كلام عن وثيقة الشيخ الجُبعي العامليّ (قده)

20/1/2017
العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون نيسان-2017

بقلم السيد محمد يوسف الموسويّ

الحمدلله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا رسول الله وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

وبعد، إنّ من أكثر ما يشدُّ البصر إلى التاريخ هو بمقدار ما يربط المرء من أواصر وروابط تجذب الإهتمام، فكيف لو كان هذا التاريخ يزخم ويزخر بمواد تبرز من تحت الآكام والآثار رغم عوامل الّدهر والزمن وما يحفل به من تطورات ويبرز تلكم التطورات على شكل وثائق وحُجج متناهيّة في الدلالة، ما يقوّي من متانة الإرتباط مع هذا التاريخ هو إنّ تعلق وترتبط بماضٍ تليد مجيد أعفته عوامل الزمن وحفظته لنا وريقات لا بل مجرد ورقة حفِلت بِها متوّجةً لجميع من ينتمي ثقافياً وأدبياً وأخلاقياً وحتى عُرفيّاً يتمدّد ليَشْمَلَ به عموم النّاس على تنوع وتعدّد ثقافاتهم وهو من العوامل التي يكاد لا يختلف عليها عموم البشر على رغم هذا التنوع والإختلاف والتباين في الآفاق الثقافيّة المختلفة والمتنوعة التي تُكرّس الإهتمام بضرورة الوثيقة كمادة حيويّة في ضرورة سبر غور الحقيقة التي لا مراء أنّ هؤلاء النّاس بعامةٍ وتعدّد وتنوّع إرتباطاتهم الثقافيّة يتفقون على أهميّة كشف ما غمض عن أعين وبصر النّاس شغفاً منهم في الإرتباط الثقافيّ والإلتزام الأخلاقيّ وتثبيتاً وتشبثاً بالماضي ليس لأنّه ماضٍ ومجرد حدثٍ قد إنقضى بقدر ما هو إلتزام أخلاقيّ، وليس هذا الإلتزام ضرورة إنغماسٌ في الماضي وانطواء على الذات. بل هو مبعث على ما يرمز إليه من الجوهر الذي يُراد بمحاولةٍ زمنيّة ومكانيّة وإرادات متعدّدة وعوامل عديدة من إخفاء وهجه، ولكن يبقى الجوهر جوهراً مُشعّاً ومضيئاً لا يخبو نوره على تعاقب الأزمان وعوامل هذه الأزمنة والأمكنة.. إنّ من أشدِّ ما لفتني هو ما يخبئه هذا الزمان من وثائق هي على شكل قصاصات ورقيّة تعتبر مستندات تاريخيّة تصلح كمادة علميّة وعمليّة، ومن تلكم الوثائق هو ما حفظته لنا مجموعة فقهيّة وشرعيّة مشهورة في أوساط طلاب الموارد والعلوم الشرعيّة الدينيّة تعرف بالمجموعة الجُبعيّة تختص بما جادت به قريحة شيخنا الجليل شمس الدين محمد بن عليّ بن الحسين بن محمد بن صالح الحارثيّ الهمدانيّ الجبعيّ، نسبة إلى الحارث الهمداني، من خواص مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه، وأسرته من أهمّ الأسر العلميّة التي حازت قصب السبق في تخريج أبرز العلماء الفقهاء ذوي القابليات الكريمة، أو النزعة نحو الإجتهاد فقد كان صاحبنا فقيهاً ذا دلالة رمزيّة خاصّة، وهو باني مجد أُسرة علميّة سيكون لها صولٌ وجولٌ في ميادين العلم وتأسيس مبانٍ فُقهيّة تشمل في آفاقها ما يمسُّ حياة المسلمين من أدوار وأحداث وتفرض إسمها على مسرح الأحداث والتطورات القادمة بقدها وقديدها. وما تحمله من العواصف العاتية كأبرز ما يكون من تأثير ودور، هو محلّ أبحاث ودراسات وكتابات حتى يومنا هذا سيّما حفيده الكبير الجليل الفريد في تعدّد ثقافاته والقوي في مبانيه أعني وأخصّ به الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن صاحبنا جده الأعلى شمس الدين محمداً إلى تمام نسبه بواسطة الحارث بن الأعور الهمدانيّ صاحب مولانا أمير المؤمنين t.

كان شيخنا الشمس محمد بن عليّ الهمدانيّ عالماً فاضلاً جليلاً وقد أُثنى عليه الشهيد الثاني (قده) في إجازاته لإبن إبنه... كان من الرعيل الأوّل من كبار الأعلام يقول عنه الشهيد الثاني بالشيخ الإمام كما في الإجازة لحفيده الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائيّ (رض)... وأيضاً ما نُقِلَ عن المحقق الكركي بوصفه إياه بقدوة الأجلاّء في العالمين في إجازته لحفيده الشيخ علي بن عبد الصمد بن الشيخ شمس الدين محمد صاحبنا. ورد نصها في رياض العلماء للشيخ عبدالله الأفندي الأصبهاني.. وأثنى عليه الشيخ المجلسي في بحار الأنوار واصفاً إياه بـ صاحب الكرامات.. قرأ شيخنا الشمس على الشيخ عز الدين الحسين بن أحمد ابن يوسف بن العشرة الكسروانيّ المتوفى بكرك نوح سنة 862هـ، وله إجازة من الشيخ عليّ بن محمد بن عليّ بن المحلى المتوفى 855 هـ يذكرها المجلسي في إجازات البحار.. ولد رحمه الله سنة 822هـ. وتوفاه الله إلى جوار رحمته سنة 886هـ. ويجتمع عند الجد الحسين بن محمد بن صالح بن إسماعيل الحارثيّ نسب الأسرتين الجليلتين بيت الشيخ البهائيّ (قده)، وبيت الكفعميّ.. وفي ما بين الأيادي مصادر قديمة حكت حال وأخبار الهمدانيين الّذين قطنوا في الضنيّة كما يخبر إبن فضل الله العَمري في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار سكنوا حراجل وبعض نواحي كسروان، كما في التاريخ عن أسرة الأحواضي الكرام وكونهم حارثيي النسب همدانيي الأصل يتضح لنا وبمقارنة أقدميّة تاريخ الأسرة الأخيرة هم من أبناء أعمام الأسرتين الكفعمي والبهائيّ العامليّين. وتكون هجرة أجداد الأسرتين الكريمتين حصلت مع حدوث الوقعة الكسروانيّة. على الأقل عام 705هـ الموافق لعام 1305م.

ومن وجود هذه القرابة الوطيدة بين تلكم الأسر الحارثيّة الكريمة معرفتهم خاصة بسلالة جدنا الأمير السيّد يوسف الضرير الموسويّ الحائريّ ولادة، الكسروانيّ هجرة.. فمن خلال هذه الصلة كانت معرفة مؤكدة بين الأسر الهمدانيّة والأسر الطالبيّة ـ مثال حالة المصاهرة بين السادات الأجلاء نقباء دمشق بني عدنان الحسينيين عقب السيّد اسماعيل المنقذي بن جعفر صحصح بن السيّد عبدالله بن السيّد الجليل الحسين الأصغر المحدث ابن حضرة مولانا الإمام الهمام سيّد الساجدين وزين العابدين عليّ بن الحسين سلام الله عليهما ـ وغيرهم من السادة فيما لو بان وحصل.. والقرائن موجودة وحاصلة. إذن، أخبرت إحدى نسخ المجموعة الجُبعية (1) بخط الشيخ شمس الدين محمد الجُبعي جدّ شيخنا البهائيّ (رض)، وُجِدَ فيها أسماء أجدادنا الموسويين الكسروانيين تماماً بما يتشابه كثيراً مع ما هو موجود في كتاب بحر الأنساب نسخة السيّد عبد الحميد الهاشميّ الكركي (رض)، ما يؤكد ويؤيد التواصل بين العلماء وحفظهم للأنساب الطالبيّة ومعرفتهم بين بعضهم بعضاً، كما نوهنا عنه في كتابة خلت.. وبما خصّ الوثيقة هي قطعة جميلة وردت في ورقة من أوراق هي بمجملها تمثل نسخة من المجموعة الجُبعيّة وهي حالة عُدّت نادرة، جاءت في صدارة كتابه لتحمل من الدلالة ما تحمله من صاحب صفة علميّة شامخة من مستوى شيخنا الشمس محمداً الجُبعي الحارثيّ الهمدانيّ (رض)، في حق أصحاب هذا النسب من صفات التكريم والتبجيل لهو أمر جديرٌ بالتأمل والبحث العميق وهو ما جعل لدينا شغف في مشكاة الأنوار وخزانة الأسرار مخطوطة نفيسة بخط وتعليق النسابة السيّد عبد الحميد الهاشميّ العباسيّ الكركيّ (رضي الله عنه).

ـ نسخة نادرة وصلتنيّ من لدن النّسابة الجليل المصنّف علاء ديروان الموسويّ الدمشقيّ وصلته من ايران.

تجشم عناء الحديث.. ففي الورقة تلك، كما نوهنا عنه، ضبط ورصد لأسماء أعمدة السادة الأشراف الموسويين أعقاب السيّد العالم العابد الزاهد الجليل الأمير الشريف يوسف الموسويّ الحائريّ (رض)، مع ما يتوجب ويفترض من هذا الضبط والحصر والإحصاء من لفت نظر وإلزام لعلو وسمو نفس أهله وأصحابه وحامليه مع ما يستلزم من واجبات وأهليات ساهمت وساعدت في ضبط مسارٍ في تكليف وبيان.. ومن عادة علمائنا التدوين في صفحاتٍ من كتب الأنساب على شكل مسودات، وربما كانت كتابة الشيخ الجُبعي لهذه السلاسل النسبيّة معدودة في خانة الحفظ والصون كتعبير مثالي خاص حمل نكهة التميز.

لو جئنا لتوضيح إلتباس من نوعٍ ما تحمله ورقة من مجموعة أوراق لم تُعدّ خصيصاً لعلم الأنساب بل لعلم الفقه حصراً لهي مهمّة رائعة في مجال التعريف والتشريف.. فهي تستبطن عدّة موارد من أفخمها حرص العلماء على التبرك بأسماء أجداد السادة.. وبالتالي حفظ أنسابهم قَدْرَ ما أمكنهم.. ولنا مثال من قصة الخواجة نصير الدين الطوسيّ (رض)، مع أحد السادة الذي كان حاداً في تصرفه وتعامل معه شيخنا الطوسي (رض)، كما لو لم يجر منه شيء ونبّهه إلى تحاشي تكرار تصرفه مع سواه..

فالشيخ الطوسيّ (قده)، يعرف قَدَرَ الرجل واحترمه لشريف نسبه وتنبيهه له من هذا الجانب. مهما كانت الأسباب، فقد جاءت هذه اللفتة من الشيخ الجُبعي طيب الله ثراه كحالة إستثنائيّة لا يشوبها أدنى شك في التبعيض والتكريم.. وقد عاصَرَ الشيخ الجُبعي عديداً من أعيان السادة الأشراف في طول سيرته وعرضها، ولو أردنا أن نلّم بالتفاصيل لأعددنا مجلدات عدّة في شرح وبيان ذلك فكيف إذا كان في هؤلاء السادة علماء أعلام يزهو بهم الخطاب ويحلو ويستطيب الكلام.

ممّا مرّ من الكلام، وسواه من فصل الخطاب، علمنا أنّ تكريماً جرى على قلم الشيخ الجُبعي (قده)، لهؤلاء السادة وهو وسام كريم وبيان فصيح في ما لهم من المكانة والسمو وقد عاصر الشيخ الجُبعي (قده)، أحد كبار علماء السادة النّسابين أعني به السيّد الجليل محمد بن طاووس الرضويّ (رض)، سبط السادة بني طاووس الحسينيين العلماء الأجلاء المشاهير الّذين مع شديد الأسف إنقرض نسلهم وعقبهم إلاّ من النساء اللآتي إحداهنّ هي أُمْ السيّد الجليل النّسابة محمد بن طاووس الرضويّ (رض)، صاحب كتاب جليل حوى في طياته أنساب سادة في لبنان في تلك الفترة وكان تخصصه إستثناء في سادة جبل عامل جنوب لبنان. وترك مجال الحديث عن بقيّة السادة في البقاع وكسروان من عمل نقباء بعلبك ساداتنا بني المرتضى العلوانيين ذريّة سيّدنا النقيب النّسابة السيّد علوان الموسويّ الحسينيّ (رض)، المتوفى سنة 945هـ.. وآبائه من قبله وبني عمومته.

قوائم سلالة الأمير السيّد يوسف الموسويّ الحائريّ مولداً، الكسروانيّ هجرة وإقامة، بحسب الشيخ الجُبعي (قده).

 

الهوامش:

(1) نسخة نادرة وصلتني من لدن يد السيّد النسّابة الجليل المصّنف علاء ديروان الموسويّ الدمشقيّ أيده الباري وصلته من إيران.