تربية وتعليم: دورالمعلمين والمدارس في المجتمع

15/4/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم المرّبي الأستاذ داود حمادة

1ـ أهمية التربية ودورها:

إنَّ كلمة تربيّة، لا تعني تحصيل المعرفة بقدر ما تعني تنمية وعي المواطن وإرساءً لمبادئه وإنماءً لإنسانيّته وبناءً لشخصيّته؛ وبناء هذه الشخصيّة لا يقتصر على تحصيل المعلومات وتخزينها؛ بل يعتمد على استيعابها واستغلالها وجعلها ملائمة للمجتمع ومواكبة للعصر. لذا تبرز حاجتنا لسياسة تربويّة واضحة قائمة على فلسفة محدَّدة الأهداف، لتكون التّربية في خدمة المجتمع وملبيّةً لحاجاته؛ وتحديد الهدف يوفّر الكثير من الوقت والجهد.

2ـ هل تتجرّأ المدارس على تأسيس نظام إجتماعي جديد؟

إنَّ المدرسة بمعلّميها وطلاّبها، هي، في عُرفِ واعتراف الجميع الظّاهرة المضيئة في محيطها ومركز الإشعاع في وسطها، لأنَّ أفرادها هم من النخبّة؛ هذه النّخبة التي تشارك النّاس في حياتهم، وقد لا يستطيعون أن يشاركوها في رؤاها. لذلك يمكن للمعلّمين بوضوحِ رؤاهم وبعد نظرهم أن يعوا إلى نظام إجتماعيّ جديد ينسجم مع المصلحة الوطنيّة العليا، لكنَّ القوانين وتسلّطها، والرّوتينيّات ورتابتها، والشّكليّات وصنميّتها؛ كثيراً ما تعرقل في تأسيس هذا النّظام الجديد؛ وترى أنَّ معظم البلدان، يكون وراء تأسيس النّظام الإجتماعيّ فلسفة سياسيّة معيّنة، تتشعّب من هذه الفلسفة، فلسفات عديدة: (اقتصاديّة واجتماعيّة وتربويّة)، والفلسفة التربويّة تقوم على الأساليب والوسائل وطرق التَّدريس والمنهاج. كل هذه الفلسفات تحدُّ من دور المعلّمين وتجعلهم مضطرّين أن يتحرّكوا بوحي منها، أو ضمن إطارها. فلذلك يبقى دور المعلّمين في حدود الدّعوة والتَّمنّي والرّجاء. ويجب أن يكون اتّصال دائم ومباشر بين المعلّمين والمواطنين من ناحية وبين المعلّمين والمسؤولين من ناحية ثانيّة؛ وعلى المعلّمين أيضاً أن يحصلوا على ثقة المواطنين والمسؤولين معاً.

وهنا يبرز سؤال جديد، هو:

3ـ هل يتجرّأ النّظام الإجتماعيّ أن يؤسِّس نظاماً تربويّاً جيّداً؟

هناك الكثير من الأنظمة الإجتماعيّة العالميّة، تجدُ فيها أنظمة مدرسيّة تختلف عن غيرها في باقي البلدان؛ لذلك يمكننا القول، أنَّه بإمكان الأنظمة الإجتماعيّة التي تعيش في ظلّ نظام سياسي واعٍ وهادف، أن تؤسّس نظاماً مدرسيّاً ينسجم مع قناعات وكفاءات المجتمع.

كما نلاحظ النّظام الأميركي في الجامعات، حيث يقسّم مراحل التّعليم إلى فصول دراسيّة وليس إلى سنوات، كما هو متّبَع في نظامنا، ومن حسنات هذا التّعليم، أنَّه يسمح بفرز المستويات والتّجانس بينها، أكثر من غيره؛ حيث نستطيع أن نصنّف التّلامذة في نهاية كل ثلاثة اشهر بدلاً من أن يحصل هذا التّصنيف في نهاية كلِّ سنة.

وجملة القول أنَّه ليكون عندنا سياسة تربويّة هادفة وبناءً لخطّة؛ من الضّروري، أن يكون هناك تلازم بين النّظامين، ليكون النّظام المدرسي صورةً عن النّظام الإجتماعيّ وترجمةً لطموحاته وملبِّياً لحاجاته، حيث يترتّب على ذلك: (تنويع الإختصاصات والإتّجاه العملي فيها). وهكذا فعل رُوّاد البراغماتيّة في أميركا أمثال شارلز بيرس ووليام جيمس وجون ديوي.

ويجب أن يسمح النّظام الإجتماعيّ بالوقت نفسه للنّظام المدرسي أن يتخطّى الأُطر المألوفة والخطوات المعروفة لدفع النّظام الإجتماعيّ خطوةً إلى الأمام، لأنّه يتحتَّمُ على التّربية أن تلعبَ دوراً مهمّاً في عمليّة التّغيير والتّطوير، ولا تكون أسيرة أعراف وتقاليد وقوانين، بل تتصرّف بمسؤوليّتها الأدبيّة لا بمسؤوليّتها القانونيّة فحسب، لتكون التّربية عندنا كما في معظم البلدان المتقدّمة إسماً ومسمّى وليست مجرّد شعار، عنوانه أكبر من مضمونه، وتقتصر على التّلقين والتّعليم وتخزين المعلومات؛ فالتّربيّة أكثر من ذلك؛ بل كانت وما زالت إرساءً للمبادئ وإنماءً للإنسانيّة وبناءً للشخصيّة.

وإذا أدركنا ما للتّربية من دور، فإنّنا ندرك أنَّ هذا الدّور، مطلوب له قائد ورائد يقوم به ويؤدّيه، وليس سوى المعلّم في مدرسته الذي يتمكّن من تأديته بحكمِ مسؤوليّته وكفاءته.

4ـ دور المعلّم في عملية التطوير والتغيير:

ليس بالقليل هذا اللقب، فإنّ السيد المسيح نفسه t، عرف بهذه الصفة.

أليس المعلّم في اتصال دائم ومباشر مع جميع طبقات المجتمع بواسطة تلامذته الذين ينتسبون إلى جميع هذه الطبقات؟

أليس هو مربي الأجيال الصاعدة الذين هم الغد والمستقبل؟

بلى! إنّه كلّ ذلك وفوق ذلك،ولكنّه مع الأسف لم يستطع أن يلعب هذا الدور كاملاً لأنَّ سلطة القوانين وتسلّطها جعلته أسير نصوصها، ترصد تحرّكاته وتحصي عليه أنفاسه؛ لنجده كلّما حاول الدعوة إلى تغيير أو تطوير يتعثّر في تحرّكاته كما يتعثّر الطفل في خطواته؛ فهو إن أوحى بمبدأ يتعارض مع مبادئ أخرى، أو أشار بمنهج لا يرتاح إليه فريق ما، أو لمّح بإنتقاد بنّاء، قد يزعج بعض الإتجاهات؛ يصنّفونه ويعطونه هويّة جديدة، ويحوّلونه إلى محكمة الشعب الساذج الجائزة؛ بإضافة إلى أنَّ الدولة تفرض عليه المنهج فرضاً، من غير أن يؤخذ رأيه في ذلك، فيقتصر دوره فيه على نقله وتلقينه للتلاميذ. ونأتي إلى المنهج فنجده بعيداً كلّ البعد عن جوّنا الإجتماعي والوطني. ( لنأخذ مثلاً على ذلك منهاج الأدب؛ فنجد أنّ معظم شخصياته لا علاقة لها في همومنا؛ فنحن مثلاً لا زلنا ندرّس المتنبي بقيمته الشعريّة المتصلة بحاضره، ولم نطرح على أنفسنا السؤال عن قيمته الأدبيّة والفكريّة والإنسانيّة بالنسبة إلى حاضرنا نحن).

فطالب المدرسة يجب أن يحسّ حاضره من خلال منهجه حتّى يتمكّن من تطويره والمساهمة في بناء غده الذي يشرف عليه هذا الحاضر.

فالتغيير والتطوير في المجتمع لن يكون إلاّ بعد أن يسبقه تطوير وتغيير في المناهج وطرق التدريس، وتطوير المناهج لن يكون بواسطة اختصّاصيّين في التربيّة فحسب، بل يجب أن يشركوا المعلّمين وطلاّب الجامعة والمثقّفين من الأهل ليتلاءم التعديل مع الواقع ويتخطّاه إلى واقع منتظر، فيستطيع بذلك المعلّم أن يساهم في حلّ مشكلات المجتمع المحلّي والوطني. وبهذا يكون ـ من حيث لا ندري ـ النظام التربوي في خدمة المجتمع. وهذا لا يعني أننا قد رفعنا كلّ مسؤولية عن المعلّم، بل يتحمّل القسم الأكبر منها. فكثير من المعلّمين، يعلّمون رفعاً للمسؤولية القانونيّة دون أن يهتمّوا بالمسؤوليّة الأدبيّة في تأدية رسالتهم، فتتحوّل الرسالة إلى مهنة، ويتحوّل المعلّم إلى أجير. ومعظم المعلّمين وخاصّة في المدن يقضون سنوات في مركزهم دون أن يتصلوا أو يتعرّفوا على أولياء أمر تلامذتهم، فأي تغيير وتطوير سيحاوله هؤلاء المعلّمون؟ يجب أن يكون للمعلّم دور اجتماعي في الإرشاد والتوجيه لا يقلّ كحدّ أدنى عن دور المرشد الزراعي وغيره من المرشدين مثلاً.

وأخيراً بعد أن عرضنا دور المعلّم في عملية التغيير والتطوير في المجتمع في حال توافرت الظروف الملائمة له، وما دام أننا وجدنا دوره يسير في اتجاهين: (تعليمي أكاديمي واجتماعي)؛ نتساءل على أي اتجاه يجب أن يركّز؟

أولاً وأخيراً، نحن نتحرّك ضمن دوائر هذا المجتمع، ابتداء من دائرته الصغيرة (العائلة)، وصولاً إلى الدائرة الكبرى (المجتمع العام) لذلك نرى دور المعلّم، وهو يركّز على المهارات الفكرية والمهنية، يكون في الوقت نفسه في خدمة المجتمع؛ لكنّ هذه الخدمة تتغيّر نسبتها بين مرحلة وأخرى؛ ففي المراحل الإبتدائيّة والمتوّسطة يغلب على دور المعلّم الإتجاه الأكاديمي وبعض النشاطات الثقافيّة المحدودة والرحلات. ولكن في المرحلة الثانوية ومن ثم الجامعية، عندما يصبح الطلاّب يتحسّسون مشاكل المجتمع ويعيشونها ويعالجونها في معظم اختصاصاتهم، قد يصبح دور المعلّم الفردي محدوداً ولكن بالتعاون مع طلاّبه يصبح أقدر على حلّ مشاكل المجتمع، حيث تقوم الدراسات والأبحاث بإشرافه لوضع حلول ثابتة ومدروسة لهذه المشاكل.

5ـ تقويم عامّ:

وبالنتيجة، وبعد أن حاولنا أن نجد في بعض ملاحظاتنا الكاشفة طمأنينة الجواب لقلق كلّ سؤال؛ نجد أنّ التربية عملية تفاعل مستمرة في هذا المجتمع الكبير، ما كان يصلح في الماضي قد لا يصلح للحاضر، وما يصلح للحاضر قد لا يصلح للمستقبل. كما أنّ نسبة التغيير تختلف من مجتمع إلى مجتمع ومن فرد إلى آخر. وكلّ واحد منّا (معلّم ومتعلّم)، يستفيد ويفيد، يأخذ ويعطي؛ وحسب الإنسان أن يستمرّ في العطاء ويرغب فيه؛ وحسب المعلّمين أن يكون قدرهم أن يعطوا أضعاف ما يأخذون، يأخذون الخبز الذي يحيي جسد الإنسان، ويعطون ما يبني الإنسان بعقله وروحه، بحاضره وغده.