الشاعر نجيب علي حيدر أحمد - ورعيل الأوفياء الأوائل

18/5/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم الأستاذ علي حسين عوّاد

الشاعر الشعبيّ الكبير نجيب علي حيدر أحمد مواليد علمات 1924م. والده الأستاذ الشاعر علي خليل حيدر أحمد. درس في بلدته علمات من خلال مدرستها الرسميّة على يديّ إمام البلدة في الثلاثينيات من القرن الماضي العلاّمة الشيخ محمود عبّاس العامليّ، ثُمّ على يديّ فضيلة الشيخ إبراهيم داود خاتون العامليّ، ثُمّ على يديّ والده الأستاذ علي خليل حيدر أحمد، ثُمّ على يديّ الأستاذ سعيد أبو غنّام من كفرحيم.

تأثر شاعرنا بوالده الذي كان شاعراً شعبياً مشهوراً. وكان يُعبِّر عن الشاعر الشعبيّ بالقوّال. حيث كان القوّال حينذاك يتقدّم الجمهور في مناسبات الأفراح والأتراح.

القوّال يَنْدبُ في الأحزان ويحدو أو يحدي وأمّا في الأفراح فكان أهالي البلدة ومعهم رهط من الرّدادين وأمامهم رجل متين البُنيّة يسمونه حمّال البيرق وكان البيرق يحمله المرحوم محمد ديب عوّاد أبو زيدان وينادونه أبو الفردين حيث كان يحمل على خصره مسدسين ويشارك المرحوم عليّ خليل حيدر أحمد في الندب أو الحداء.

في هذا الجو الشاعريّ نشأ المرحوم نجيب حيدر أحمد ومع تحصيله العلميّ الثقافيّ دخل معترك الحياة الإجتماعيّة، فكان له حضوره المميّز والمحبّب.

دخل المرحوم نجيب سِلكَ الأمن الداخليّ وكان مِثال الرجل العصاميّ ذي الأخلاق العاليّة، وقد صقلت مناقبيته التربيّة العلمانيّة الشفافة، وسطعت مناقبيته في مسيرته النهضويّة في الحزب السوريّ القوميّ الإجتماعيّ.

بعد نهاية خدمته العسكريّة، عُيِّن مرشداً زراعياً في مكتب الحرير، فكان يزور القرى اللبنانيّة التي تُرَبي دودة الحرير في أيام الربيع وقد كنتُّ صغيراً فكان يأتي مُتفقداً موسم الحرير عند أُمي وخالتي وجيراننا في علمات، حيث كنت أُحبُّ أن أتكلّم معه واستمع إلى حديثه اللائق اللطيف.

نجيب ونشاطه الشعريّ.

سبق أن قلنا أن والده كان قوّالاً، فلا شك أن الابن أول المتأثرين بوالده، كنت صبياً في العاشرة من عمري، شاهدت الشاعر نجيب لأوّل مرة في ليلة عرس المرحوم عادل حيدر أحمد أبو نادر وهو صهر المرحوم نجيب، شاهدت الشاعر يغني في ليلة زفاف شقيقته في ملعب مدرسة علمات الرسميّة في أوّل الستينيات من القرن الفائت (1961م.) تقريباً. يغني الأغانيّ الشعبيّة حيث كان نجم السهرة كيفما تحرّك وغنّى وتهلل. أُعجبت به كثيراً، إعجاباً كان له الأثر الكبير في حياتي.

إنّ نجيب حيدر أحمد شاعر شعبيّ من الطراز الأوّل تميّز شعره بالرقة والعذوبة إلى جانب صوت شجي يطرب الإذن ويدخل الوجدان وتستقر المعاني في الفكر بما لشعره من سبكٍ متين وثقافة رائدة في الإطلاع والمعرفة المتأنية المتجذّرة بسائر الأديان والحركات الإنسانيّة منذ بداية الكون إلى زمانه.

كان نجيب حيدر أحمد شاعراً منبرياً فذَّاً، اعتلى منابر الشعر الشعبيّ العتابا والمعنّى والقرّادي والندب والحداء وسجّل الكثير من الأغانيّ في الإذاعة اللبنانيّة في الستينيات من القرن الماضي، وقد حفظت له بيتاً من العتابا غناه في الإذاعة اللبنانيّة يقول فيه محاوراً شاعراً كان مشاركاً معه آنذاك في الإذاعة اللبنانيّة:

أنا للحُبْ عِندِي غيرْ مَعنَى

عشِقْ ليلى وقيس عاش مع نَاي

يُحبْ الحقْ إنو يعيشْ معنا

ويكُنْ راضي الهُدىَ وشرع الكتاب

لقد كانت له صولات وجولات مع جوقات الشعر الشعبيّ، فأحبّه الكثيرون وخاصة ذواقةُ الشعر، وما زال ذكره يردده الكثيرون في جميع المناطق اللبنانيّة، فاقترن اسمه مع عاطف الحاروفيّ ورفعت مبارك والشاعر الفلسطينيّ الملهم أبو علاء الحسون يوسف.

لقد كان الشاعر نجيب حيدر أحمد الشاعر الرحالة في جميع المناطق اللبنانيّة فحيثما تزور المناطق يسألونك عنه في تُلهف واشتياق. أذكر أنني كنت في زيارة لمكتبة الأديب مارون عبود في عين كفاع استقبلني قرب منزل الأديب شخص لا أعرفه سابقاً.

استقبلني بكل احترام حينما عرف أنني من بلدة علمات، من بلدة نجيب حيدر أحمد جلسنا على شرفة منزله، وهو السيّد ميشال عبود، بداية سألني عن المرحوم نجيب حيدر، كان ذلك صيف عام 1992م. وقال: على هذه الشرفة كنا نلتقي مع نجيب حيدر ونسهر بحضور نخبة من الشعراء ويطول السهر حتى الفجر مع الشعر المتنوع، وقد امتاز شعر نجيب بالرقة والوجدانيّة والأصالة اللغويّة والبلاغة الفنيّة بالبعد الفكريّ المطلع بعمق على التراث الإنسانيّ والحضارات البشريّة.

فألف تحيّة لك يا نجيب وأنت باقٍ فشمسك لا لن تغيب لأنّك من رعيل الأوفياء الأولين.

توفاه الله تعالى في التاسع عشر من شهر ايلول عام 1983م. في بلدة حوش الرافقة البقاعيّة عند أرحام زوجته بعد صراع مع المرض.. وقد وفقني الله تعالى لكتابة قصيدة في رثائه قرابة مائة بيت من الشعر قلتها في ذكراه جاء في خاتمتها:

في دُروبِ الثائرينَ

نَهْضَويٌّ في الكِفَاح

قدْ رَفَعْتَ الصوتَ تدعو

قَاوِمُوا حتى الفَلاحْ

قاوِموا التطبيعَ ثُورُوا

يَكْفِ ذُلاً وَانْبِطَاحْ

لن تَعودَ القدسْ حُرةً

إلا في ظِلِّ السِّلاح

قاوِموا عَصرَ التحدِّي

واعصِفُوا في كل ناح

حرروا الأرضَ السِليبة

وارفعُوا عنها الجِراح

واستعيدوا مجدَ شرقٍ

مُشرقاً في كل سَاح

إنها دَرْبُ المقاوم

دربُ عزٍّ وانفتاح

غابَ من كان طليقَاً

شاعراً فضِّ السَّراح

---

حينَ تأتِيهِ القوافي

بلسَمُ العلات شَافي

هو قوّالٌ مجيدٌ

من حواشيه القوافي

من عليٍّ بَحرُ علم

بل حكيمٌ كالرصافي

عن أبٍ حُرٍ كريمٍ

لا يُعادي لا يجافي

يجتني ارثاً ثميناً

شعرهُ كالنهر صافِ

باقياً فينا نجيب

عن حِمانا لن يَغِيب

طَيفُهُ باقٍ ويبقى

بَوْحَ رَيَحانٍ رطَيب

كُلَّمَا الأيامُ مَرَّتْ

يبقى في البالِ قَرِيْب

كلماالأعوام كرَّت

يبقى في القلب حبيب

في رحاب المجدِ حَلَّقْ

شمسُكَ لا لن تَغيب

في عُلا الجنَّاتِ رَفْرفْ

شمسُكَ لا لن تغيب

أنا أهديك سَلاماً

عَاشِقاً أرضَ الخَصِيبْ