الآخر في مفهوم الثّورة الحسينيّة

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

بقلم العلاّمة الشيخ محمد علي الحاج العامليّ

استفاض العلماءُ والمفكرون في الحديث عن معاني الشّهادة والتّضحيّة والإيثار في الملحمة التّاريخيّة التي سطّرها الإمام الحسين t، واتّجهت أقلامُ الكتّاب للتّركيز على الأبعاد السيّاسيّة للثّورة الحسينيّة الهادفة لإصلاح المجتمع العربيّ والإسلاميّ وقتذاك...

ولا داعي لمعاودة إثارة هذه المواضيع الّتي أبلى علماؤنا فيها بلاءً حسناً؛ بل أجدني مضطراً لإثارة قضيّة أكثر إلحاحاً في عصرنا الرّاهن، مع تزايد التّعصب والتخلّف... حيث استعِار حِدّة الطائفيّة بين فِرق المسلمين... وعلى الرّغم من كل الدراسات والأبحاث الّتي تناولت فلسفة الثّورة الحسينيّة، ومعانيها السّامية، ودروسها العظيمة، لكن تبقى مفاهيم «احترام الآخر» و «التّعاطي برسالية وتقوى» و«تقبُّل الآخر ولو كان خصماً» هي مفاهيم ذات فائدة ميدانيّة مهمّة للغاية، لا سيّما في زمننا الرّاهن!!

فالإمام الحسين، سلام الله عليه، قدّم نموذجاً رائداً في أخلاقيات الاختلاف وحتى لو وصلت الأمور الى مستوى العنف والإرهاب والإبادة الجماعيّة الّتي شهدتها ساحة كربلاء في العام ٦١ للهجرّة!

فكلّ هذه المأساة كانت بالنسبة لآل البيت (ع)، شكلاً من أشكال الواجب، فلم يحقد الإمام على أيٍّ من أخصامه، وبقي محافظاً على الآداب الّتي ترّبى عليها في كنف جدّه المصطفى ووالده المرتضى، فلا حياة تغريه، ولا سلطة دنيويّة تجعله يبدّل مبادئه.

كان جُلّ طموحه كيف يُصلِح هذا المجتمع المريض، وبقي الإمام t ـ مع كل ما جرى ـ يعتبرُ أنّ عليه مسؤوليّة كبرى تجاه خصمه، كل ذلك لأن الدّين في مفهوم آل البيت (ع)، أنّه الحبّ (وهل الدّين إلا الحبّ؟).

كما قال أحدهم، ولأنّه لا يغيبُ عن فكر الحسين t أنّه مسؤول عن تربية المجتمع وتصويب مساره، لا سيّما في الدّين الإسلاميّ الّذي نصّ على أنّه: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، فإذا كان مطلق فرد يتحمل مسؤوليّة في الدّين الإسلاميّ فكيف بالدور المطلوب من ابن بنت رسول الله w ؟؟!!.

لذا حصلت معركة كربلاء وآل البيت (ع) يرددون: (هوّن بي أنه نزل بعين الله)... ثقافة مدرسة الحسين وزينب المستقاة من تعاليم النبيّ الأعظم w، والّتي تتسم ليس بتقبُّل الآخر فحسب، بل بالمسؤوليّة الشرعيّة تجاه من نختلف معه ونعاديه، بل حتى تجاه من نقاتله، ونختصر هذه التّعاليم النبويّة العظيمة بالإمام عليّ بن الحسين (سلام الله عليه)، حيث يقول: والله لو أنّ قاتل أبي الحسين استأمنني على سيفه لأمّنته)...

فعلى الرغم كل ما جرى في كربلاء، فإن تربيّة وثقافة وفكر الإمام عليّ بن الحسين تفرض عليه التّحلي بمنتهى درجات الورَع، تعبيراً عن مدرسة آل البيت النّبوي الكريم.

وبكلمة أخرى، إنّ قيمة الحسين t، وانجازاته التّاريخيّة في كربلاء لا تكمن في القتال حتى الشّهادة فقط، بل تكمن القيمة الحقيقية في جهاده الأكبر، فالقتال على أهميته، لكنّه يبقى جهاداً أصغر، وأمّا الفكر والروح وتربية النّفس وتهذيبها فهو الجهاد الأكبر على حدّ تعبير رسول الله w، وهذا ما لا يتسنى للجميع، بخلاف مُجرد القتال الّذي يسهل القيام به لمطلق فرد، ولذا فهو الجهاد الأصغر.

ختاماً، هذه هي الأخلاق الّتي يجب على المسلمين ـ بجميع فرقهم ـ الاحتذاء بها، والسيّر على هَدْيِها، حينذاك نكون نحيي الذكرى الحسينيّة بالفعل لا بالقول، ونكون نعيش عاشوراء بقيمها لا بشعاراتها، فتضحيات الإمام الحسين t، وأهل بيته في كربلاء أمانة في أعناقنا، وعلينا أن نحمل الأمانة بشكل يليق بالتضحيات الجِسام لآل البيت (ع).