سانت فاطيماأو القديسة فاطمةعنوان من عناوين التلاقي المسيحي - الإسلامي

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

عنوان من عناوين  التلاقي المسيحي - الإسلامي

بقلم مدير التحرير المسؤول الدكتور الشيخ أحمد قيس

قال تعالى:}... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون وإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ{ صدق الله العظيم (المائدة / 82 و 83 ).

العلاقة بين المسيحيّة والإسلام في الجانبين الفكريّ والإنسانيّ علاقة وثيقة تقوم على أساس المودة والإحترام المتبادلين. وهذا العمق بتبادل الإحترام والتقدير برز منذ بزوغ فجر الإسلام المحمدي w، وكانت طلائع بداياته من خلال هجرة المسلمين من مكة الى الحبشة بزعامة جعفر بن أبي طالب (رض) ، وذلك بعد إضطهاد قريش للمسلمين، آنذاك طلب النبي w، من جماعة المسلمين التوجه الى الحبشة حيث ذلك الملك النصراني الذي لا يُظلم عنده أحد ، كما عبّر عن ذلك الرسول الأعظم w. وتبلورت بعدها بشكل أوضح من خلال زيارة وفد نجران من القساوسة والرهبان للنبي w، وما جرى من أحداث خلال هذه الزيارة ، كما أنها إتضحت بشكل جليّ وأقوى من خلال زواج النبي w بتلك السيدة الجليلة النصرانية مارية القبطية المعروفة بـ أم إبراهيم، والتي أضحت من بعد هذا الزواج المبارك إحدى أمّهات المؤمنين رضوان الله عليها.

والتاريخ الإسلامي حافل بالعديد من المواقف المشرقة في العلاقة المشتركة بين المسيحيّة والإسلام.

ولعل من أبرز هذه المواقف وهذه العلاقة القائمة على المودة والإحترام، زواج الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ بالسيدة الجليلة مليكة أو نرجس النصرانية والذي أثمر هذا الزواج المبارك عن ولادة الإمام المهدي r، الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وهذا ما يعتقده جميع المسلمين.

وأيضاً، لا يعني ذلك أن التاريخ المشترك بين هاتين الديانتين لم تشبها شائبة، بل إن هنالك العديد من المحطات والفترات كانت حبلى بالخلافات والصراعات، والإقتتال نتيجة الأطماع السياسية، والخلافات الشخصية، والتي استعمل فيها الدين كمبرّر ومحرك للمشاعر. وبما أن الإنسان هو الإنسان ذاته بغض النظر عن الزمان الذي يعيشه، وبما أن الأطماع هي نفسها في كل زمان ومكان بغض النظر أيضاً عن التسميات والعناوين، سنجد في كل آن وحين هذه المواقف بشقّيها الإيجابي والسلبي حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

لذا من الواجب بالحد الأدنى على المسلمين والمسيحيين المثقفين نشر مفاهيم الود والإحترام والتلاقي من خلال التركيز على النقاط المشتركة والإيجابية بينهم.

ومن هذه النقاط المشتركة، والمواقف الإيجابية، مقام القدّيسة فاطيما في البرتغال.

فما هي قصة هذه القديسة؟ ولماذا حملت اسم فاطيما؟ وبعبارة أخرى: ما هو السّر من وراء ربط إسم هذا الصرح الدينيّ المسيحيّ العامر والمقصود من أنحاء العالم بهذا الإسم الإسلاميّ المقدس الخاص بسيدة نساء العالمين u؟.

المكان: تقع مدينة فاطمة أو ( فاتيما ) في نطاق بلدية أوريم وعلى بعد 123 كلم تقريباً من العاصمة لشبونة في البرتغال، وفيها يقع دير وكنيسة ضخمة أنشئت عام 1928م، ويبلغ ارتفاع البرج فيها حوالى 65 م.

ويعتبر هذا المكان رمزاً دينياً مهماً وخاصة عند المسيحيين الكاثوليك الذين يتوافدون لزيارته على مدار العام في الثالث عشر من شهر أيار من كل عام لأسباب ستتّضح في سياق البحث.

وهذه المدينة ذات طابع قروي حيث تمتاز بوجود سلسلة جبال وهضاب من حولها تكسوها الأشجار والخضرة على مدار العام، ويمتاز مناخها بالطبيعة المتوسطية المعتدلة حيث تميل درجات الحرارة في الصيف الى الإرتفاع والى برودة معتدلة في فصل الشتاء مع طقس جميل ومعتدل في فصلي الربيع والخريف. ولم تكن هذه المدينة أو (القرية) سابقاً تحظى بأي إهتمام نتيجة لبعدها عن مركز العاصمة من جهة، ولصغر مساحتها وقلة القاطنين بها من جهة أخرى، حيث تنقل معظم الروايات أن عدد قاطنيها لم يتجاوز الخمسة والعشرين منزلاً بالحد الأقصى. وذلك قبل العام 1917م. أي قبل تلك الحادثة التي غيّرت وجه تلك القرية الصغيرة الوادعة والتي جعلت منها مدينة كبيرة تعتبر حالياً من أهم المدن البرتغالية، كما أنها تعد من أهم المدن المقصودة للسياحة الدينية، وخصوصاً عند المسيحيين من جميع أصقاع العالم.

الزمان: شهدت البرتغال نقلة نوعية في العام 1910 م. وذلك بعد الإطاحة بالنظام الملكي واستبداله بالنظام الجمهوري المتأثر الى حدٍ ما بأفكار الثورة البلشفية، وبقي هذا النظام الجديد غير مستقر نسبياً الى أن استبدل بالنظام الديكتاتوري والذي عرف بديكتاتورية (استادو نوفو) بعد الحرب البرتغالية الإستعمارية، وفي أجواء هذا الإنتقال السياسي الجديد للبرتغال وتحديداً في 15 أيار1917 م، حصلت في هذه البقعة الجغرافية والتي تعرف بفاطيما حادثة دينية تمثلت بظهور متكرر لسيدة جليلة في السماء على ثلاثة أطفال يرعون الأغنام، وهم: لوسيا دو سانتوس والتي كانت تبلغ من العمر 11 عاماً، وأولاد عمتها فرانشيسكو مارتو 9 سنوات، وشقيقته الصغرى جاسنتا مارتو 7 سنوات.

وقد طلبت هذه السيدة الجليلة من هؤلاء الأطفال ملاقاتها في نفس المكان والزمان من كل شهر حتى تخبرهم بما تريد منهم، وبالفعل وبحسب الروايات تجدد هذا الظهور والتجلي كل شهر ولمدة ستة أشهر متتالية، حدث في الأخير منها أمرٌ سماوي مهول، أو ظاهرة فلكية غير عادية تمثلت باقتراب الشمس من الأرض أو العكس بحيث تبدو للناظر إليها كأنها ستقع على الأرض، وقد وثقت هذه الظاهرة بتاريخ 13/10/1917 من قبل الجموع الغفيرة التي كانت محتشدة آنذاك ومن خلال الصحافة المحلية وخاصة جريدتي «ديلي نيوز» و«أوسيكيول».

وفي خلال هذه الظهورات الستة لهذه السيدة على الأطفال أخبرتهم جملة مواضيع عرفت لاحقاً باسم الأسرار الثلاثة، والتي سنستعرض بعض ما جاء فيها في سياق البحث.

ولاقت أخبار هذه الظهورات والتجليات اهتمام المسيحيين الكاثوليك بصورة رئيسية وخاصة من الإيطاليين والإسبان، واتفقوا على بناء كنيسة ضخمة في موقع التجلي أو الظهور وذلك في العام 1928 م بمساعدة الشاهدة الوحيدة الباقية من الأطفال الثلاثة وهي لوسيا دو سانتوس وذلك بعد وفاة فرانشيسكو وأخته جاسنتا بوباء الأنفلونزا الذي اجتاح أوروبا عام 1919 م، في حين كبرت ابنة عمها لوسيا، ودخلت الدير ودرست الكهنوت، وأصبح اسمها الأخت لوسيا.

شيدت هذه الكنيسة الضخمة على التلة التي حدث فيها الظهور أو التجلي، وأصبحت مركزاً دينياً لباقي القرى، وأطلقوا عليها إسم (كنيسة القديسة فاطمة). وهي ما تزال لتاريخ اليوم تحمل هذا الإسم وقد أضحت هذه المدينة تعرف باسم مدينة القرية فاطيما. وعليه، وبناءً على كل ما تقدم، ما هو السبب من وراء هذه التسمية المباركة التي جمعت بين المسيحية والإسلام؟.

والجواب على هذا التساؤل سيتضح بعد استعراض الآراء المختلفة حول هذا الأمر والتي لا تتجاوز الأربعة، وهي على الشكل التالي:

الأول: نسبة إلى قصر سكنته أميرة تدعى فاطمة سبيت بعد اندحار النفوذ الإسلاميّ عن تلك البلاد.

الثاني: إدعاء السيدة التي ظهرت للأطفال بأن اسمها فاطمة ومن هنا كانت التسمية بالقديسة فاطمة.

الثالث: عدم صحة كل هذه الأقوال حيث لم تحصل أي معجزة أو حالة تجلي، وهذا ما يشابه ما قاله أبو سفيان عدو النبي w في معركة حنين: لا وحي جاء ولا خبر نزل.

الرابع: نسبة الى اسم القرية القديم منذ أيام الأندلس.

وللتعرّف إلى الرأي الصائب بين هذه الآراء، سنعمد الى استعراض كل رأي والتعليق عليه، لنخلص بالنهاية الى النتيجة المرجوّة من وراء هذا البحث.

ولكن قبل ذلك، فلنذهب بجولة داخل هذا الصرح الديني لنتعرّف عليه ونشاهد عن قرب محتوياته وطبيعة الطقوس الدينية التي تمارس فيه، أو عند الدخول إليه، أو في محيطه.

إن أول ما يستوقف الزائر لهذا الصرح الديني مساحته الكبيرة المزينة بالخضرة من كل جانب، كذلك الجو الهادئ والمفعم بالسكينة والوقار. فعن يمين الداخل توجد كنيسة كبيرة جداً وهي مستحدثة وتسع لأعداد كبيرة من المصلين، ويقابل مدخل هذه الكنيسة عدة تماثيل منحوتة لشخصيات دينية مسيحية يتوسطها تمثال ذهبي على مرتفع يجسد شكل وهيئة السيد المسيح t كما في المعتقد المسيحي، والى اليسار يوجد مذبح وشبه كنيسة غير مغلقة تقام فيها القداديس معظم الوقت، والى جانبها يوجد مكان خاص لإشعال ووضع الشموع الخاصة بالنذورات وما شاكل، وتقع الكنيسة الرئيسية (سانت فاطيما) على مرتفع يمكن الوصول اليها من خلال ارتقاء السلالم العريضة، وفي أسفل هذه السلالم يوجد مذبح (منبر) خارجي كبير تقام عليه القداديس بالخارج للوفود الكبرى الزائرة وخاصة بالمناسبات وفي أيام الربيع والصيف، وفي بهو الكنيسة الخارجي يوجد العديد من الجداريات التي تحاكي قصة السيد المسيح t بحسب المفهوم المسيحيّ، وهي جداريات فنية وجميلة للغاية لجهة الألوان والإتقان وعند الدخول الى الكنيسة (سانت فاطيما) المؤلفة من طابقين غير منفصلين تأخذك الدهشة، وتجذبك روعة وفخامة، وأناقة هذه الكنيسة من الداخل. إذ على جانبيها تجد الجداريات المذهبة الرائعة والتي تتحدث عن السيد المسيح t، والأحداث التي جرت معه وفق المعتقد المسيحي الخاص، كما يستوقفك جمال وفخامة وأناقة المذبح التي تجري عليه القداديس وتتلى من عليه الصلوات، والمصنوع من الرخام الفاخر والملون، ويحيط به العديد من المجسمات الخاصة بالسيدة العذراء والسيد المسيح o، وعن يمين المذبح للداخل يوجد قبر فرانشيسكو مارتو، وعن شمال المذبح للداخل يوجد قبران أحدهما لجاسينتا مارتو شقيقة فرانشيسكو، والآخر لإبنة عمهم لوسيا دو سانتوس أو الأخت لوسيا كما عرفت لاحقاً.

وهذه القبور الثلاثة هي موضع عناية خاصة واهتمام شديد من قبل جميع الزوار والوافدين، حيث يقفون على قبورهم، ويتلون لهم الصلاة أو الدعاء لراحة أنفسهم، كما يتضرعون الى الله بهم من أجل استجابة أمنياتهم وطلباتهم. إلا أن الملفت في الأمر بشكل استثنائي، تلك النذورات التي يعتقدها ويعمد إليها بعض الوافدين، بحيث أنهم يدخلون الى ساحة الكنيسة الخارجية، ومنها صعوداً على السلالم، وصولاً الى داخلها، كل ذلك زحفاً على الركبتين، وهي مسافة طويلة جداً، ومرهقة، ويحتاج معها الزائر الى مرافق يعينه أثناء تأدية هذا النذر أو الطقس.

وبشكل عام يمكن القول أن هذه الكنيسة ومحيطها واحة روحية أنيسة في جو من الهدوء والنظافة والنظام، كل ذلك يشعرك بأنك في مكان إستثنائي ومميز يأخذك بشكل تلقائي الى السماء.

وبالعودة الى الأرض، وتحديداً الى موضوع هذا البحث والآراء الأربعة التي ذكرناها حول سبب التسمية (بالقديسة فاطيما)، فيقول أصحاب الرأي الأول ما يلي: (......شنّ الجيش الأوروبي المسيحي حرباً على المسلمين لإستعادة الأراضي التي انسلخت عنهم ووقعت تحت النفوذ الإسلامي، والتي كانت تعرف بالأندلس وذلك في عام 1158 م، وفي خلال هذه الحرب على المسلمين وإجلائهم عن معظم بلاد الأندلس (ما عدا غرناطة التي سقطت في العام 1492م وكانت آخر المناطق التي تخضع للنفوذ الإسلاميّ). غنم جيش الملك الفونسو الأول من خلال هذا الإنتصار على المسلمين الكثير من الثروات، بالإضافة الى عدد من السبايا، من ضمنهم أميرة من القصر، وهذه الأميرة كانت تدعى فاطمة.

وعند توزيع غنائم الحرب على قادة الجيش المسيحيّ، كانت الأميرة فاطمة من حصة كونت أوريم (أي حاكم مدينة أوريم) ويدعى كونزالو هيرميك، الذي أجبر الأميرة فاطمة على اعتناق الدين المسيحي وفق المذهب الكاثوليكي قبل أن يتزوجها.

وبعد حصول ذلك عاشت هذه الأميرة في تلك المدينة ما تبقى من عمرها وتوفيت فيها. ولأنها اشتهرت بالثقافة والأدب، والمستوى العالي من النظافة الشخصية، وطيبة القلب، والكرم، وحسن المعشر، ولطافة الشخصية، وعذوبة اللسان سواء مع الحاشية أو مع عامة الناس أصبحت محبوبة عند الجميع، لدرجة أن اسمها طغى على اسم القصر الذي كانت تعيش فيه خارج مدينة أوريم، وأصبح الناس يطلقون اسم فاطمة على القصر والمنطقة المحيطة به، وبمرور الأيام صارت هناك قرية تدعى فاطمة. وهذه القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد منازلها 25 منزلاً كانت مجهولة تماماً من قبل معظم البرتغاليين قبل حادثة مطلع القرن العشرين أي (ظهور السيّدة) في تلك المنطقة النائية والبعيدة والمجهولة.

ويقولون أيضاً بأنه لا يعرف أحد أين تم دفن هذه الأميرة، ولم يجدوا أي قبر أو ذكر لها حتى ضمن القبور الملكية لحاكم أوريم أو ما شاكل ذلك.

وبعد حصول حادثة ظهور السيدة في تلك القرية على الأطفال الثلاثة في 13 أيار عام 1917، أخذ الناس يعبّرون عن هذه الحادثة وينسبونها الى اسم القرية، فيقولون سيدة فاطمة، أو القديسة فاطمة، أو سانت فاطيما، ومنذ ذاك الوقت ولتاريخه اصبحت هذه المنطقة تدعى مدينة فاطمة، أو سانت فاطيما نسبة لحصول هذه الحالة العجائبية في منطقة فاطمة المذكورة.

أما التعليق على هذا الرأي الأول فنقول:

إنّ هذا الرأي وللوهلة الأولى يبدو وكأنه موثق بشكل علمي ودقيق، إلاّ أن الحقيقة غير ذلك وللأسباب التالية :

1ـ ان حالة الخلط بين العلمي الموثّق تاريخياً، وبين بعض الحكايات الشعبية التي لا دليل على صحتها اطلاقاً، لهي من أخطر أنواع التضليل في كتابة المسائل التاريخية، لذا يجب على الباحث في المسائل التاريخية عدم دمج المعلومات في سياق واحد حتى تبدو كأنها مسلّمة تاريخية، كحالتنا هذه مع أصحاب الرأي الأول. حيث تمّ دمج المعلومات التاريخية الموثقة والتي تتحدّث عن سقوط الأندلس، مع الأسماء، والتواريخ، والأماكن، وما شاكل ذلك ببعض المزاعم والحكايات التي لا أساس لها كما سيتضح معنا. فإن مسألة سبي أميرة من أميرات القصر الأموي في الأندلس آنذاك لهي من الحكايات التي لا أساس لها حتى على المستوى العرفي الشعبي، وأبرز دليل على ذلك قول عائشة بنت محمد بن الأحمر المعروفة (بعائشة الحرة) لابنها أبي عبدالله محمد الثاني عشر، آخر حكام غرناطة في الأندلس وذلك أثناء خروجهم منها على متن السفن مع حاشيته كلها:«ابك مثل النساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال». وفي هذا دليل على خروج جميع سكان القصر وحاشيته برفقة الحاكم ووالدته. ولو أن أصحاب هذا الرأي تواضعوا قليلاً وقالوا بأن المسبية جارية من جواري القصر، لكان هذا الاحتمال يمكن النظر فيه للتأكد من صحته، وهو غير صحيح.

2ـ القول بأن هذه الأميرة المسلمة تمّ تعميدها وفق العقيدة المسيحية وإلزامها بالمذهب الكاثوليكي حتى يتمكن حاكم أورليم من الزواج منها لهو في غاية السخافة، اذ لا يجوز وفق العقيدة المسيحية للرجل المسيحي حتى ولو كان حاكماً من الزواج بأكثر من امرأة، وإنّ كان يستطيع أن يتّخذ العديد من الخليلات بغض النظر عن دياناتهن أو معتقداتهن. في حين أن التاريخ يذكر بأن زوجة الكونت حاكم أورليم كانت تدعى (أوريانا) وهي مسيحية.

3ـ اعتراف أصحاب هذا الرأي بأنه من غير المعروف أو المعلوم مكان وفاة هذه الأميرة الأندلسية المسلمة رغم الشهرة التي اكتسبتها وسط مجتمعها، ما حدا بهم الى اطلاق اسمها على القصر والقرية التي كانت تعيش فيهما وفي هذا دليل اضافي على إختلاف وعدم صحة هذا القول.

4ـ اعتراف أصحاب هذا الرأي أيضاً بأن هذه الأميرة كانت تعيش في قصر الحاكم في قرية نائية وبعيدة عن مدينة أورليم، والتي كانت هذه المنطقة غير معروفة وغير مأهولة بنسبة كبيرة جداً قبل أحداث 12 أيار من العام 1917، اذ لم يتجاوز عدد القاطنين بها أكثر من 25 منزلاً قروياً ولا يوجد في هذه القرية أو المحيط بها أي معالم لقصر مندثر أو ما شابه ذلك. ومن المعروف والمعلوم أن زوجة أي حاكم تسكن معه أو بجواره في منطقة الحكم فكيف له أن يسكن زوجته في منطقة نائية وبعيدة عنه دون حشم أو خدم؟ مع إدعائهم بحب الحاشية لها؟!

5ـ لو صحت هذه المزاعم وهي غير صحيحة، فكيف أن هذا الحاكم المسلم المندحر عن بلاد الأندلس لم يحاول افتداء هذه الأميرة المسلمة بالأموال، وخاصة أن العرب وفق عاداتهم الأصيلة كانوا يبذلون المهج دون الأعراض ما حدا بهم الى وأد الاناث خشية العار وذلك قبل الاسلام؟

لهذه الأسباب وغيرها الكثير نجد أن هذا الرأي لا يحاكي الواقع وهو غير صحيح، وان كان مدعّماً ببعض المعلومات التاريخية.

ـ أما بخصوص الرأي الثاني القائل بأن السيدة التي ظهرت على الأولاد عرّفت عن نفسها بأن اسمها فاطمة، فهو أيضاً غير صحيح اطلاقاً وللأسباب التالية:

1ـ ان هذه المزاعم لا تستند إلى أي دليل علمي أو واقعي بأي شكل من الأشكال، ومن أبرز مظاهر هذا النفي هو بقاء لوسيا دو سانتوس احدى الأطفال الثلاثة على الديانة المسيحية، اذ أنها دخلت الدير وتعلمت الكهنوت، ونذرت نفسها لله وتوفيت عن عمر 97 عاماً وهي ملتزمة بالدين المسيحي، ووفق المعتقد الكنسي الكاثوليكي الذي لا يتوافق مطلقاً مع العقيدة الاسلامية وخاصة لجهة طبيعة السيد المسيح t.

2ـ بحسب مجريات الحادثة فان الأخت (لوسيا) هي التي نقلت مطالب هذه السيدة الجليلة التي ظهرت لهم ، وهذه المطالب عرفت لاحقاً باسم الأسرار الثلاثة وقد نقلتها لوسيا لاحقاً الى البابا في الفاتيكان بيوس الحادي عشر ، وكلها تتحدث عن المعتقد المسيحي والدفاع عنه وعن الكنيسة، حيث جاء في جزء من السر الثاني:

«عندما ترون الليل منيراً بضياء غريب، اعلموا حينها أنها الاشارة التي يعطيكم اياها الرب، حيث أنه سيعاقب العالم عن معاصيه بالحرب والمجاعة وبالتجني على الكنيسة والبابا المقدّس».

فما علاقة هذا النص أو السر المنقول بسيدة نساء العالمين u، والعقيدة الاسلامية؟.

وفيه أيضاً :« لقد شاهدتم الجحيم حيث ستذهب نفوس الخطاة. من أجل خلاصهم، الله يريد الرحمة بالعالم من أجل قلبي المكلوم. فلو عزمت على فعل ما آمركم به فنفوس عديدة سترى الخلاص، ويكون لهم السلام. أما الحرب فستضع أوزارها. لكن فإن لم يتوقف عن التجديف بالله، تحت أمر قداسة الباباوية بيوس الحادي عشر فستستعر أخرى من جديد».

أيضاً ما علاقة هذا النص بالمفاهيم الاسلامية؟ أليس الحري والأجدى لو وجهت كلامها الى الحكام المتنازعين والمتناحرين على السلطة في العالم الاسلامي ان صح أنها السيدة فاطمة الزهراء u؟

3ـ ما ورد في السر أو الخبر الثالث، والذي وحده بمضمونه يقطع الطريق على اصحاب الرأي الثاني القائلين بأن السيدة التي ظهرت للأطفال هي فاطمة الزهراءu، حيث جاء فيه:«رأينا على جانب أمنا السماوية ملاكاً يمسك في يده سيفاً من النار يبرق ويخرج منه لهبٌ عظيم فحسبنا أنه سيهلك الدنيا ، لكن وبمجرد أن يلمس بهاء العذراء المنبثق من يدها اليمنى ينطفىء في حينها ... ورأينا العديد من الأساقفة والقساوسة والرهبان والراهبات يتسلقون جبلاً عالياً وعلى قمته يوجد صليب من جذع الشجر ... عبر البابا وبخطى ملأت رعباً وخوفاً مدينة عظيمة نصفها أطلال ونصفها الآخر مزلزل، كان يصلي لأجل الموتى الذين كانت جثثهم مرمية عبر الطريق... وبعد أن وصل الى قمة الجبل، على ركبتيه أمام الصليب الكبير، قتل على يد مجموعة من الجنود الذين أطلقوا الرصاص والسهام، وبنفس الطريقة التي توفّي، هكذا مات جميع الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات واحداً تلو الآخر أيضاً تحت ذراعي الصليب كان هناك اثنان من الملائكة مع كل واحد الكريستال في يده، والتي جمعت دماء الشهداء ومنها رشّت النفوس التي كانت في طريقهم الى الله...»

فأين المفاهيم والمعتقدات الاسلامية من هذا النص؟ وما علاقة السيدة الزهراء u به؟.

4ـ المنشأ الخاطىء لأصحاب هذا الرأي حول مسألة التسبيح اذ أن الأطفال الذين ظهرت لهم هذه السيدة الجليلة طلبت إليهم الاكثار من التسبيح لله، حيث عمد أصحاب هذا الرأي الى ربط هذه المسألة بموضوع ما يعرف بتسبيحة السيدة الزهراء u.

وفاتهم أن من ضمن الطقوس العبادية في الديانة المسيحية أن هناك مسألة تسمى بالتسبيح المريمي وهي من العبادات التي يقوم بها المسيحيون منذ نشأة الكنيسة الكاثوليكية في العام 325 م.

وللأسف الشديد تحولت هذه المسألة الى حالة من المهاترات، والسخافات، والإسفافات بين المسلمين نعرض عن ذكرها، ونترفع عنها، ودخل عليهم مؤخراً جماعة من المسيحيين في سبيل الدفاع عن السيدة العذراء u، تهكماً بالمسلمين الذين يحاولون نسب هذا الأمر اليهم.

وهذا الأمر خاطىء من أي جهة صدر، اذ أن العقائد الدينية لا تقوم على أساس المهاترات الفارغة والإدعاءات الباطلة غير المؤكدة، وعلى الجميع احترام حرية معتقد وفكر أي انسان مهما كان باطلاً هذا الفكر بحسب الآخر.

5ـ الارتكاز بشكل أساسي على الأقوال الشعبية بدون حجة أو بينة، وهذا ما لمسته شخصياً أثناء تشرفي بزيارة هذا الصرح الديني، حيث التقيت بنائبة مدير المكتبة الوطنية في لشبونة، وتدعى ماري تيريزا، حيث قالت لي بالصوت والصورة المحفوظة في الأرشيف لديّ أن قسماً كبيراً من أهل البرتغال يتناقلون أن اسم السيدة التي ظهرت للأطفال هو فاطمة وهو بدون دليل ولا برهان. كما أنني اكتشفت اثناء حديثي مع هذه السيدة انها ملحدة ولا تؤمن بشيء، وهذا الأمر من المفارقات الغريبة والعجيبة في آن معاً

لهذه الأسباب وغيرها أيضاً نجد أن هذا الرأي غير صحيح على الاطلاق، من الناحية المنطقية والاسلامية .

ـ أما بخصوص الرأي الثالث، والقائل بعدم صحة حصول الحادثة وظهور السيدة للأطفال، فهم اعتمدوا وارتكزوا بشكل أساسي على المسائل التالية:

1ـ رفضهم المطلق للفكر الديني عموماً والمسائل الميتافيزيقية.

اذ أن أصحاب هذا الرأي كانوا من اتباع المدرسة الفكرية التي قامت بها الثورة البلشفية، والتي تعتمد بشكل اساس على الفكر المادي الديالكتيكي الرافض للفكر الديني الغيبي، والذين عرفوا لاحقاً بالشيوعيين أتباع أنجلز، وماركس، ولينين، وخاصة اذا ما عرفنا أن تاريخ حادثة الظهور لهذه السيدة الجليلة كانت إبّان انتصار الثورة البلشفية، واكتساح أفكارها، وطروحاتها للعالم الغربي، ومنها البرتغال.

2ـ اعتبارهم أن نشر هذه الحادثة الخرافية بزعمهم، يهدف الى مجابهة أفكارهم وطروحاتهم المادية الجديدة، ويعمل على تقوية دور الكنيسة، واطلاق يدها في الحياة الاجتماعية والسياسية.

وقد دعموا رأيهم هذا بما جاء في مضمون السر الثاني الذي نقله الأطفال للعالم، حيث جاء فيه :«... من أجل تجنب هذه الحرب. سأطلب من روسيا التعلق بقلبي الرحيم وبجماعة المؤمنين أيضاً. فاذا تحققت مطالبي فروسيا ستقبلني ويحل السلام. واذا كان العكس فخطاياها ستعم الدنيا، مخلفة حروباً وتطاولاً على الكنيسة. يستشهد الأتقياء، ويكابد الكثير البابا... وفي الاخير، قلبي المكلوم سيعرف الإنتصار، وحينها يسخّر لي البابا روسيا بأكملها حيث ستتحول إليّ ويعم السلام بالعالم وقتها).

ومن المعروف أن الثورة البلشفية انطلقت وحصلت في روسيا بعد الإنقلاب على الحكم المسيحي القيصري، لذا اعتبر أصحاب هذا الرأي أن في اختراع هذه الحادثة محاولة لإعادة الحكم المسيحي في روسيا ومجابهة الفكر المادي الجديد .

وعليه، شهدت البرتغال عموماً، والمسيحيون خصوصاً، حالة من القمع الدموي بعد حادثة الظهور واستمر لفترة طويلة، لذا فإن بناء الكنيسة الأولى في مكان الظهور كان في العام 1928م، أي بعد الحادثة بمدة عشر سنوات، واقتصر شكل بنائها في المرحلة الأولى على شكل صغير ومتواضع الى حد ما.

3ـ قولهم بأن التركيز على إسم بابا الفاتيكان آنذاك بيوس الحادي عشر هو محاولة واضحة لتقوية شوكته وسلطته الدينية والسياسية في مقابل الفكر الشيوعي الجديد، وبالتالي لو صحت هذه الحادثة لوجب أن تكون عامة وموجهة الى كل العالم وليس الى جهة محددة حتى تستفيد منها بشكل مباشر، كما أن التركيز على مهد الفكر الجديد أي روسيا دون غيرها من البلدان الغربية هي محاولة استهداف سياسي، بلباس ديني غيبي وخرافي بحسبهم. والخطورة التي رأوها في هذا الإستهداف هي محاولة تقليب واستنهاض الجماهير في روسيا ضد النظام الشيوعي الجديد، لذا عمدوا الى تكذيبها وتسفيهها وقمعها بشتى الوسائل.

وتعليقاً على هذا الرأي نقول: صحيح أن بعض اصحاب الأنفس المريضة لطالما تاجروا بالأديان لمصالحهم الشخصية الضيقة، ولطالما استثمروا عواطف الشعوب ومعتقداتهم النبيلة بالخالق من أجل تنفيذ مآربهم ومخططاتهم، فكم من حرب شنّت باسم الله وهو تعالى بريء منها ومن أصحابها، وكم من أنفس زهقت، وأعراض هتكت، وأموال سلبت باسم الدين، والدين منها براء. والدين هنا أي دين سماوي أكان يهودياً، أو مسيحياً، أو إسلامياً. والتاريخ حافل ومثقل بهكذا تصرفات واستغلالات للفكر الإنساني وخاصة الديني.

ولمن يريد شواهد على هذا القول، فيكفيه العودة لتصفح تاريخ الرسالات السماوية وما جرى مع اصحابها وأتباعهم، ليعلم بأن الإضطهاد للفكر الديني بشكل خاص لجهة القمع أو التحريف أو الإستثمار ليس بشيء جديد، وسيبقى كذلك، لأن الإنسان هو الإنسان بخيره ونبله، وشروره وأطماعه، وأهوائه الدنيوية الرخيصة.

وأيضاً، صحيح أنه لطالما شنّ أصحاب الهوى، والآراء، والأفكار المغلوطة، والناقصة، حروباً على الناس وأزهقوا أرواحهم، وهتكوا أعراضهم، وسلبوا أموالهم، ودمروا حضاراتهم، بعناوين شتى واهية وخاطئة، بدليل أنهم كانوا منذ فجر الحضارة الإنسانية وليومنا هذا يعملون على ذلك وفشلوا رغم كل جبروتهم وطغيانهم، والسبب من وراء فشلهم هذا، أن ما يرتبط بالسماء يبقى أبداً يرتقي رغم كل العواصف والأعاصير التي تحاول تشتيته أو طمسه.

فهل استطاعت كل هذه الآراء والنظريات إبعاد الناس عن الخالق؟ وسيبقى هذا الصراع قائماً بين الأرض والسماء حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وبناءً على ما تقدم، فإننا لا نعتقد بصوابيّة هذا القول وهذا الرأي، وإن كان يحمل في طياته تأويلات لبعض الأحداث بشكل علمي وجدلي فيه شيء من الخبث.

ـ وأما بخصوص الرأي الرابع، والقائل بأن هذه الحادثة حصلت في منطقة تحمل إسماً إسلامياً مباركاً منذ أيام الأندلس، وهذا ما نذهب إليه ونتبناه بقوة، ودليلنا عليه بالشكل التالي:

1ـ جرت العادة في الإجتماع الإنساني وخاصة في بدايات تكوّن وتشكّل المجتمعات الصغيرة أن ينسبوا أنفسهم تارة الى جهة معنوية كإنسان معين، وهذا ما عليه ديدن القبائل والمجتمعات الإنسانية في بداياتها، مكونة من مجموعة قبائل بشرية متناسلة من بعضها، أو متحالفة مع غيرها. أو الى جهة مكانية، كجبل أو وادٍ أو نهر أو بئر أو ما شاكل ذلك. وهذا ما اكتشفه علماء الإنسان أو الإنتربولوجيا وأكدوا عليه.

وفي كثير من الأحيان تغزو بعض القبائل بعضها الآخر، وتسيطر عليها، وعلى ممتلكاتها من أراضٍ وأموال وما شابه ذلك. وعليه يتغير الإسم الأول المعروف للقبيلة المغزية مع مرور الزمن، ليحمل الإسم الجديد للقبيلة الغازية، وهكذا دواليك.

وإذا ما أردنا أخذ بعض الشواهد على هذا الأمر: فإن بلاد غالة القديمة كانت تشكل القسم الأكبر من البلدان الأوروبية التي تحمل أسماء مختلفة حالياً. كذلك الأمر بالنسبة الى أرض الحجاز، التي أصبحت مجموعة بلدان وممالك في عصرنا هذا.

وأيضاً بلاد الشام التي كانت تشمل كلاً من لبنان، والأردن، وفلسطين، وصولاً الى جزيرة قبرص.

لذلك كان من عادة الفاتحين أن يضموا البلاد المَغزِية الى سلطانهم وإعطائها أسماء جديدة، كحالة الإسكندرية في مصر، حيث حملت إسم الإسكندر المقدوني، وبقيت لتاريخنا هذا تعرف به، ولا أحد يعلم اسم هذه المنطقة قبل الإسكندر من غير المتخصصين بالأركيولوجيا، أو علم الآثار والحضارات القديمة.

وفي ذات السياق، الأمر نفسه حصل مع هذه المنطقة ، التي حملت إسم فاطمة في البرتغال.

فعندما فتح المسلمون بلاد الأندلس (اسبانيا القديمة) أيام الدولة الأموية على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير عام 711م، في أواخر أيامها قبل هزيمتهم أمام الدولة والخلافة العباسيّة، فرّ إليها عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك والملقب بـ(صقر قريش) والمتوفي في العام 788م.

وأسس بالأندلس دولته البعيدة عن النفوذ العباسي، وفي المائة سنة الأولى من قيام الحضارة الإسلامية والعربية في الأندلس، إزدهرت فيها العلوم والآداب، والعمارة والفن، وبلغت حالة متقدمة من التمدن الحضاري، وعليه أصبحت الدولة الأموية في بلاد الأندلس، مركزاً حضارياً كبيراً في غرب العالم الإسلامي. واستمر الأمر كذلك حتى سقوط غرناطة آخر الممالك الإسلامية في بلاد الأندلس عام 1492 م.

وفي هذه الفترة الطويلة من الحكم العربي والإسلامي لهذه المنطقة، حصلت العديد من التغيرات الديموغرافية والجغرافية في تلك البلاد. ومن الطبيعي جداً أن تحمل هذه المناطق في الأندلس أسماء عربية أو إسلامية ، والشواهد على ذلك كثيرة جداً ليومنا هذا. وزيارة واحدة الى معالم تلك البلاد الأثرية تجدها ما تزال تحمل أسماءها العربية والإسلامية.

ومن ضمنها موضوع بحثنا هذا. فإن هذه القرية الصغيرة والنائية كانت تحمل إسم فاطمة الإسلامي منذ بدايات الفتح العربي للأندلس، والدليل الإضافي والشبه الحاسم على هذا الأمر، أن المنطقة الملاصقة والمتاخمة لقرية فاطمة ما تزال تحمل إسم محمد الإسلامي كما هو ظاهر في الصورة المرفقة، والتي تشير الى المنطقة بإسم محمد أو المحمديون باللغة البرتغالية ليومنا هذا.

وعليه يكون الأمر على الشكل التالي: بعد حصول الحادثة في 13 ايار من العام 1917 في تلك المنطقة بغض النظر عن صحة حصولها من عدمه، نسبت تلك الحادثة الى اسم المكان الذي حصلت فيه ، وأخذ الناس يرددون موضوع هذه الحادثة وينسبونه الى المكان، فيقولون: أعجوبة فاطمة، أو تجلي السيدة في فاطمة، أو سانت فاطيما أي ظهور وتجلي السيدة العذراء في قرية فاطمة. وكلمة سانت يعني قديسة، أو ولية بالتعبير الإسلامي والعربي.

وعليه فلا يبقى مجال للتشكيك أو التأويل خلاف هذا، وخاصة أننا قد استعرضنا كل الآراء الأخرى.

والنتيجة تكون: أن هذا الصرح الديني الضخم هو مسيحي الهوية بإمتياز، وشيّد في منطقة كانت تحمل إسماً اسلامياً مباركاً وهو فاطمة، فالسلام عليك يا سيدتي ومولاتي يا مريم العذراء يا أيتها الطاهرة والممتلئة نعمة من الله، والسلام عليك يا سيدتي ومولاتي يا سيدة نساء العالمين يا فاطمة الزهراء يا أيتها البتول وأم أبيها السلام عليك وعلى أبيك وعلى زوجك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعلى ذريتك الطاهرة ورحمة الله وبركاته.

وقبل الختام: أحب أن أشير الى أنني قد شعرت بشيء من الإنزعاج والحسرة لرؤية كل هؤلاء الوافدين الى زيارة هذا الصرح الديني المحترم، وتركهم زيارة مسقط رأس السيد المسيح t في القدس، تلك الأرض التي لا شك بأنّها قبّلت أقدامه عندما كان يمشي عليها.

فإلى متى هذا الجفاء لهذه الأرض المقدسة يا أحباب المسيح ومحمد صلوات الله عليهما؟.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


مجسم القديسة فاطيما

د. قيس أمام الكنيسة التي تحتشد الجموع الغفيرة أيام الربيع والصيف بشكل عام وفي 13 أيار بشكل خاص

قداسة البابا يوحنا بولوس الثاني أثناء حجه إلى سانت فاطيما يستقبل الأخت لوسيا

صورة الكنيسة الصغيرة التي بُنيت في مكان ظهور السيّدة العذراء عام 1918م

صورة تظهر أداء طقوس الزحف على الركبتين بإتجاه سانت فاطيما