بلدة رأس أسطا بين ماضيها وحاضرها

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

بقلم الأستاذ يوسف حيدر أحمد

استدراك على كتابة تاريخ لبنان:

فاتني في الحلقة السابقة من هذا البحث، أن أذكر نقطتين مُتعاكستين، تكشفان عن مكامن النور والظلمة في تاريخ لبنان.

الأولى: نقطة ظلام وتعتيم على الحقيقة، مَرَّرها المطران اسطفان الدويهي (1630 ـ 1704) في كتابه تاريخ الأزمنة حيث همَّش فيه طائفة آل حمادة الشيعيّة. التي حكمت أكثر من نصف لبنان خلال ثلاثة قرون متواصلة (1).

ولم يذكرها إلاّ لماماً، وبأشكال متعرّجة. وركزّ على الموارنة والدروز.

وكون الخطأ يجرُّ خطأ آخر إذا لم نتداركه بالتصويب والعدالة ـ فقد سار المؤرخون على منهاجه، واتخذوا من تاريخه أساساً لما كتبوه(2).

أمّا النقطة الثانيّة: فهي نقطة ضوء وكشف الحقيقة عما خفي على النّاس من حقائق أراد البعض طمسها قصداً أو جهلاً.

وهذه النقطة المُضيئة الكاشفة عن كواليس تاريخ لبنان تجلّت بكل واقعيتها بالإعتماد على المصادر والوثائق التاريخيّة التاليّة:

أولاَ: سجلات الأديرة والرهبانيات.

ثانياً: مُصنّفات الرحالة الأجانب.

ثالثاً: التقارير الدبلوماسيّة ولا سيما العائدة للقناصل الأوروبيين، وخصوصاً في طرابلس وصيدا وبيروت ودمشق.

رابعاً: بعض الوثائق التاريخيّة البالغة الأهميّة التي قاومت آثار السنين في محفوظات خاصة صانها بعض المهتميّن لسبب أو لآخر، وأخرى بقيت في بعض المؤسسات الرسميّة.

خامساً: أهم هذه المصادر وأوثقها يبقى دائماً الأرشيف العثمانيّ الضخم، ووثائقه المحفوظة اليوم في الدواوين الرسميّة، والسجلات الحكوميّة، والمحاكم الشرعيّة، والذي يتزايد اهتمام الباحثين بالتنقيب بين كنوزه التاريخيّة (3)، ولا سيما إذا عرفنا بأنّ الدولة العثمانيّة حكمت لبنان ما ينيف على أربعمائة عام (1516 ـ 1918م).

ويعلّق الدكتور حمادة على منهجيّة كتابة البطريرك الدويهيّ المؤرخ بأنّه كان يكتب التاريخ كما تمنَّاه، لا كما حصل في الواقع، لذلك يقول أحد الباحثين د. الياس القطّار:إنّه يخشى أن يكون الدويهي قد وقع ضحيّة تصوّره للتاريخ كما ينبغي أن يكون، لا كما هو واقع وحاصل على الأرض(4).

ويستخدم المؤلف المنهجيّة العلميّة عندما يعتبر بأنّ الوثائق التي بدأ الكشف عنها تدلُّ على أن البطريرك الدويهيّ لم يكن أميناً في كتابة تاريخه. أو إذا لم نَرِدْ التشكيك نقول لم يكن دقيقاً في ما كتبه، عدا عن أنّه كتب تاريخه من زاوية ضيّقة جداً، ورؤيّة لم تتسع لكل ما جرى من أحداث وحقائق، أي ليس من زاوية لبنانيّة واسعة(5)، ويوافق المؤرخ والباحث الأمريكي ستيفن ونتر Stufan Winter المؤلف الرأي عندما يقول: منذ القرن السابع عشر، أوجد الدويهيّ رواية تاريخيّة حول صورة الأمير كحاكمٍ حقيقي فريدٍ على الجبل. حيث هناك قائد درزي أعلى على رأس السلطة، وحاكم على لبنان مُوَحَّد سياسياً وهمَّش كل التيارات الأخرى.. زاعماً أنّها دولة لبنان الدرزيّة - المارونيّة العالميّة (6).

ويغمز هذا المؤرخ من قناة المؤرخين اللبنانيين الّذين تأثروا بتاريخ الدويهي، والّذين طلبوا من وقائع التاريخ أن تشهد بأنّ هوية هذه المناطق تعود إلى الدروز والموارنة لا إلى الطارئين(7). ويقصد بالطارئين الشيعة وسائر الأقليات غير الدروز والموارنة.

العودة إلى الجذور:

لم تكن الغاية من التطرق إلى الإستدراك التاريخيّ هي الحديث عن الوجود الحضاريّ للشيعة الّذين قدموا إلى لبنان مع الفتح العربيّ في الربع الأوّل من القرن الهجريّ (15هـ)، وأواخر القرن السابع الميلاديّ (636م.) وافتتحوا فيه مدينة جبيل والسواحل اللبنانيّة (8)، أو الشيعة الّذين سيطروا على لبنان كلّه قبل العهد العثمانيّ بمدّة طويلة (9)، إنّما كان الهدف هو الكشف عن مكامن الحقيقة ومعرفة سبب كيفيّة مجيء أسرة آل حيدر أحمد إلى بلدة رأس أسطا، ولكن حفاظاً على التسلسل الزمنيّ، ودون القفز فوق صفحات التاريخ ـ كان لا بُدَّ من الانعطاف في الحديث عن عشيرة آل حمادة الشيعيّة، لأنّ أُسرة آل حيدر أحمد كانت ضمن الأسر الحماديّة التي نزحت معهم من بلاد العجم إلى لبنان منتصف القرن الخامس عشر تقريباً، وتأسيساً على ذلك نقول بأنّ الحماديّة (10) وصلوا إلى لبنان في النصف الأوّل من القرن الخامس عشر، وهم مجموعة قبائل وعشائر (11) فانتشروا في منطقة واسعة من جباله... بسبب طباعهم التي تميل إلى التفرَّد والإستقلال ورفض الظلم والتحكُّم وإنسجاماً مع دوافع هجرتهم وهواجسهم وتعدد عشائرهم ونمط سلوكها وما ألفته وتعوَّدت عليه.

فضّلوا الإقامة في الجرود والسفوح والمزارع على الإقامة في السهول والسواحل، خصوصاً في بداية فترة إنتشارهم(12)، وكانت أهم مراكز تواجدهم الأولى: بسكنتا، فاريا، حراجل، عجلتون، يحشوش، غبالة، قمهز، الحصين، أفقا، لاسا، كفرحلدا، ميفوق، جران، المجدل، حدتون، بنهران، بشتليدا، إيعال، مرجحين، بشري، حصرون، إهدن، حدث الجبّة، تنورين، المغيري، وادي علمات، جاج، إهمج، العاقورة، فرحت وغيرها...

ثُمّ ما لبثوا حتى إمتدوا إلى سائر المناطق المجاورة وأنشأوا بينها قرى ومزارع جديدة، ونزلوا إلى المدن والسواحل كغزير وجبيل والبترون وغيرها(13).

وكانت ميزة الحماديّة أنّها تقوم بكل مهام الحكم دون أن تستمد قوَّتها ومُبرِّر وجودها من إرادة الدولة سواء كان والي طرابلس سيفياً أو عسافياً أو تركياً. وإنّما هي قائمة منذ أيام المماليك بقوة ذاتيّة وواقع مُستمر غير معني بتبدُّل الولاة وأحكام الفرمانات (14).

ويصف بعض المؤرخين الأجانب القوة الرهيبة والثقة العاليّة بالنفس التي تميّزت بها عشيرة آل حمادة بالقول: لهم أجسام من حديد، أصحاب قوة وصحة لا تتغيّر، يتحمَّلون بدون تذمُّر أشد المشقَّات، ويستعملون السيف والبندقيّة ببراعة مُدهشة، إنّهم شجعان يُفضِّلون الموت على التراجع، يطردون الآغاوات والعساكر العثمانيّة ويحكمون كما يريدون، لا يملك باشا طرابلس من أمر لبنان إلاَّ ما يرغبون في إعطائه (15).

منذ بداية العلاقة بين العشيرة الحماديّة والدولة العثمانيّة كان العداءُ مُتبادلاً، فهذه الأخيرة اعتبرت أن قتال الشيعة عامّة، والحماديّة خاصة، واجب شرعي يقضي بإبادتهم والتخلص منهم، وتطهير الأرض من فسادهم (16)، ونعتتهم بالكفّار واللصوص. وقطاع الطرق والمجرمين والقذرين والملعونين (17).

كذلك لم تعترف الدولة العثمانيّة بملَّة المتاولة (الشيعة)(18)، وتتجاهل وجودها أو تشيح بنظرها عنها، فلا الدولة العثمانيّة تنظر إلى الحماديّة الشيعة كرعايا مثل غيرهم. بالمقابل لم يعتبروها هم في أي وقت أنّها دولتهم التي يدينون لها بالطاعة والولاء (19) ، مُعتبرين أن السلطان العثمانيّ حاكم مُغتصب وليس إماماً شرعياً (20).

هذه العشيرة الحماديّة المتمردة بعرف العثمانيين، هي التي حكمت أكثر من نصف لبنان لأكثر من ثلاثة قرون. واستوطنت بلدة الحصين بُعيدَ وصولها إلى لبنان. ومن هذه العشيرة، تفرَّعت أسرة حيدر أحمد. وقد عُرف حماديو هذه البلدة ببني حيدر نسبة إلى أحدهم الذي يُدعى حيدر وتفرع من هذه الأسرة بنو ناصيف وأبي محمد، ومرعي، وقبلان، وأحمد(21).

كذلك شيعة بلدة زيتون، التي سكنها الحماديون بعد بلدة الحصين، يعود نسبهم أيضاً إلى بني حيدر. ويردِّد تقليدهم أنّهم مُتحدِّرون من بني حمادة أنفسهم (22) وقد تفرَّع منهم أسرة دعيبس، أحمد، قبلان، ناصيف، حيدر، ويعود نسبهم جميعاً إلى أسرة آل حيدر أحمد(23) كما كان بعض الأسر في زيتون والحصين من آل حمود، عيسى، دياب، سليمان، علي ومحمود، هم فروع وأفخاذ من آل حيدر أحمد، العائلة العربيّة اللبنانيّة الكبيرة (24).

كذلك آل البواري وهم اليوم أُسرة مسيحيّة، وآل بدرا، الكيال، زيتون في البقاع، وآل الحيدري في مدينة جبيل ورأس أسطا وآل حسين في عمشيت، كما أنّ هناك أفخاذاً أخرى في الحصين وزيتون وهم من آل دعيبس، آل رشيد، آل داود وغيرهم وهم جميعاً آل حيدر أحمد (25).

وسكن الشيخ حمادة بلدة قمهز في الفتوح، وكثر بنوه وتولوا تلك الأمصار، ثُمّ تفرَّقت طوائف عشيرته التي حضرت معه في جبّة المنيطرة ووادي علمات وغيرها(26). وبعدها أمتدَّ نفوذ الحماديّة إلى سائر المناطق المجاورة وأنشأوا بينها قرى ومزارع جديدة، نزلوا إلى المدن والسواحل كغزير وجبيل والبترون دون أن يتوغلوا شمالاً بعيداً عن أماكن تجمَّعهم الأولى(27).

ومع نزول بعض العشائر الحماديّة إلى السواحل، إستقرَّت أسرة آل حيدر أحمد في بلدة طبرجا ووطى سلام البحريّة وبجوارهما البوار والصفرا. وقامت بزراعة الأراضي بالحبوب والكرمة والتوت وفي تربيّة المواشي ودود القز(28). وفي أوائل القرن السابع عشر بدأت عيالٌ مسيحيّة من شمال لبنان تتسرَّب إلى فتوح كسروان لتعمل بالتي أحسن بجوار الشيعة (29).

وبقي هذا القسم من الشاطئ اللبنانيّ مرتعاً للشيعة حتى أوائل القرن السابع عشر إذ بدأ قدوم الأسر المارونيّة من الشمال بتحريض من المشايخ الخوازنة. وعندما أصبحت الفتوح اقطاعاً للمشائخ الدحادحة أخذت فروع من الأسر المارونيّة التي كانت قد سكنت جبال كسروان تتدَفَّق على الساحل بينما كان الشيعة ينسحبون منه تدريجياً (30).

آل حمادة بين فكيَّ المؤامرة والإنهيار والتهجير

أُصيبت الدولة العثمانيّة بالوهن، بسبب الحروب التي خاضتها خارج حدودها، وأصبحت تُعرف في الأنديّة الدبلوماسيّة والصحفية بالرجل المريض، ممّا سمح للدول الأجنبيّة ومُمثليها ممارسة سلطة على أمورها الداخليّة، وخصوصاً من قبل فرنسا وهذا النفوذ الفرنسي خصوصاً، والأوروبيّ عموماً، المتنامي داخل الدولة العثمانيّة الضعيفة، دفع الطوائف اللبنانيّة إلى التسابق لإقامة علاقات مع الدول الأجنبية لا سيما مع فرنسا للحصول على الحماية والمساعدات والدعم السياسيّ (31).

وهكذا نشأت بين الطوائف اللبنانيّة وبعض الدول الأجنبيّة علاقات ثابتة ودائمة، فأصبحت فرنسا تشكل مرجع الموارنة، كما هو حال انكلترا بالنسبة للبروتستانت أولاً وللدروز في مراحل أخرى، بينما روسيا هي مرجع الأرثوذكس وبقي الشيعة وحدهم، الطائفة التي لم تستطع أو لم تسمح لها الظروف الدوليّة بإيجاد أي نوع من الحماية الدوليّة أو العلاقة الخاصة أو قناة دائمة تؤمِّن لها التواصل المتين والتفاهم الثابت مع جهة خارجيّة، ممّا أفقدها بإستمرار مواقع أساسيّة ومهمّة في السياسة اللبنانيّة على مرِّ العصور وعر

وكما حدث في سنة 1684م، عندما شنَّ الأمير أحمد المعني بناءً على طلب والي طرابلس حملة قاسيّة ضد آل حمادة فأحرق قراهم (إهمج، لاسا، المغيري وأفقا) وأتلف الأشجار المُثمرة وطردهم مع حلفائهم خارج حدود جبيل (42).

أمّا الأمير يوسف الشهابيّ الذي جاء إلى الحكم بتدبير ومباركة من الكنيسة المارونيّة والكرسي البابويّ، فقد قام عام 1771 بتهجير المشايخ الحماديّة وأنصارهم من شمال لبنان وبلاد جبيل والفتوح ومصادرة أملاكهم ومنحِ قسمٍ منها لخصومهم من العائلات الإقطاعيّة الأخرى من الموارنة واليعاقبة، وقسم آخر إلى الأديرة والكنائس... وقسم آخر إلى الفلاحين... واقتلاع المشايخ الحمادية والشيعة من جذورهم اللبنانيّة وطردهم إلى الهرمل (43).

وكان من نتائج نزوح الموارنة من الشمال إلى كسروان، تهجير الشيعة من هذه المنطقة (كسروان)، على مدار سنين طويلة. نتيجة أعمال عنف واضطهاد دفعت فئة كبيرة من أهلها إلى النزوح القسري بإتجاه بعلبك وجبل عامل (44).

ولتأكيد مؤامرة تهجير وتغريب الشيعة الداخلي، فقد أخذ الموارنة يتوافدون بكثافة من الشمال إلى بلاد جبيل ومنطقة كسروان بدعم وتشجيع ظاهرين من الأمراء المعنيين، ومن ثُمّ من خلفائهم الشهابيين، وبخاصّة في أيام الأمير يوسف الشهابيّ وكان لمدبِّره الشيخ أسعد الخوري دور فاعل في عملية التهجير، ولا سيما بعد أن أنزل بالحماديين هزيمة في معركة بزيزه، أنفه، القلمون 1766، كان في اثنائها على رأس قوات الأمير يوسف الشهابيّ حاكم جبيل حينذاك، وقد حمل هذا النزوح أبعاداً سياسيّة ذات إتجاهات طائفيّة إذ طُبعت كسروان تحديداً بطابع خاص منذ ذلك الزمن، وأصبحت منطقة مارونيّة ولم يعد لسكانها الأصليين (الشيعة) وُجُودٌ يُذكر (45).

كانت مؤامرة تهجير الشيعة ما بين عامي 1758 و 1773 على أشدِّها، كانت متشعبَّة الخطوط، مُوحَّدة الأهداف، وقد اشترك في تدبيرها التحالفات الدوليّة والخريطة الدينيّة والمنظمات الإرساليّة والتبشيريّة والكهنوتيّة والدبلوماسيّة الناشطة والمحافل الإستشراقيّة وموازين القوى على الصعيدين الدولي والمحلي (46).

وإستمرت عمليات التهجير ناشطة طيلة عهد الأمير يوسف الشهابيّ وخلفه الأمير بشير، وكانت تتم غالباً على شكل موجاتٍ مُتباعدة. تقتصر على مجموعات أو أفراد من إحدى القرى أو إحدى العائلات أُجبروا على مغادرة قراهم هرباً من الضغط والتنكيل (47).

وكانت السلطة العثمانيّة تساعد على ترسيخ هذا التهجير بإصدار فرمانات تمنع بموجبها جميع الشيعة من العودة إلى أرزاقهم وبيوتهم المهجورة، والدخول إلى جميع البلاد التي كانوا فيها (48).

وإضافة إلى دور الكنيسة المارونيّة، كان الدروز يرفدون جيش الأمير يوسف الشهابيّ ومدبِّره الشيخ سعد الخوري بالمقاتلين الدروز من الشوف والجرد وباقي المناطق الدرزيّة لمقاتلة الشيعة (49).

وكانت المساعي الدوليّة والمحليّة لتولية الأمير يوسف الشهابيّ على مقاطعات جبيل والبترون وجبّة بشري هي المُهيّئة لإحداث إنقلاب كامل في كل مظاهر الحياة بإجراء تبدلات سكانيّة قسريّة عن طريق تهجير مجموعات شيعيّة مُتَجذِّرة وإحلال أخرى مكانها. وذلك بهدف إعطاء هذه المناطق طابعاً طائفياً مُعيَّناً. وتأسيس كيانٍ مُتماسك ومُوحَّد لجعله نقطة إنطلاق إلى ما هو أعمَّ وأشمل (50).

لكن التطورات اللاحقة التي لم تكن محسوبة بدقّة من إنكفاء النفوذ الفرنسي أمام السياسة البريطانيّة في الدولة العثمانيّة... والمعادلات السياسيّة في أوروبا نفسها، أفشلت الجهود الإرسالية والفرنسيّة لبعث الكيان السياسيّ المارونيّ الموعود. وجعلت من سقوط آخر شهابي مُتنصِّر بشير الثالث، فشلاً كاملاً لمشروع إنشاء الإمارة المارونيّة في لبنان(51).

وكان من تبعات التهجير الكثير من المآسي والظلم والإذلال والإضطهاد في الشمال وكسروان وبلاد جبيل.

وكانت أسرة آل حيدر أحمد في طبرجا مثل سائر الأسر الشيعيّة، تعاني من الإضطهاد والتضييق والضغوط (52) لبيع أراضيها أو الإكراه على الرحيل.

ولكن أسرة آل حيدر أحمد العربيّة الأصيلة كانت من الكرامة والعنفوان والحبِّ للأرض التي استوطنتها منذ مئات السنين ما جعلها تأبى بيعها بالقوة. فقررت الهجرة مُرغمة تاركة بيوتها ومزارعها ومواشيها ومقابرها. وهذه الأخيرة تحولت إلى أوقاف لكنيسة المعاملتين، كما تحولت الأوقاف الإسلاميّة إلى أوقاف أخرى ومقابر آل عمرو في فتقا إلى ملعب رياضي وجامع غزير الأثري القديم إلى كنيسة مار فرنسيس، وجامع الشيخ اسماعيل حمادة في يحشوش إلى كنيسة مار سمعان (53) وكثير غيرها من المآسي والتحوّلات الدراماتيكيّة.

وبدأت الهجرة الشيعيّة الداخليّة في فتوح كسروان وكان من بينها هجرة آل حيدر أحمد من بلدة طبرجا الساحليّة في الربع الأخير من القرن السابع عشر أو أوائل القرن الثامن عشر، وافترقت هذه العائلة الكبيرة إلى إتجاهين ذهب الأوّل منها إلى بلدة علمات حيث توزع الأجداد والآباء والأبناء فيها على أحياء مختلفة وتكاثروا وتعدَّدت أجبابهم، فكان منهم جُب علي إسماعيل وهو أكثرهم عدداً وجُب صالح، عيسى قاسم، الغداف، حسن مرعي، وذهب الفريق الثاني إلى بلدة رأس أسطا التي يقول البعض(54) بأنّ الدولة العثمانيّة منحتهم إياها بدل بلدة طبرجا. وكانت بلدة رأس أسطا حينذاك أرضاً بوراً مشاعاً مُغطاة بغابات من اشجار السنديان والبطم والملول والعفص ومزروعة بالأعشاب البريّة والشوك والقندول والبلاّن سكنها المدعو حسين حيدر أحمد مع أولاده الأربعة موسي، فندي، حرب وعلي وذراريهم، وقام هذا الأب مع أولاده الأربعة باستصلاح الأراضي وزراعتها بأشجار الكرمة والزيتون والتوت لتربية دود القز والقمح والشعير، كما كانوا يزرعون في طبرجا، وأوّل حي سكنت فيه هذه الأسرة في البلدة هو حي قيْدُودْ في ضاحيتها الجنوبيّة.

تكاثرت هذه الأسرة مع الزمن، بعد أن أنجب موسي الإبن البكر لحسين حيدر أحمد ـ إبنين هما: ضاهر وأسعد، كما تزوج من امرأة ثانية من آل الغداف من بلدة علمات فأنجبت له حسن وحسين.

أما فندي وهو الإبن الثاني لحسين حيدر، فأنجب حسين وحمود وشبيب (ربطاً صورة شاهد قبر شبيب حمود حسين فندي حيدر أحمد توَّلد 1838) ومن جُب فندي أيضاً عيسى ومحمود وأحمد وعلي.

وعلي ثالث أولاد رب العائلة أنجب حمزة.

أمّا الإبن الرابع وهو حرب فقد أنجب قبلان.

تمدَّدت العائلة الكبيرة وتوزع أبناؤها على أحياء البلدة، فسكن أبناء حمزة في حي كوكدان، وأبناء علي أسعد وحسن أسعد موسي في حي الحلزون مع أولاد قبلان حرب، وسكن في وسط البلدة شبيب فندي وأولاد ضاهر موسي، وأما عيسى ومحمود وهما من جُب فندي فقد سكنا في حي زرداق.

وسكن أولاد حسين ضاهر موسي في حي مزرعة العين، وقسم آخر سكن في زُمَّر ومراح صغير مع أولاد شبيب فندي.

عمل جميع أفراد الأسرة بزراعة الأراضي وتربية المواشي.

الهوامش:

(1) د. يوسف محمد عمرو، «صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان، دار المحجّة البيضاء، بيروت ط. أولى 2006م. ص، 60. ود. سعدون حمادة، «تاريخ الشيعة في لبنان المجلد الثاني، تهجير الشيعة من جبل لبنان، دار الخيال، بيروت، ط. أولى 2008م. ص 25 و 41 و 45.

(2) د. سعدون حمادة، «تاريخ الشيعة في لبنان، كرّاس من احدى عشرة صفحة بعنوان «لبنان كان للشيعة حتى العام 1760م دلالات، ص.2.

(3) نفس المصدر، المجلد الثاني، ص 35.

(4) نفس المصدر، ص 40.

(5) نفس المصدر، كرّاس بعنوان «لبنان كان للشيعة حتى العام 1760م.، ص 2.

(6) نفس المصدر، المجلد الأوّل، «الحكم الشيعيّ في لبنان ص 8 ـ 9.

(7) نفس المصدر، ص 13.

(8) د. يوسف محمد عمرو، «صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان، دار المحجّة البيضاء، بيروت ط. أولى 2006م. ص13.

(9) د. كمال الصليبي، «تاريخ لبنان الحديث دار النهار للنشر ـ بيروت، ط. سابعة 1991م. ص 15.

(10) الحمادية: أجمع المؤرخون على أنّ الحمادية ينتسبون إلى هاني بن عروة بن مذحج بن حمير اليمنيّة القحطانيّة. كان جدهم في الكوفة في العراق. ولما حارب يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ بن أبي طالب، كانوا من اتباع الحسين فقُتل جدهم هاني أمام الحسين ثُمّ قتل الحسين، وطُرد بنو هاشم وشيعتهم فهجروا بلادهم وذهب بعضهم إلى العجم مُستخفين مدّة. ثُمّ ظهر جدهم حماده، وخرج على شاه العجم، فقاتله الشاه بجيشه وقٌتل من تعصّب له ففرَّ حمادة بأهله وعشيرته إلى لبنان ونزل قرية الحصين من جبة المنيطرة في جرد كسروان وذلك في السنة 1450م. وكان أولاد حمادة ثلاثة: سرحان، أحمد أبو زعزوعة وذيب. د. أحمد محمود سويدان ـ كسروان ـ بلاد جبيل، المؤسسة الخيريّة الإسلاميّة لأبناء جبيل وكسروان، ط. أولى 1988، ص 98 ـ 99.

(11) العشائر الحماديّة التي نزحت مع زعيمها حمادة وهي تسع وعشرون أسرة ضمنها أسرة آل حيدر أحمد. د. عمرو «صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان ص 338. ود. حمادة «تاريخ الشيعة في لبنان، المجلد الثاني، ص 20 ـ 27.

(12) حمادة، «تاريخ الشيعة في لبنان المجلد الثاني، مصدر سابق، ص 73.

(13) سعدون حمادة، «الثورة الشيعيّة في لبنان 1685 ـ 1710 دار النهار للنشر، ط. أولى 2012م. ص 314.

(14) نفس المصدر، المجلد الثاني، ص 71 ـ 72.

(15) نفس المصدر، ص 45.

(16) نفس المصدر، ص 165.

(17) نفس المصدر، ص 191.

(18) نفس المصدر، المجلد الأول، ص 89.

(19) نفس المصدر، «الثورة الشيعيّة في لبنان، ص 17.

(20) د. حمادة، كرّاس «لبنان كان للشيعة حتى العام 1760م. ص 5.

(21) طوني بشارة مفرِّج، «الموسوعة اللبنانيّة المصورة الجزء الثالث، قرى ومدن قضاء كسروان ـ الفتوح، ط. 1971م. ص 92 ـ 93.

(22) نفس المصدر، ص 158.

(23) في حديث مع إمام بلدة زيتون الشيخ محمد حيدر، أكدَّ لي بحكم إطلاعه التاريخيّ على بلدات كسروان لا سيما، الشيعية منها على أن الأسر التي ذكرت في هذا النص تعود بنسبها إلى آل حيدر أحمد.

(24) إطلالة جُبيليّة العددان الثامن عشر والتاسع عشر، أيلول 2015م. ص 63.

(25) نفس المصدر، الصفحة نفسها.

(26) د. سويدان، «كسروان وبلاد جبيل مصدر سابق، ص 100.

(27) د. حمادة، «الثورة الشيعيّة في لبنان ص 314.

(28) مفرِّج، «الموسوعة اللبنانيّة المصوّرة، ص 182.

(29) نفس المصدر، ص 175.

(30) نفس المصدر، ص 181.

(31) د. حمادة، «تاريخ الشيعة في لبنان المجلد الأول، ص 89.

(32) نفس المصدر، ص 90.

(33) نفس المصدر، المجلد الثاني، ص 388.

(34) نفس المصدر، ص 206.

(35) د. يوسف عمرو، «صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان، ص 220.

(36) د. حمادة، «الثورة الشيعيّة في لبنان ص 238.

(37) نفس المصدر، «تاريخ الشيعة في لبنان المجلد الثاني، ص 234.

(38) نفس المصدر، ص 281.

(39) نفس المصدر، ص 207.

(40) نفس المصدر، ص 288.

(41) د. يوسف عمرو، د. أحمد سويدان. «أضواء على المسلمين في بلاد جبيل وكسروان، المؤسسة الخيريّة الإسلاميّة لأبناء جبيل وكسروان، ط. 1987، ص 72 ـ 73.

(42) نفس المصدر، ص 73.

(43) د. يوسف عمرو، «صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان ص، 234 ـ 235.

(44) د. حمادة، «تاريخ الشيعة في لبنان، المجلد الثاني، ص 365.

(45) نفس المصدر، ص 265.

(46) نفس المصدر، ص 196.

(47) نفس المصدر، ص 320.

(48) نفس المصدر، الصفحة نفسها.

(49) نفس المصدر، ص 306.

(50) نفس المصدر، ص 338.

(51) نفس المصدر، ص 422.

(52) مفرِّج، «الموسوعة اللبنانيّة المصورة، ص 176.

(53) د. يوسف عمرو، «التّذكرة أو مذكرّات قاضٍ، المؤسسة اللبنانيّة للاعلان ـ بيروت، ط. أولى 2004م. ص 407.

(54) في حديث مع مهدي محمد سليم حيدر أحمد، الذي يملك أرشيفاً خاصاّ يحتوي على مستندات ووثائق تخص أسرة آل حيدر أحمد ، بلدة رأس أسطا. علماً بأنّ جدَّه المدعو محمد سليم علي حمود أسعد موسي حسين حيدر أحمد كان مختاراً وشيخ صلح بلدة رأس أسطا عام 1920م. أنظر د. علي راغب حيدر أحمد. «المسلمون الشيعة في كسروان وجبيل دار الهادي ـ بيروت ـ طبعة أولى 2007م. ص 102.