بيت المقدس تاريخاً وحاضراً

22/1/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

 

بقلم: الشيخ محمد حسين عمرو

 

بيت المقدس» أو المسجد الأقصى» القبلة الأولى للمسلمين وثالث الحرمين وهو من المساجد التي تُشَّد الرحال إليها.

 

القدس عاصمة السماء وبابها، فمنها صعد السيّد المسيح t إلى السماء الأولى وإليها أُسريَّ برسول الله wومنها عرج إلى السماء فوصل إلى \"قاب قوسين أو أدنى\" وفيها يمَّم الأنبياء وجوههم إليها وكانت محطتهم ومنزلهم ومدفنهم، القدس هي المكان المقدّس لدى كل الديانات السماوية لأنّها أرض مباركة هي ومن حولها، وبحسب النّص القرآني والحديث النبوي.

 

القدس هي مجمع الأديان ولهذا تكالب عليها الملوك والفراعنة والمستكبرون وعاثوا فيها فساداً وتدميراً وطرداً لسكانها، منذ آلاف السنين وحتى تاريخنا هذا وقد هيمن الشيطان وجنده على ربوع القدس ومحيطها ليمنع إنبثاق فجر الدين ووحدة المتدينين الحقيقيين في مقابل الكهنة وتجار الدين والملوك والمستكبرين، ولكن الله أعَّد للقدس مُستقبلاً زاهراً بحيث ستشرق منه شمس الدين الحنيف عندما يهبط السيّد المسيح t ليُلاقي بقية الله في أرضه الإمام المهديّ r وينطلقان من المسجد الأقصى لينيرا الأرض كل الأرض بنور الله وعدله وسلامه ويمحوان فساد الملوك والمستكبرين والطواغيت وتجار الدين الطائفيين.

 

هذا وعد الله في التوارة والإنجيل والقرآن، وإنَّا لنراه قريباً.

 

البيت المقدس عبر التاريخ:

 

هي من أقدم المدن في العالم حيث يعود تاريخها إلى أكثر من (4500) سنة.

 

وقد سُميت بأسماء متعددة أولها يبوس» نسبة إلى اليبوسيين وهم أجداد العرب، ثم مدينة داوود أورشليم وإيليا والبيت المقدس والقدس.

 

مساحتها 126 كلم وارتفاعها عن سطح »م.» تقع ضمن سلسلة جبال الخليل بين البحر الأبيض المتوسط والطرف الشمالي للبحر الميت.

 

تعرضت للتدمير عدّة مرات بسبب تنازع الملوك عليها، وهي مكان مُقدّس لكل الأديان السماوية.

 

توالى عليها ملوك وأُمم بدءاً من اليبوسيين ثم الكنعانيين وبعدها جاء النبي داوود فحررها واتخذها عاصمة له وكذلك فعل ولده النبي سليمان o.

 

وبعد فترة أحتلها نبوخذ نصر الفارسي سنة  586 ق.م.» ثم عاد وأحتلها الإسكندر المقدوني سنة332» ق.م. وسنة 63 ق.م.» أحتلها الرومان وقد أمر الإمبراطور هادريانوس بتدمير معالمها وأقام مكانها مستعمرة سماهاإيليا كاتولينا».

 

وسنة 335م.» أعتنق الإمبراطور البيزنطي قسطنطين المسيحية وقامت أُمه ببناء كنيسة القيامة. ومن بعدها تعاقب عليها ملوك الفرس وملوك بيزنطية ودمرت بسبب تلك الحروب وبقيت كذلك حتى افتتحها المسلمون سنة636م.»(15 هجرية)، حيث قاد الفتح يومها الخليفة الثاني عُمر بن الخطاب في قضيّة مشهورة. وقد أعطى أهلها الآمان  والوثيقة العمرية خير شاهد على ذلك».

 

وبقيت آمنة حتى سنة 1099م. حيث جاءها الصليبيون وعاثوا فيها فساداً، وقد إستطاع صلاح الدين الأيوبي في سنة 1187م. استردادها وتخليصها من الصليبيين وإعادتها إلى أهلها، وبقيت معهم حتى جاء وعد بلفور سنة 1917م. والاحتلال البريطاني الذي مكن الصهاينة اليهود من الاستيلاء على المدينة سنة 1936م.

 

وقد عمل الصهاينة مذ ذاك التاريخ وإلى الآن على تغيير الملامح التاريخية للمدينة وإزالة الآثار واختراع تاريخ جديد وقد طردوا الجزء الأكبر من سكانها الأصليين، ووضعوا مكانهم مستوطنين جاؤوا بهم من أصقاع الأرض الأربعة.

 

بيت المقدس في عهدة المسلمين:

 

لبيت المقدس مكانة خاصة جداً ومقدّسة في أذهان المسلمين كافة فهو القبلة الأولى وفيه المسجد الأقصى وهو المسجد الذي يُشدُّ إليه الرحال وفيه قبة الصخرة ومسرى النبيُّ مُحمّد w ومعراجه وصعود المسيح t.

 

أهتم المسلمون جميعاً بمدينة القدس وأماكن العبادة فيها وآثارها من الأمويين وحتى العثمانيين، اهتموا بالترميم والبناء والصيانة واعتنوا بها عناية جيدة.

 

وقد حوّل المسلمون القُدس إلى مركز قضائي وإداري وبنوا فيه الكتاتيب والتكايا والأربطة (جمع رباط).

 

وقد أمّه الكثير من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ففي سنة 34هـ. أستلم الصحابي عُبادة بن الصامت القضاء والتعليم وكذلك الصحابي شدّاد بن أوس (سنة 58 هـ.)، وقد دفنا هناك في مقبرة باب الرحمة.

 

وبرز من العلماء الذين عملوا ورابطوا في القدس:

 

مُقاتل بن سليمان» المفسّر.

 

الإمام الأوزاعي بن عبد الرحمن بن عمرو.

 

الإمام سفيان الثوري.

 

الإمام الليث بن سعد.

 

الإمام محمد بن إدريس الشافعي (أحد أئمة أهل السنة الأربعة) وغيرهم الكثير الكثير.

 

وقد كانت أزقة وحارات القدس أماكن للعبادة والاعتكاف والتصوف وَبُني فيه الكثير من الزوايا والتكايا والمساجد والأربطة.

 

وأخيراً إن وعد الله حقٌ وسيعود الأقصى وبيت المقدس وكل الأراضي المُسلمة إلى أصحابها الأصليين.

 

وسيخرج القائم المهديّ r ويهبط السيد المسيح t، ليملأ الأرض مع المهديّ المُنتظر قسطاً وعدلاً ويُطهّر الأرض من رجس المستكبرين والطواغيت.

 

وقد وعدنا الله ورسوله بدخول تلك الأرض المُقدّسة وقد قال w: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ عزّ وجلّ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».

 

والحمد لله رب العالمين.