العلاّمة الدكتور نصر الله وتاريخ كسروان

06/09/2016
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

إعداد هيئة التحرير

العلاّمة الأديب المؤرخ الدكتور حسن عبّاس نصرالله من أعلام الأدب والتاريخ والدراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة ومن أعلام بعلبك والبقاع، له مؤلفات ودراسات كثيرة في عدّة فنون أهمها موسوعته الرائعة عن تاريخ بعلبك وحاضرها وأحزابها وحياتها الإجتماعيّة وعن ابن بعلبك وشاعر العروبة الكبير خليل مطران. وعن أهل البيت i، ونهج البلاغة والنّجف الأشرف وغيرها من دراسات يحتاجها كل باحث. وكان لمجلة «إطلالة جُبيليّة» ولرئيس تحريرها ومستشارها القانوني المحامي الأستاذ حسن مرعي برّو لقاء خاص مع سعادته عصر يوم الأربعاء في الثالث من شهر تموز 2016م. في دارته في مدينة بعلبك حي النبيّ نعام. سوف نورده مع بعض التصرف على الشكل الآتي.

ـ العلاّمة الباحث الدكتور حسن عباس نصرالله (حفظكم الله)، هل لكم بإعطاء مجلة \"إطلالة جُبيليّة\" وقرّائها، نبذة عن حياتكم الكريمة وإنتاجكم الكريم؟

ـ «إطلالة جُبيليّة» مجلّة تزهر ثقافة وتاريخاً، وأزهرت إشعاعات من تاريخ الشيعة في تلك المنطقة. وفْرٌ من الشّكر لأسرة تحرير «إطلالة جُبيليّة» وخاصة رئيس تحريرها القاضي الشيخ الدكتور يوسف محمد عَمرو، الّذي رهن حياته للثقافة والعلم...

ـحسن عبّاس نصرالله آل برّو، مولود في بعلبك 1941م.

حائز على إجازة في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة بيروت العربيّة عام 1969م.

ـ حائز على دبلوم دراسات عليا من جامعة القديس يوسف ـ بيروت عام 1972م.

ـ حائز على دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة القديس يوسف ـ بيروت عام 1980م.

ـ درَّس في المرحلتين الإبتدائيّة والمتوسطة منذ عام 1960م. ثُمّ في التعليم (1970 ـ 1980) إنتقل بعدها إلى التعليم الجامعي، كليّة الآداب، الفرع الرابع ـ البقاع (1980 ـ 2005)، ترأس قسم اللغة العربيّة في الكلية الآنفة الذكر مدّة خمس عشرة سنة.

ـ ناقش وأشرف على عشرات الرّسائل والأطاريح: دبلوم، ودكتوراه في اللغة العربيّة، والتاريخ، والفلسفة...

ـ نشر مئات المقالات في الجرائد والمجلات.. عالَجَتْ: الأدب، النقد، اللغة، الأدب المقارن، الفلسفة، التصوّف، التاريخ، الفكر الدينيّ والإسلاميّ، السياسة...

ـ نشر ابحاثاً في كتب مُشاركة مع مؤلِّفين آخرين.

ـ شارك في مؤتمرات في لبنان وسورية وإيران...

ـ شارك في ندوات إذاعيّة وتلفزيونيّة.

ـ مؤلفاته ونتاجه:

ـ موسوعة بعلبك وتضم:

1ـ «تاريخ بعلبك» جزءان: «التاريخ السياسيّ والثقافيّ والعمرانيّ »، ط 1، بيروت 1984م. ط 2 ، «قمر العشيرة»، بيروت 2005م.

يؤرّخ للمدينة منذ العهد الأسطوري، مروراً بالعهود. الحجري، البرونزي، الفينيقيّ، الرومانيّ، البيزنطيّ، الإسلاميّ، والعربي... وصحَّحَ كثيراً من المعلومات المغلوطة حول تاريخ المدينة.

القسم العمراني: كشف تاريخ بناء الهياكل على امتداد أربعة قرون، الروايات الأسطوريّة، الحقائق، الرَّوعة الفَنيّة..

وعرض: المساجد، المدارس، المكتبات، الكنائس، الأديرة، الحمامات، الطواحين، وانهى بفصل عن الصِّحافة البعلبكيّة..

اعتمد في مصادره: على العادِيّات: القواقع والمستحثّات، والظرّانيّات، والنّميّات.. والنقوش، ثُمّ على كتب التاريخ والرحّالة.. والمخطوطات، وكتب الأدب ودواوين الشعر البعلبكيّة...

2ـ «الحركات الحزبيّة في بعلبك»: بيروت 1994م.

العمل الحزبيّ، نشأة الأحزاب، مشاركة بعلبك في العمل الحزبيّ، صراعات الأحزاب في المدينة، الصِّلة الحزبيّة، الدور الإنهاضي.

3ـ «الحياة الإجتماعيّة في بعلبك » ـ بيروت، دار القارئ 2009م. هو تراث مدينة، وثقافة شعب. ضمّ لوحات ومشاهد تحكي: قصص الحب والحياة والفرح والحزن، والعادات والتقاليد... مُتحدّثاً عن: بعلبك التسميّة والهويّة، العائلات والأحياء، الأديان والمذاهب، الفولكلور، والنهضة الأدبيّة، اللغة واللهجات، والعلاقة بين المواطن ورجل الأمن، الثأر، الزراعة، الصناعة، السياحة، المأكل والملبس...

4ـ «ألوان الكلام: ينابيع بلاغة»: أسرار الكلمة العربيّة، ألوان البيان، البديع، الموسيقى والعروض، مؤسسة الوفاء ـ بيروت، ط 1، 1985م. ط 2، 1987م.

5ـ «ذو الرمة شاعر الصحراء»: بيروت 1984م.

لوحات من الصحراء رسمها الشاعر عاش ومات على حبّات رمالها، مع كشف اللون الرومنسي ـ الوجداني والتَّبادل الروحي مع أشياء الحبيبة.

6ـ «الأدب السياسيّ الملتزم بالإسلام» ـ بيروت، دار التعارف 1986م.

الشعر في خدمة السياسة، الأحزاب السياسيّة في صدر الإسلام، مع دراسة لشعراء من الحزب الشيعيّ.

7ـ «خليل مطران بين التّقليد والتجديد»، بيروت ـ دار القارئ 1993م. دراسة تحليليَّة لموضوعاته الشعريّة، وتصنيفها بين تقليد: رثاء، مدح، إخوانيات، وقصائد التجديد، الرومنسيّة، القصصيّة.

8ـ «تاريخ كرك نوح »، منشورات المستشاريّة الثقافيّة للجمهوريّة الإسلاميّة بدمشق 1985م.

تحدّث عن نشأة الكرك، وتاريخها عبر العصور، مزار النبيّ نوح، تاريخها العلمي، أعلام من الكرك، المحقق الكركي أول ولي فقيه عند الشيعة، مدرسة الكرك الفقهيّة..

9ـ «الإمام الحسين قبس من نبّوة» ـ بيروت ـ دار الغدير 1997م. سيرة حياة السّبط، وملحمته الحسينيّة، من ثورة الوعد إلى المنبر الحسينيّ، وأدب الطف، والحسين أديباً..

10ـ «الوعي بمناهضة الغزو الصهيونيّ» ـ بيروت 2000م.

في التاريخ: فلسطين عربيّة من زمن العماليق العربيّ قبل أن يأتيها النّبي موسى، ومعه بنو إسرائيل، هاربين من فرعون مصر.

في الثقافة: فلسطين ثقافتها عربيّةـ إسلاميّة..

ـ الإقتصاد العربيّ، يشكلُّ النفط ركيزة عالميّة، لو استغلها العرب لحرروا فلسطين.

11ـ «نثر أحلى من الشعر »: لوحات ومشاهد من الحياة، كتبت بأسلوب مُشرق، يصير النَّثر شعراً، الدار الإسلاميّة ـ بيروت، 2002م.

12ـ «منهجيّة البحث والتّأليف »: تناول: شروط الباحث وصفاته، أبعاد البحث، عمليات التقميش والإستقراء، المصادر، المراجع، مناهج البحوث، المنهجيّة اللغويّة، المنهجيّة القصصيّة، تحقيق المخطوطات. بعلبك، الوفاء 2005م.

13ـ «جمهوريّة الحكمة في نهج البلاغة»، بيروت ـ دار القارئ 2006م. دراسة مقارنة مع البوتوبيّات، والمدن الفاضلة، السياسة المعصومة، وسائر السياسات الوصوليّة، العلوم في جمهوريّة الحكمة: المرأة، الأبناء، الإقتصاد، الأخلاق..

14ـ «الحب في قرية جنوبيّة، وأحلى القصص» ـ دار القارئ 2011م. قصّة مقاومة، طرحت تطلعات التحرير، عن طريق المعرفة، وتفجير الصواريخ النووية في النقب، وإنهاء الأسطورة الإسرائيليّة، وتضمُّ المجموعة قصة ساخرة عن الوضع السياسيّ اللبنانيّ عنوانها: «اللص الممسوخ، حكاية وطن ».

15ـ «الطاهرة» رواية، رومنسيّة.. بيروت، دار القارئ 2012م.

16ـ «سيرة أهل البيت »، تجليات للإنسانيّة. من أروع ما كُتِبَ عن أهل البيت: عرض للوقائع، تحليل، استنباط، إشراقات إنسانيّة ـ بيروت 2012م.

17ـ «الإسلام والإنسان » بيروت ـ دار القارئ 2013، مبادئ الإسلام، الإسلام والعولمة، الوحدة الإسلاميّة.

18ـ «اللغة والعبادات» دار القارئ 2014م. تخطيط ممنهج لدور العبادات في إعادة إنتاج الإنسان المسلم.

19ـ «النّجف الأشرف »: ألقُ معرفة، ووهجُ نضال، بيروت ـ دار القاريْ 2014م.

تناول: النّجف هويّة (الغري) ـ النّجف الحضاريّة، النّجف وهج نضال وألق معرفة، المرجعيّة والحوزة العلميّة.

20ـ «الإسلام والتكفير » التكفيريون: وداعاً يا إسلام ـ بيروت، دار القاريْ 2015م.

تناول: ماهيّة التكفير، تاريخ التكفير في الإسلام، الثورات والفتن في الإسلام، القرامطة الجُدد، الإسلام والإرهاب والعمليات الجهاديّة.. الإجتهادات والفتاوى، الفتاوى التكفيريّة، الحداثة التكفيريّة..

21ـ «معجم الحيوان»، دار القاريْ 2015م.

معجم ينضمُّ إلى الأسفار المعجميّة يضع بين أيدي الأجيال العربيّة جزءاً من التُراث العربيّ، الذي بدأ يغيب عن الحقول الإجتماعيّة في الإستعمالات اليوميّة...

دراسة لغويّة تكشف خيال النَّشأة، من خلال مفردات الحيوان، وضمّ دراسة مقارنة مع سائر اللغات، وتبيان غنى اللغة العربيّة التي وضعت لكل مسمّى إسماً تقنيّاً من خلال الإشتقاق، والنّحت. والتركيب مثال: أسد Lion، لبؤة Lionne، شبل Lionceau، العربيّة وضعت مفردات لكل مُسَمَّى، والفرنسيّة أضافت حروفاً على الجذر Lion.

22ـ «الحركة الأدبيّة في النهضة العراقيّة»، أطروحة دكتوراه..

خصائصه الفنيّة: كاتب موسوعيّ، عكس نتاجه ثقافة موسوعيّة، منفتحة على المعارف الإنسانيّة،

قال النقّاد: أسلوبه مشرق جذّاب، مع زخم بالمفردة والتّركيب، وغنى مُعْجمي، وقال آخرون: دكتور في الأدب يكتب في التّاريخ، واعترضت جماعة على كتاباته في الفكر الإسلاميّ والفلسفة.

ـ نبذة عن تاريخ المرحوم والدكم وشقيقكم المرحوم الدكتور سعدون وعن حضوركم التاريخي من لاسا إلى بعلبك؟

ـ والدي: عبّاس حسن نصرالله آل برّو، مولود في بعلبك عام 1890م. في ظُلمة العهد التركي، لم يذهب إلى الكُتّاب. عمل في تربية المواشي، ثُمّ الزراعة، اشتهر بالعمليات الحسابيّة، ذهنياً... كان جريئاً، عفُ النفس، حتى لقبه جيرانه وأصدقاؤه «المَلِك» مشابهه بالمثل: «فلاَّح مِكفي، سلطان مِخْفِي».

ـ أمّا شقيقي سعدون، فكان متفوقاً في دراسته، لا يتنازل عن المرتبة الأولى منذ الإبتدائي حتى الشهادة المتوسطة، سعدون عباس حسن نصرالله آل برّو. (مواليد 1944 والمنتقل إلى رحمة الله تعالى في آذار 2016م.)

ـ حائز على إجازة في التاريخ من جامعة بيروت العربيّة 1974م.

ـ حائز على ماجستير في التاريخ من الجامعة اللبنانيّة 1979م.

ـ حائز على دكتوراه في التاريخ من جامعة القديس يوسف 1982م.

ـ درّس في المرحلتين الإبتدائيّة والمتوسطة (1963 ـ 1987م).

ـ درّس في الجامعة اللبنانيّة (1987 ـ 2008م).

ـ له مؤلفات تختصّ بتاريخ المغرب والأندلس، لاقت مؤلفاته رواجاً في المغرب العربيّ لسهولة أسلوبه ومصداقيتها.

مؤلفاته:

1ـ «دولة المرابطين في المغرب والأندلس »، عهد يوسف بن تاشقين ـ بيروت، دار النهضة العربيّة، 1985م.

2ـ «العصر الذهبي لدولة الأدارسة»، دار النهضة 1987م.

3ـ «دولة الأدارسة في المغرب والأندلس» دار النهضة، 1996م.

4ـ «تاريخ العرب السياسيّ في الأندلس» دار النهضة، 1997م.

5ـ «رحيل الصليبيين عن الشرق في العصور الوسطى »، دار النهضة، 1995م.

6ـ «المدخل إلى علم التاريخ» دار النهضة، 2007م.

ـ وأمّا عن حضور الأجداد التاريخيّ من لاسا إلى بعلبك، كان حوالى منتصف القرن التاسع عشر في عهد حكم ابراهيم باشا المصري، والصراع مع الأتراك.

ـ عن نظرتكم التاريخيّة والثقافيّة لبلاد جبيل وكسروان

 

قال المؤرخ الفينيقيّ «سِنْكَنْ بِتن » في القرن التاسع قبل الميلاد، إنّ بُناة بعلبك وجبيل وصيدا وصور المدن الفينيقيّة هم آلهة وليسوا بشراً...

وهذا دليل على قدم هذه الحواضر اللبنانيّة...

إنّ جبيل لم تخترع الحرف، لكنها نقلته من الشرق إلى الغرب، ووزّعته في أوروبا..

والآثار البادية في جبيل هي رومانيّة وبيزنطيّة... بلاد سُكنت منذ القديم...

في العهد الإسلاميّ: خضعت لسلطة المسلمين بعد أن إستولوا على المدن الداخليّة (14 ـ 15 هـ.)، ثُمّ طرابلس وصولاً إلى قبرص.

الوجود الشيعيّ: هناك قبائل كانت موالية للإمام عليّ مثل: خُزاعة وهمدان.. شاركت في الفتوحات مع أبي عبيدة بن الجرّاح (م 18 هـ.).

وهذا الوجود مبكر قبل نزوح السادة إلى تلك المناطق والشيعة «عمَّروها أكثر ممّا عَمِروها» لأنّهم كانوا دُعاة لثقافة أهل البيت وعلومهم التي تحضُّ على الإعمار، والمحبّة والتسامح وطلب العلوم.. إنّ الحديث عن تاريخ الشيعة في تلك المنطقة فيه كثير من (القلق) لكثرة الصراعات التي خاضها الحكام ضِدَّ الشيعة في منطقة جبيل إمتداداً إلى كسروان. وهي شبيهة بما تعرّض له سكان كرك نوح الشيعة. ذكر المؤرخون عشرات الحملات التي كان يقودها والي دمشق للقضاء على شيعة الكرك.. ثُم حملات المماليك ضد بلاد جبيل، وقد وفد أحمد بن تيمية (م 728هـ/ 1328م)، مع حملة محمد بن قلاوون ليحرّض النّاس على قتال الرافضة. وأصدر فتواه الشهيرة: خيّروهم بين ثلاث: «عودة إلى الإسلام السُنِّي، أو اعتناق النصرانيّة، فيصبحون من أهل الذمَّة، أو القتل. ومن أتى برأس رجل له دينار، ومن سبى امراة فهي له، ومن سبى طفلاً فهو له».

بسبب هذه الفتوى تحول بعض الشيعة إلى المسيحيّة، ولا تزال عائلاتهم تحمل أسماء إسلاميّة... مع أنّ الشريعة الإسلاميّة تقول إذا اعتنق المُسلم المسيحيّة يُعَدّ مرتدّاً.. وهذا شيخ الإسلام أمر الشيعة بالارتداد.. وصار شيخ الإسلام بفتواه هذه...

تجذّر الشيعة في بلاد جبيل وكسروان مع احتلال الفاطميين لبلاد الشام عام 359هـ / 970م. ثُم استقلَّ بنو عمّار الشيعة بطرابلس حوالى 441هـ. ونشروا الفقه الشيعيّ بواسطة الدُعاة، ومعظمهم من القضاة..حتى أنّ ابن جبير (م614 هـ) في رحلته قال: من الغريب أن يظلّ الفقه الشيعيّ مُسيطراً على بلاد الأمويين حتى هذا الزمن.

لّما زار (ناصر خسرو) طرابلس عام 438هـ، قال: « إنّ عدد سكانها يبلغ عشرين ألف رجل، كلهم من الشيعة » (1).

استمرَّ الشيعة في بلاد كسروان، وصارت علماً لهم، حتى أنّ المؤرخين في عهد المماليك كانوا يطلقون على الشيعة إسم «الكسروانيين » (2)؛ ونادراً ما يقولون «الرافضة». وقد أخطأ المقريزي مرَّة وقال: في أحداث سنة (695هـ). أهل كسروان «الدرزيّة» وتابعه على خطئه محقق كتاب «السلوك» وقال: كان الدروز يقطنون بلاد كسروان وجبيل.. لكنَّ المقريزيّ صحَّحَ خطأه في أحداث سنة (705هـ). وقال عن الكسروانيين «الرَّفضة »(3).

هذا التجذّر الشيعيّ مع الأرض جعلهم يدافعون عن أرضهم ببسالة حتى الشهادة.. وقد انتصروا على حملات المماليك الأولى وغنموا منهم. جاء في «تاريخ بيروت » «توجه الأمير بدر الدين بيدرا، نايب السلطنة بمصر، وبعض العساكر إلى جبال كسروان... وصُحبه من الأمراء الأكابر: شمس الدين سنقر جاه المنصوري نايب صفد وتوجه سيف الدين اسندمر نايب طرابلس من جهة طرابلس وقصدوا جبال كسروان، وأتاهم من جهة الساحل: ركن الدين بيبرس طقصو، والأمير عز الدين أيبك الحموي وغيرهما...(4) ».

وتمكن الكسروانيون من العسكر، وقتلوهم في الأوعار ومضايق الجبال. وفرضوا شروطهم، وأخرجوا بعض المسجونين من الكسروانيين في قلعة دمشق، وغنموا أموالاً كثيرة. «فزاد طغيانهم، وأظهروا الخروج عن الطاعة، واعتزلوا بجبالهم المنيعة، وجموعهم الكثيرة (5)».هذا يعني أنّهم كانوا يتوقون إلى إعلان إدارة خاصة بهم. تشبه إمارة بني عمار في طرابلس...

كان نائب السلطنة في دمشق يحاول أن يتركهم وشأنّهم، لكن أحمد بن تيميّة الذي كان مسجوناً في قلعة دمشق لقوله بالتجسم، وكيفيّة «الإستواء»، «على العرش استوى» فسَّرها بالجلوس ولما سُئل كيف وهو على المنبر \"وقف ثم جلس، وقال: بجلوسي هذا، فقيل له: الله سبحانه وتعالى، يجلس كما تجلس أنت؟ أجاب نعم!! أخرجوه من السجن، وقاد الحملة ضد الشيعة الكسروانيين والجبيليين بجيش بلغ خمسين ألفاً.

قال المقريزي: «سار الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، نائب الشام من دمشق في عساكرها، لقتال أهل جبال كسروان، ونادى بالمدينة من تأخرّ من الأجْناد والرجّالة شُنِق فاجتمع له نحو الخمسين ألف رجل... ونازلهم وضرب ضياعهم، وقطع كرومهم...(6)». حشد الشيعة اثني عشر ألفاً وقاتلوابشجاعة. لكن المدد الذي أتى من حمص وطرابلس وصفد وحماه وصيدا، والدروز والنّصارى، كلهم حاربوا الشيعة إرضاءً للسلطان وخوفاً منه، وطمعاً في أرض الكسروانيين.

في عام 1315م. أُقطعت بلاد جبيل وكسروان لعلاء الدين بن معبد البعلبكي وسيف الدين بكتمر، وحسام الدين لاجين، ورُفعت أيدي الرَّفضة عنها (7). لكن الشيعة الّذين تفرّقوا، تداعوا للعودة إلى أرضهم التي نسبوا إليها؛ فاضطر السلطان لاقطاعها إلى التركمان السُنَّة.. وتبرز هنا بلدة غزير، بعد أن أخبرها المماليك وأتباعهم عام 1305م. أقطعت عام 1307م. للتركمان وظلّت حتى عام 1598 عندما تفرّد بها الأمير يوسف باشا سيفا فحاربه الأمير فخر الدين لكن الأخير انهزم، وطلب إلى الأمير موسى بن علي الحرفوشي أن يسير بجيشه لتحرير غزير، وبعث الأمير حسن الأعوج (م 1019هـ). وهو أمير حماه رسالة إلى الأمير موسى يحرِّضه على قتال ابن سيفا وضّمنها بيتين من الشعر:

غزيرٌ طورٌ، ونارُ الحرب موقدة

وأنت موسى، وهذا اليومَ ميقاتُ

ألْقِ العصا تتلّقف كلَّ ما صنعوا

ولا تخف، فحبال القوم حيَّات

وجرت معركة بين الفريقين، انهزم فيها يوسف سيفا، واستطاع رعد ابن نبعة الطُّبشاري ـ أحد جنود الأمير موسى ـ أن يقتل علي ابن شقيق يوسف سيفا (8).

ولما انتصر الأمير موسى سلمها إلى فخر الدين، الذي أسكن فيها النصارى ولا تزال إلى اليوم، وأُخذ عليه عدم تسليمها إلى الشيعة أصحابها الأصليين.

 الهوامش:

(1) ناصر خسرو، «سفر نامه»، ص 47.

(2) صالح بن يحيى، «تاريخ بيروت»، ص 26.

(3) «السلوك»، 2 / 16. بتصرف.

(4) «تاريخ بيروت»، ص 24 / 25. بتصرف.

(5) نفس المصدر، ص 27.

(6) «السلوك»، 2 / 15.

(7) «السلوك »، 2 / 16؛ «تاريخ بيروت»، ص 27.

(8) ـ المحبي، «خلاصة الأثر»، 4 / 432. بتصرف.