته وقيمته!».

وشَرَّفتَ كل مهنة، «وكل مهنة شريفة»، شرط أن نوليها كل شغفنا والضمير المهني والجودة والإبداع عظَّمت العلم والعلماء: تعلموا لفظ «المعلم» معناه الحقيقي كما ورد في الكتب المنزلة:

«وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»؟.

حبذا لو نتبع هذا الصراط المستقيم وننطلق للتنفيذ في كل أمر، لكان ذلك فاتحة عهد جديد يعيد لوطننا وللأمة الأمجاد، وللإنسانية كل السعادة والازدهار، تحت سقف الإيمان والحقّ والحرية والرحمة والعدالة.

هكذا أرادها ورسمها بحكَمه، وأمثاله، وقصائده والخلقية، إمامنا، المتعدَّد المواهب، عميق الرؤى، سويِّ النهج، وبليغ الأداء علي!

وهل أبلغ من عليّ، وتعاليمه؟!