واقعة كربلاء في ضوء القرآن الكريم

20/1/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم مستشار التحرير الدكتور عصام العيتاوي

قال تعالى ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (1)، وعليه فهل ذكرت واقعة كربلاء في القرآن؟ والجواب بشكل بديهي نعم؛ لأنه لا يخالف النّص ويتوافق معه. إنّما بذل الجهد يستوجب الاستنباط مقابل الطرح، حيث جاء في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (2) فمن هاتين الآيتين تستخلص تسعة أسئلة يمكن طرحها للإجابة عليها تدريجاً:

يسألونك عن الشهر الحرام.

القتال فيه.

الصدُّ عن سبيل الله والكفر به.

السؤال عن المسجد الحرام.

الاستمرارية القتالية ضدّ الحقّ وأهله.

بقاء الإيمان إلى يوم القيامة، لن يستطيع أهل الباطل إطفاءه.

الإرتداد عن الدين كفر وإحباط للأعمال الحسنة كلها.

الهجرة إلى الله، والجهاد في سبيله، مُنتهى الرحمة والمغفرة في الآخرة.

أولاً: السؤال عن الشهر الحرام، المحرّم فيه القتال، خرج الإمام الحسين) t من المدينة قائلاً «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا فاسداً، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بالحقِّ فالحقُّ أولى أن يتبع ومن ردَّ عليّ اصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم الظالمين (3)». والخروج عن الطاعة ليس ثورة كما هو المشهور باعتبار أن الخروج عن طاعة الوالي الخليفة يعني أن الأخير لا يقوم بحكم الله كعملية إستخلاف في الأرض، أما الثورة فهي القيام بمبادئ جديدة ونظام جديد ضد مُمثّليهما ومحاولة لتغييرهما بغيرهما.

وحيث ان بني أُمية ممثلين (بيزيد عصره)، الذي تبوأ الحكم جراء تعيينه من قِبل والده معاوية بن أبي سفيان، الذي جعل الحكم ملكياً، وقلده ولده نصباً وتنصيباً، خلاف كل من سبقه من الخلفاء، رامياً النّص القاضي بتعيين الخليفة الرابع كما يفسره من أراد ذلك، فقاتله في معركة صفين ما أدى بعد التحكيم إلى اغتياله في محرابه وهو قائم يُصلّي في مسجد الكوفة في العراق، أمام الله وبعينه ارتكبت أعظم جريمة ومكيدة بقتل الامام علي t، بعد رسول الله w. ومن بَعدُ سُمِّمَ ولده الامام الحسن من قبل معاوية بواسطة جُعدة ابنة الأشعث التي منّاها معاوية إن قتلته زوّجها ابنه يزيد، فلما حصل له ما أراد، تراجع كعادته في عهوده السابقة، كما فعل بشروطه مع الامام الحسن t، بعد تآمره على المسلمين بقوله: ما شرطته للحسن فهو تحت قدمي هاتين، وإني ما قاتلتكم لتصلّوا وتصوموا، وأنا أعلم منكم ذلك، ولكن قاتلتكم لأتآمر عليكم.

وهذه هي غلبة الباطل، فلم يزوج معاوية جعدة لإبنه يزيد خوفاً عليه من حمقاء مثلها، قتلت خير البّرية في عصرها، ليقتل يزيد خير البرية في عصره الإمام الحسين t ظلماً وعدواناً. ولتتوالى عمليات الحقد والكراهية الأموية على وحدانية الله طلباً للعودة إلى عبادة الأصنام التي كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية، وفي غالبية بيوتاتها أكانت من خشب أو حجر أو تمر، والتي كانت في العادة تستغل بحسب الحاجة إليها. ونستنتج مما تقدم أن البُعد السياسي في حكومة بني أمية وحكامها إلا ما ندر في حالة معاوية بن يزيد حفيد معاوية الذي ما ان نطق بالحقِّ بإعادة الحكومة إلى أهلها في بيت رسول الله w، حتى اغتيل صبيحة مقولته، بعد أن عيّرته أمه بقولها: «يا ليتك كنت حيضة ...».

ثانياً: القتال فيه: والشهر الحرام هو محرّم بدء السنة الهجرية من الأشهر الثلاثة الحرم، كان العرب قبل الاسلام يُحرّمون فيه القتال، فأمضاه رسول الشريعة مُحمّد w، على ما هو عليه من الحرمة والتحريم، فجرى حكم الدين عليه كما هو. لكن يزيد نكث وعارض حكمين، حكم جاهلي وحكم إسلامي، ما يدلُّ على أنه لا ينتسب لا للجاهلية بتقاليدها، ولا للإسلام بأحكامه. ما أدى إلى خروج الحسين t، وما حصل له في كربلاء جرّاء القتال فيه وهو مُحرّمٌ قطعاً، عرفاً وديناً، ليعيد قصداً المجتمع الإسلامي إلى ما قبل الجاهلية الأولى، وما قبل الاسلام، حسداً وغروراً بنفسه وآبائه الأولين الذين أسسوا صناعة الأصنام والأوثان، وناصروا الشرك وعاشوا الفساد وماتوا عليه، ومن تبعهم حتى عصرنا هذا، ممن يكيدون كيداً ويبطنون غير ما يظهرون قاتلهم الله أنى يؤفكون.

ثالثاً: الصدُّ عن سبيل الله: وهو منع كل من يقع تحت ايديهم، من عبادة الله، والسير على الجادة المستقيمة، مع ما يرافق ذلك من النفي من البلاد، والتضييق وحرمانه من أدنى حقوق الإنسانية، والتنكيل به وبعياله وسلبه كل ما يمتُّ اليه بصلة، ودعوته قهراً للكفر بالله وبرسوله ومبادئه كلها، والصدُّ عن الأخلاق والقيم، والعيش عبثاً في دنيا يزعمون ان ليس بعدها شيئاً كما يُصرِّح بذلك أجدادهم: إن هي الا حياتنا الدنيا، نحيا ونموت وليس بعدها شيء.

رابعاً: المسجد الحرام في مَّكة وإخراج أهله: أهل المسجد الحرام هم الرسول مُحمّد w وأهل بيته، وفي زمن الاخراج، كان الحسين t سبط الرسولw، أهل الحرم وركنه الأساس بعد جدّه وأبيه الامام علي t وأخيه الامام الحسن t، ومن أهله أنصاره ومحبيه واصحابه الخُلّص لله ولرسوله w، وهل كان مع الحسين t، غير ذلك! وهذا الإخراج القسري أكبر من الكفر بالله، أي إضمار غير ما يُعلن وهو الكفر الخفي، وفي هذه الحالة بالذات هو الكفر الخفي والظاهر مُتحدين وهو أكبر من الكفر نفسه، أن تخون الله بالّذين فضلهم الله على سائر العالمين لإيمانهم وعلمهم، وأن تقتلهم ظَلماً وعدواناً وتنّكل بهم بعد ذلك.

خامساً: إستمرارية القتال ضد الحقِّ وأهله: ما زال المسلمون الحقيقيون يتعرضون لليوم جميعاً، لحملات مسعورة مُخططة أينما كانوا، وما زالت القوى الفاسقة تتعدى على الشعوب الآمنة والمؤمنة تحتلها، تسلب ثرواتها، تنتهك أعراضها... وهي تتغنى بالديموقراطية في بلادها، وتمارس الديكتاتورية في شعوب غيرها. تدّعي الحرية والمساواة والعدالة، وتمارس القهر والتفريق العنصري والإضطهاد للآخرين. وما دولنا بأجمعها إلا مُستعمرات تحت الطلب يدخلها المستعمرون في الوقت المطلوب، وخير دليل على ذلك، ما جرى للعراق، وسوريا، وليبيا واليمن، وما جرى ويجري أخيراً في لبنان والحبل على الجرار لا يقف عند حد كما جرى في جمهورية إيران الإسلامية، وابعد من ذلك الحرب الثقافية القائمة في مناهج دول العالم الثالث كلها، فهي لا تنتج علماً، ولا يسمح لها حتى بالتفكير الإنتاجي لتبقى الذريعة الغالبة للغرب الغاية تبرر الوسيلة قائمة في كل مجالات الحياة.

سادساً: سيبقى الإيمان لن يستطيعوا القضاء عليه: إن الشعوب المحتلة نحن، غنية بالإيمان، ومحررة به، وإن كانت مستغلة بحكومات الظل وتوجهات رؤسائها الخارجية، فإن ذلك لن يطول، وإن الإيمان الذي لا يعترض على هذه السياسات محبذ ومطلوب من الغرب الذي يشجع على الانخراط أكثر فأكثر في الحركات الإيمانية البحتة، والصوفية العامّة، إنما الإيمان الرافض لأدنى بدايات القهر والغلبة، فهو مرفوض من قبلهم، وغير مرحب به، وكذلك الذي يتعارض مع رغباتهم، غير مؤهل ومرغوب به، وهم يرددون مع معاوية: آمنوا ما استطعتم وصلّوا ما قدرتم وصوموا ما حملت قوامكم ذلك، لكن لا تقربوا المطالبة بالحرية فنحن نضمنها لكم ونحن المسلطون بها عليكم، ( وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (4) ( فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (5).

وكما جاء في الحديث الشريف «أقلَّ الإيمان بالتغيير بالقلب» ولن يستطيع أي محتل في العالم مهما كانت قوته، أن يدخل القلب وينتزع إيمانه حتى ولو اتحد الباطل في العالم على ذلك، وسيبقى الإيمان هو المقدّمة الأولى للحرية والقضاء على عبودية، سوى الله بعونه تعالى.

سابعاً: الارتداد عن الدين كفر به، وإحباط للأعمال الحسنة كلها: التدين فطرة وغريزة موجودة في الانسان العاقل، الاعتقاد بوجود خالق للسموات والأرض إيمان، وأن نُرجِع الاسباب كلها إلى سبب واحد مهما سميناه إيماناً أيضاً. أما أن نرجع كل الأمور المنظمة إلى المادة الصمّاء، والصدفة المحتملة فهذا خلاف أدنى مستويات القدرة العقلية، ونكران الجميل المنطقي. والأكبر من كل هذا الكفر بعد الإيمان، والزيادة في الكفر كفر جديد كذلك، واشراك كبير بالواحد الأحد، وذلك منتهى الضلالة لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ )(6) (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(7).

ثامناً: الخلود في النار لأعداء الدين وأهله: ليست الحياة عبثاً، للعيش والموت فيها فقط، بل هي امتداد ومقدّمة لحياة ثانية، كما أجمع على ذلك غالبية أهل العلم والفلسفة منذ بدء التاريخ العقلي، وإلا فما معنى أن لا يقدم إبن آدم هابيل على مقاتلة أخيه قابيل، ولم يبسط يده لا للدفاع عن نفسه ولا لقتله كما جاء في القرآن الكريم قال هابيل (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ )(8).

وما معنى أن يُقتل ظلماً أنبياء الله ورسله الصالحون، وما معنى أن يستشهد الإمام الحسين t، في واقعة كربلاء عام 61 للهجرة، 680 م، ويقتل ولده حتى الرضيع منهم، وأن ينكّل بإخوانه من أبيه ابو الفضل العباس وجعفر وعثمان وعبد الله وكل أصحابه الاثنين والسبعين رضوان الله عليهم، وما معنى ان تسبى إبنة أمير المؤمنين علي t، السيدة زينب مع نساء أهل التقى والإيمان والدين والأخلاق... وما معنى أن يستشهد الامام علي t، في محرابه في الكوفة من أرض العراق غدراً، وغيره الكثير الكثير، تُرى هل انتهى كل ذلك في حينه، وطويت ورقته للابد، أم أن هناك حساباً لا ريب فيه، لكل من اقترف وسيقترف ذنباً مهما صغُر حتى في حقِّ نفسه، فكيف في حقِّ غيره، أم أن الله غافل عما يعمل الظالمون.

فلا شك مطلقاً، أن لكل نفسٍ حساباً خاصاً، ولكل نَفَس حسابه في كوكبنا، وأن العذاب والنار هما عاقبة المُعتدين عند خير الحاكمين، سواءً اقترفوا الذنب عن عمد أو خطأ، ولكل حسابه المقدّر، فكيف إذا فعلوا وهم غير عابئين بتعاليم الشريعة، ومن بلّغها من لدن آدم t، أول البشر إلى خاتم الرسالات السماوية مُحمّد w، حتى قيام القائم من آله الهادي المهديُّ الذي سوف يقيم دولة العدل بعد أن تُملأ جوراً. وعلى ما اقترفت كل يد ولسان من سوء، عقاب ما اقترفوه، والخلود في النار والعذاب الدائم لأهله، والخلود في الجنة لأصحاب الجنة، جزاء أعمالهم الصالحة ورحمة ربهم مصداقاً لقوله تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ )(9).

تاسعاً: الهجرة إلى الله والجهاد في سبيله، يؤديان الى الغفران والرحمة: الهجرة هي الانتقال من مكان إلى آخر لمأرب خاص، فكيف إذا كانت لله، وفي سبيل الحقّ والإصلاح في أُمّة رسول الله، كالهجرة التي قام بها الإمام الثالث من أئمة أهل البيت i الحسين بن علي o. في سبيل الحق، والله هو الحقُّ. التي بدأها هجرة إلى مّكة للحجِّ، ثم قطعها رغماً عنه للدفاع عن عقيدة جدّه في الواقعة التي شهرت أرض كربلاء على مر الزمن والدهر. الهجرة التي ضحت بالنفس والنفيس لبقاء الدين الشريعة الى الله عز وجل، وحفظه من اي قدر من الإنحراف، الذي عملت عليه عصبة من قريش أولاً وبنو أمية ثانياً، وبنو العباس ثالثاً وكل من أراد كيداً لله أخيراً. وقد خاطب الله تعالى المستضعفين في الأرض قائلاً:(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) (10).

وهل من هجرة أفضل لحفظ الإيمان، التي توجب ترك كل مهم، من أجل الأهم، فالتضحية بالنفس والأهل، هي تضحية لأعزِّ ما نملك في سبيل من يملكنا.

وإنّه ليس من الصدف، أن يهاجر إمامنا الحسين t، هجرة خوف إلا على دين جده من التغيير والإندثار تحت عادات وتقاليد وأعراف وقيم ومعايير الجاهلية القديمة. فهاجر من المدينة إلى مّكة التي لم تنصره، عكس هجرة جدّه من مكة إلى المدينة التي نصرته، ولم يجد بمّكة أنصاراً فتركها مُهاجراً إلى حيث أتته كتب الأنصار التي وجدها سراباً في قتل ابن عمه مُسلم بن عقيل في الكوفة. وهذا ما اضطره حتى لا تنتهك بقتله في مّكة فهاجر ليُجعجع فيه بأرض كربلاء، ويقتل وأهله وأصحابه عُطاشى بالقرب من نهر الفرات، ثم يمثل بأجسامهم وتقطع رؤوسهم وتحمل إلى الطاغية يزيد في قصر الإمارة في الشام، وتسبى عيالهم كالعبيد إلى المكان نفسه، كإعلان عن الشماتة الجاهلية بالقضاء على دين مُحمّد w، الذي كان طري العود.

ولعلَّ هذه الأبيات التي تَمثَّلَ بها يزيد بن معاوية خير دليل على ما تقدّم وهي قوله:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جَزَعَ الخَزرج من وقع الأَسلْ

قد قَتلنا القَرمَ من سَادَاتِكُمْ

وَعَدلنَا مَيلَ بدرٍ فاعتَدَل

فأهلوا واستهلّوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيدُ لا تُشل

لست من خندقٍ إن لم أَنتقم

من بني أَحمدَ ما كان فَعَل

لعبت هاشم بالملكِ فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نَزَل (11)»].

وهكذا بقيت الكعبة بهجرة الإمام الحسين t، منها، وعدم قتله كما قال يزيد بن معاوية عندما أنفذ عمر بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم وأمِّره على الحاج كلهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسين t، سراً وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة. ثم دسّ مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلاً من بني أمية وأمرهم بقتل الحسين t، على أي حال إتفق. فلما علم الحسين t، بذلك عزم على الخروج من مكة، وأحلّ احرامه وجعلها عُمرة مفردة، مخافة أن يقبض عليه أو يقتل (12).

ما اضطره إلى تركها، وفك ثياب احرامه في حجته في شهر من الأشهر الحرام ذو الحجة، وجعلها عُمرة مفردة، والهجرة إلى أرض كربلاء ليجعل منها ربوة في الصعود إلى السماء، ولينصب فيها علماً مضرجاً بالدم الزكي يبقى مزخرفاً لكل أبيّ آمن بقضيته وعمل على بقائها رغماً عن عوامل الزمن، وطي الأيام، وسطّر فيها أكبر شهادة عنوانها الإخلاص لله واستقامت شريعته في الأرض، بكربلاء البقعة الأرضية التي غدت فوق الجنان المقدّسة، تعانق السماء فخراً، بالدماء التي جبلت بين حباتها فأضاءت لأهل الأرض والسماء فقدستها الناس والملائكة أجمعين، وستظلُّ كربلاء حتى قيام الساعة المحلَّ الأسمى والمعقل الأجلّ التي يتعلم فيها القادة والأبطال والثوار المقدّمات التي تبقي علم الحرية مرفوعاً، يشعشع نوراً لكل ذي بصر، ويبعث الأمل في النفوس الأبية لكل ذي بصيرة.

                             والله على كل شيء قدير.

                             والحمد لله رب العالمين

الهوامش:

1.       (1) سورة الانعام، آية 38.

2.       (2) سورة البقرة، آية 217-218

3.       (3) الطبرسي، «مجمع البيان»، ج1، ص 57.

4.       (4) سورة التوبة، آية 32.

5.       (5) سورة يوسف، آية 64.

6.       (6) سورة آل عمران، آية 90.

7.       (7) سورة التوبة، آية 32.

8.       (8) سورة المائدة، آية 28.

9.       (9) سورة المؤمنون، آية 115.

10.     (10) سورة النساء، آية 97.

11.     (11) «المجالس العاشورائيّة في المآتم الحسينيّة »، للشيخ عبدالله آل درويش        القطيفي. ص 714، دار المحجّة البيضاء ـ بيروت، الطبعة الأولى 2011م.

12.     (12) الأمين، محسن، «المجالس السنية»، ج1، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ص 59.