من تراثنا العلميّ مجلة "العرفان" الصادرة في صيدا شهر نيسان 1928م.

18/5/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

الجزء الثامن من المجلد الخامس عشر- الإسلام وسياسة الحلفاء

من أرشيف مكتبة الدكتور أحمد محمد قيس

منذ سنين ظهر في عالم المطبوعات كتاب تحت العنوان أعلاه للدكتور انسباطو المستشار السياسيّ بوزارة خارجيّة ايطاليا نقلته إلى اللغة الفرنسيّة الكاتبة البليغة الآنسة )ماقالي بدانام) فأحببت تلخيص ما حواه هذا الكتاب المهم لقراء )العرفان) الأغر ليكونوا على خبرة مما تخطه اليوم أقلام المفكرين الإجتماعيين السياسيين في القارة الأوروبيّة في المباحث العامة الخاصة بأحوال الأقطار الإسلاميّة.

قال الدكتور انسباطو: )لا يخفى أنّ السياسة الإستعماريّة لا يمكن أن تكون واحدة في كل الجهات والأقاليم وأنها تختلف طبعاً بإختلاف الممالك وتباين عادات وأخلاق سكانها مع مراعاة مصلحة كل مستعمر بانفرادها وعقائد أهاليها وانتمائهم المذهبيّ بخلاف السياسة العامة فإنّها واحدة في جميع الأنحاء لأنّها مرتكزة على معرفة أحوال الإسلام الأساسيّة التي لم تتغير قط اذ بالرغم من الهجمات الخارجيّة والإنقسامات الداخليّة فإنّ الإسلام من حيث جوهره لم يتبدل لما للمدنيّة التي تولدت منه من الصبغة العاليّة. ذلك لأنّ الإسلام كان أحسن طريقة للوفاق والتآخي بين الأمم التي اعتنقته على اختلاف عناصرها وتباين أجناسها وأهم سبيل للتعارف الروحي وهذا هو سر قوته وسرعة انتشاره إلى اليوم انتشاراً حار فيه فطاحل العلماء ـ ومن هنا ندرك أهميّة الثمرة التي يجنيها السياسيّ الحاذق الذي يعرف كيف يستخدم تلك الآلة الدقيقة بنباهة وفطنة ولا شك أن دراسة حقائق الدين الإسلاميّ ستعين على إزالة جميع الخرافات التي يروجونها ضد الإسلام وأخص منها بالذكر ما يسمونه )بالبانسلامزم) )التعصب الإسلاميّ) الذي يصورون به الإسلام في هيئة مخيفة تترصد الفرص للقضاء على الكفار... بيد أنّ الإسلام يظهر لمن عرف أسراره في زي مخالف لذلك على خط مستقيم حيث أنّ المدنيّة الوحيدة التي اكتنفت في صلبها كل العقول على تباين مشاربها، وافسحت مجالاً واسعاً لكل المساعي الصادقة ولو اختلفت طرائفها، كيف لا والإسلام دين التسامح والكرم الإنسانيّ وهما صفتان ما وجدنا في قوم أو مدنية إلاّ ونهضتا بها إلى أرقى وأحسن الدرجات الإجتماعيّة ولا ينقص الأمم اليوم لبلوغ تلك المرتبة العاليّة إلا مساعدة أمّة أوروبيّة لا تخفي تحت كلمات الرقي والتهذيب والحريّة التي تنشرها على ألويتها نية )الإسترقاق السياسيّ والإقتصاديّ)، الذي تنفر منه كل نفس أبيّة، إذاً فلا خوف ممّا يسمونه )بالبانسلامزم) الذي ليس هو إلا آلة مرعبة اتخذها أولئك الإنتفاعيون الّذين يدعون معرفة الإسلام وهم عنه بعيدون. وما الحوادث المنسوبة )للبانسلامزم) الا حركات فكريّة عاديّة لا خوف منها بل ربما أفادت المدنيّة بكيفيّة عظيمة لو استخدمت لهذه الغاية الشريفة. ولذا لم يعد هناك موجب للسياسيّ الأوروبيّ أن يعنى بغير مركز العالم الإسلاميّ الإقتصاديّ، ذلك لأنّ الإسلام من حيث هو قوة عاملة في الحياة الإقتصاديّة يقدر أن يغني أو يفقر الممالك التي لها علاقة به...).

ثُمّ نظر الدكتور انسباطو نظرة إجماليّة في الأساليب الإستعماريّة التي تسلكها الدول الأوروبيّة بمستعمراتها فأبدى رأيه في كل منها وممّا قاله في هذا الشأن: )انّ سياسة فرنسا بالممالك التابعة لها وان نالت الأرجحيّة نظراً لما امتازت به عن غيرها من حرية الإدارة والتسامح الفكري إلاّ أنّها تفتقر إلى فكرة اداريّة واسعة لا يمكن بدونها الحصول على الثمرة المطلوبة من الأعمال العظيمة التي قامت بها هناك)، ثُمّ قال: )يجب أن ترتكز سياسة البلاد الإسلاميّة على معرفة نظامات الإسلام معرفة دقيقة).

ومن هنا انتقل المؤلف إلى درس السلطة في الإسلام والقواعد التي تستند إليها فأتى في هذا البحث العويص بأفكار دلت على تضلّعه في الفقه الإسلاميّ وتاريخ المسلمين فقال:

)إن القرآن الشريف وأعمال الخلفاء الراشدين هي الأصول التي قامت عليها الديانة الإسلاميّة المطهرة وحياة الأمم الخاصعة لأحكامها)1)، وان من أراد أن يفهم شؤونهم وحملهم على المشاركة السياسيّة يجب عليه أن يقبل مبدئياً جميع أنواع قواعد دينهم لأنّه لا سبيل إلى التفاهم مع المسلمين إلاّ إذا عرفوا كما هم لا كما يراد أن يكونوا، والصعوبة الوحيدة التي تعترض السياسي في هذا الطريق إنّما هي التمييز بين ما لا يتبدل في الإسلام وبين ما هو قابل للتغيير والتطور والإنطباق على الحياة الجديدة، لأنّ هذا الدين له خاصة أساسيّة يجب أن لا نغفل عنها أبداً وهي ملاءمته لكل الظروف بدون خروج عن حدوده الأصليّة وصلاحيته لكل الأجيال والأقاليم والأخلاق. ومن الغلط أن نعتقد أن المذاهب الأربعة المضبوطة من حيث شكلها هي قواعد مؤبدة تقضي على الإسلام بالإنكماش والجمود بل أنّها قابلة للإنطباق على نواميس الحياة العصريّة ولا يصعب التوفيق بينها وبين المدنيّة الحديثة ذلك لأنّ سُنَّة النبيّ تمثل تلك الصفة العاليّة التي اختص بها الإسلام ألا وهي ملاءمته لجميع الشعوب والأجناس مهما اختلفت منازلها وألوانها الا أنّه يجب على الباحث الأوروبي أن يتجنب ألآراء الضالّة والأغلاط النفسانيّة الناشئة عن عدم فهم السُنّة على حقيقتها، ولذلك تحتم على الحكومة العثمانيّة السابقة )حكومة الخلافة) إلغاء كل ما قيل أو قرر في الإسلام بعد عهد الخلفاء الراشدين )2)) ولا اقصد بذلك أنّه يجب اعدام أو إهمال أو مسّ هيكل العلم الإسلاميّ الذي وهب العالم أكثر القوانين دواماً وأدقها من عدّة وجوه. ومن هنا إنتقل المؤلف إلى درس مسألة الجهاد على اختلاف اطوارها وشروطها، فقال:) إنّ الحرب مستحيلة قانوناً بين الأفراد والأمم التي لها اتفاقات مع المسلمين وأنّ عقد معاهدات معهم طبق أصول الشريعة المطهرة تضمن لنا السلم المطلق مع كافة أشياع النبيّ الكريم )صلعم)، المُنتشرين في العالم أجمع الخاضعين لتعاليم الكتاب والسنة المحمديّة).

ثُمّ بسط القول على أركان الإسلام التي يجب على الدول الغربيّة احترامها وبالأخص الحج إلى البيت الحرام، وختم كتابه البليغ بشرح مسألة الخلافة ودار الإسلام، فقال: )لا يمكن أن تَحلُّ مسألة الخلافة حلاً أوروبياً) لأنّها مسألة دينيّة بحتة وليس لغير المسلمين حق في فصلها وانهائها ولا يجوز لأوروبا المسيحيّة حملهم على تسويتها أو اكراههم على ذلك بوجه من الوجوه. وعلى كل حال فالخليفة يجب أن يكون حراً بدار الإسلام الأمر الذي يستلزم إستقلال المدن الثلاث وهي مكّة والمدينة والقدس عن كل سلطة مسيحيّة وليست المشاكل التي ظهرت في الشرق بعد معاهدة )سيفر) الاّ نتيجة تعامي انكلترة عن التصديق بهذا المبدأ المسلم ).

ومن هنا يخلص الدكتور المؤلف إلى إبداء رأيه في السياسة التي ينبغي سلوكها مع المسلمين فحقق أنّ سياسة التآخي وتبادل المصلحة ممكنة بينهم وبين النصارى لأنّ الفروق الدينيّة الفاصلة بينهم لا توجب التباغض والعداء إذا التباين في تصور الحياة ومظاهرها لا يمنع الثقة والمودة بين الأمم، كما أكدّ وجوب الإعتراف بيقظة المسلمين وبحقيقة تطلعهم إلى الرقي العلمي والإجتماعيّ قائلاً:) إنّ انتباههم أمر طبيعي وفي مقدرتهم ومن واجبهم الإشتراك معنا في سبيل المدنيّة العامّة وفي مقدرتهم أيضاً أن يبذلوا لهذه الغاية من الكد والإجتهاد ما بذلوه في صفوفنا مدّة الحرب من الشجاعة والإقدام).

ويرى الكاتب أن تحقيق هذه الأماني لا يتم إلا بواسطة الطبقة المنورة من المسلمين تلك الطبقة العديدة الأفراد المنتشرة في كافة البلاد الشرقيّة التي تقاسي من العذاب اشكالات وألواناً بسبب الظروف الإجتماعيّة الحرجة المحيطة بها إلى الآن فإذا انجدنا هؤلاء المفكرين وايدنا نار غائبهم فإننا نجد منهم أثمن مساعدة سياسيّة ؟

وأعتقد أنّه يجب للحصول على ذلك أن نساعدهم على درس مؤلفاتهم بطريقة عصرية وأن نفتح لهم أبواب المدنيّة الغربيّة لأنّهم سيكونون دعائم السياسة الإسلاميّة وأكبر العاملين لإنهاض المجتمع الإسلاميّ لفائدتهم ولفائدة الأمم الأوروبيّة المشرفة عليهم لا ضدها... ولكن هذا يتوقف على أن تدرك أوروبا المسيحيّة أن واجبها يقضي عليها بإضاءة العالم الإسلاميّ بنور المدنيّة والعرفان اذ لا سبيل لأنّ نجد بين المسلمين أشياعاً متفانين في مصلحتنا بالوسائط التي استعملتها أوربة إلى الآن كالتجنيد الإجباري وبث الدعوة بالصور والنشريات واستخدام أعوان لا همَّ لهم إلا اكتساب المال أو امتلاك الذُمم بوسائل الرشى على اختلاف أنواعها لأن الأمم الإسلاميّة لا ترضى أن تقبل بالتضحيّة لغاية مغايرة للغاية التي ترمي إليها. وهنا أضع القاعدة الأساسيّة لإتفاقنا مع الإسلام راجياً أن تسمع نصيحتي وأن تكون كقانون ثابت لا يتبدل وهي أن تسمح اوروبا المسيحيّة للمسلمين بأن يعملوا لصالحهم ويومئذ يصبح الإسلام ليس المساعد المهم في اشغالنا التمدنيّة فقط بل الصديق والحليف الذي يقلب بيقينه المكين العوالم ويحرك الجبال، لم أر لأحد من كتاب الإفرنج كلاماً ككلام المستشار السياسيّ لوزارة الخارجيّة الإيطاليّة الدكتور انسباطو جمع بين الحقّ والمصلحة المشتركة التي لا يمكن بدونها التوفيق بين الشرق والغرب، فهذا الكلام مبني على علم صحيح بالإسلام والمسلمين ونصيحة حكيمة للإفرنج المستعمرين ولكن أهل الشره والنهم من هؤلاء المستعمرين قلما يتعاونوا مع أمثاله في سبيل خدمة الإنسانيّة بهذه الطريقة السليمة فإنْ لم يقبلها المنهومون اليوم فسيندمون غداً.

دمشق / محمد أديب الرهونجي

الهوامش:

(1) ممّا أجمع عليه المسلمون هو مرجعيّة القرآن الكريم والسُنّة النبويّة الشريفة. وأمّا عمل الخلفاء الراشدين فهو موضع خلاف بين المسلمين.

(2) لعله يقصد بعد عهد الأئمة الأربعة فحص اشتباه بالخلفاء الراشدين.