قصة قصيرة: زرع القدس

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

الأستاذ هيثم عفيف الغداف

وعند الأبواب، حارت ثم دارت، تراقب من كل الجهات، فأنىّ عساه أن يكون جهاد. لم تكن الأبواب مؤصدة ولا الستائر مسدلة، فما بقي عليها الا أن تلقي ولو بنظرة يتيمة عند نافذة المطبخ، وكما هي الحال، الغيم يرزخ لم يبرح من مكانه، أما شعاع الشمس فخرق صمت الضباب هنيهة واكتفى.

ليس لجهاد مقصد بعد البيدر سوى الأريكة الخشبية تحت أوراق السنديان، وليس له همس إلا في الشكوى على حبات البلوط المترامية على قبعة القش قربه على المقعد أو على رأسه الحالم؛ ولولا الغضب المتفجر سباباً على كوكب زحل، ما سمع له صوت إلا في ما عدا دندنات الأنغام في مناغاة العود على ألحان السنباطي وكلمات رامي في كوكب الشرق.

لم يحضر جهاد وبقي الحال كذلك سنوات عجافاً، سألت عنه رهاف في كل الأرجاء حتى في الرجاء، خبراً من زوار حيفا والشام ومن عرب الحجاز، لم تجد الجواب. كذلك عند فوانيس الليل في البحار، لم يذكر منهم خبراً الا، كان.

بقي الغياب لغزاً يحمل معه الغضب على زحل، حتى أتى شيخٌ كهلٌ بمرور السنين يحدث عن شاب في مقتبل العمر اسمه جهاد، عبر في ما مضى خلف تلك التلال، حاملاً في جعبته حفنة تراب وجمة زعتر وورق حبق ندي وعند سؤاله «يا مسهل»، أجاب متبسماً: الى القدس، أحمل زرعاً، أغرسه في جوار الزيتون والغار، وبعدها أصلي في جبل موسى ومهد عيسى ومعراج أحمد.

مكث جهاد ليلته الأولى على درب القدس عند الشيخ، وجلً ما نطق به بين الحين والآخر، تكبيرات الإحرام في الله أكبر حتى ارتسم أرجوان الصباح فوق البيدر.

همّ في الصباح يودع ضيفه ويستمهله للفطار فاعتذر وأومأ الى حبتين من الصنوبر قد أينع البرعم في طياتها، فغرسها في التراب الى يوم مقدر، والثانية أغمدها في كف الشيخ ومضى. هدأت رهاف أملاً بفجر جديد يطل به جهاد من البعيد، عندها حدثها الشيخ عن زرع أمسه البعيد، ها قد أينع اليوم عند البيدر القريب ويثمر في ذكرى الحبيب. أما عن الحبيب فقد وردني من حجاج المقدس أنه سعى الى القدس يزرع وكان حب الارض أقوى عليه من نفسه فعاد اليها من حيث صلى ثائراً ومعلماً، تطوف روحه بين القدس والأقصى.

اغرورقت عينا رهاف بالدمع وصادف أن كان يوماً ذا رعد وبرق، فصاحت بأعلى صوتها الى السماء، يا ربي أحملك سلامي، لجهاد في القدس. هدأت السماء وارتعدت وأرخت الغيم ثقالها فوق وادي قرية عين الدار. لم يقوَ كل من الشيخ ورهاف الا على الجلوس بخشوع عند مقاعد الأريكة الخشبية لكن حتى أوراق الشجر اهتزت وربت أرضاً تحت أقدامهما، فاذا بالشيخ العتيق ينهزم أمام غزارة الدمع على وجنتيها الرهاف وراح يناجي ربه في السماء بسره حتى لاحت شمس النهار الى الدلوك، فاذا به همّ مودعاً وأشار بسبابته اليمنى الى التل الشرقي وخاطبها قائلا: هناك الزرع أثمر، وستعبر القوافل تحدث عن أسطورة هزمت بذارها أعتى الرياح وأكثر. هذا جهاد وتلك الشجيرات في قدسه تتفيأ وها هو سور القدس بالغار يتكلل. هذا زرع القدس بالأخضر يتكلل...