ابن تيمية وقضيّة القدس بقلم معتصم حمادة

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

كتب الصحافي الفلسطينيّ الأستاذ معتصم حمادة تحت عنوان «ابن تيمية يلاقي ترامب في القدس» في صحيفة «النهار»الصادرة في بيروت يوم الثلاثاء 20 شباط 2018م. في الصفحة السابعة قائلاً:« ما زالت قضيّة مدينة القدس تتدحرج بالإتجاه الذي يخدم قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب. الإعتراف بها عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها قبل العام 2019م.

فعلى الصعيد الديبلوماسي، وعلى من الرغم العزلة التي وجدت بها الولايات المتحدة نفسها، إن في مجلس الأمن أو في الجمعية العامّة، في التصويت ضد القرار، يتبين أنّ القيادة الرسميّة الفلسطينيّة بدأت تعيش عزلة سياسيّة دوليّة، في فشلها تكوين «فريق دولي» لرعاية المفاوضات مع إسرائيل، بديلاً للرعاية الأميركيّة المنفردة.

فوزراء خارجيّة الدول العربيّة، وفي ثلاثة إجتماعات خُصصت للقدس، و«لدراسة قرار ترامب وتداعياته وآثاره»، اكتفوا بإصدار البيانات، من دون القيام بأي خطوة عمليّة واحدة، تصون القدس وتحميها، بما في ذلك عدم قطع العلاقة مع دولة غواتيمالا، التي قررت نقل سفارتها إلى القدس، أو مع تلك الدول الصغرى، التي وقفت في الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة إلى جانب قرار ترامب. ولعلَّ تصريح العاهل الأردني عبدالله الثاني في أعقاب إجتماع وزراء الخارجيّة في عمّان كان واضحاً، حين كشف أنّ دولاً عربيّة فاعلة هي التي تضغط لعدم اللجوء إلى أية إجراءات قد تسيء إلى العلاقة مع إدارة ترامب في إطار «التحالف العربيّ ـ الأميركي» ضد إيران.

والأمر نفسه ينطبق على الدول المسلمة التي اجتمعت في إسطنبول بدعوة عاجلة من الرئيس التركي رجب طيّب اردوغان، وما زال موقفها مجرد بيان شجب وإستنكار، من دون أية خطوة عمليّة واحدة، تخدم قضيّة القدس.

أمّا على الصعيد الفلسطينيّ، فما زالت قرارات المجلس المركزي الفلسطينيّ الذي تأخر إجتماعه حوالى الشهرين ونصف الشهر للرد على قرار ترامب، حبراً على ورق، إن بشأن فك الإرتباط بإتفاق أوسلو والتزاماته السياسيّة والأمنيّة والإقتصاديّة. وإن بشأن تشكيل مرجعية فلسطينيّة قياديّة لمدينة القدس. تجمع في إطارها المكونات السياسيّة والإجتماعيّة للمدينة. وتسليحها بموازنات فاعلة تمكنها من توفير شروط صمود المقدسيين، في مواجهة سياسات الإحتلال والحصار وإجراءات التهويد وتوسيع الإستيطان الإسرائيليّ.

على العكس من ذلك، ما زالت الأنباء تتوارد عن مديح إسرائيلي لسير التنسيق الأمني «بشكل عميق» مع الأجهزة الأمنيّة للسلطة الفلسطينيّة وما زالت الدوائر الإقتصاديّة والماليّة على الجانبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ تلتقي في إجتماعات دوريّة، لضمان سير العلاقة بين الجانبين، في ظل تبعية مالية وإقتصاديّة فلسطينيّة للجانب الإسرائيلي وشروطه.

وفي الوقت الذي تتخذ فيه حكومة نتنياهو إجراءاتها اليوميّة لتعميق تهويد القدس وضمها لإسرائيل، تكتفي الحكومة الفلسطينيّة بإصدار البيانات المطولة من دون القيام بأي إجراء عملي؛ بما في ذلك ردها على قرار نتنياهو رصد عشرة ملايين دولار يومياً (نعم... يومياً) للقدس، لإنجاز برامجها التهويديّة، وفصل حوالى 140 ألف فلسطينيّ عن ولايتها الإداريّة، لتغليب العنصر اليهوديّ على العنصر المقدسي الفلسطينيّ في المدينة، بينما لا تتجاوز موازنة القدس السنويّة، في الموازنة العامّة للسلطة الفلسطينيّة 0,044 (اي أقل من نصف بالألف) من أصل موازنة عامة مقدارها 4 مليارات دولار. ممّا يكشف حجم المشاريع الإسرائيليّة في تعميق واستلاب المدينة. وحجم مأساة المقدسيين مع حكومة السلطة الفلسطينيّة وسياساتها الفاشلة. وخلف هذه المشاهد المعلنة والمكشوفة. والتي لا تجد ردود فعل فلسطينيّة أو عربيّة أو مُسلمة ترتقي إلى الحد الأدنى من المسؤوليّة الوطنيّة والقوميّة والدينيّة والأخلاقيّة، تتواصل التحركات لتوفير الأرضيّة «العمليّة» لتأخذ «صفقة القرن» طريقها إلى التطبيق، بإزالة قضيّة القدس كعقبة أمامها.

إذ يجري التداول بين الولايات المتحدة وبين بعض العواصم العربيّة (التي بقي رد فعلها على قرار ترامب بحدود «القلق» لا أكثر) لدراسة إمكان بناء قُدس جديدة تكون هي «القُدس الموحدة اليهوديّة» عاصمة إسرائيل، وتستند هذه الدراسة إلى القول إنّ القُدس الغربيّة نشأت في الأساس على أنقاض بعض القرى والمناحي الزراعيّة التي إحتلتها إسرائيل في حرب 1948، وإنّ «الحيويّة الإسرائيليّة» هي التي عوضت اليهود «قدسهم» الضائعة، والتي بقيت بيد الأردن، ببناء «قدس جديدة»كرسوها في وعي العالم كله على أنّها «القدس الغربيّة». وعندما احتلوا «القدس الشرقيّة» عام 67، «وحدوا» المدينة. ولما كان إمكان إعادة تقسيم «المدينة الموحدة» عملاً شبه مستحيل، بالإمكان تكرار التجربة الإسرائيليّة، ببناء قُدس عربيّة جديدة، في قرى وبلدات العيزريّة وأبوديس والعيساويّة وغيرها، وبحيث نكون، كما جاء في إتفاق أوسلو، الموقّع عليه من قبل شمعون بيريس عن الجانب الإسرائيليّ، ومحمود عباس عن الجانب الفلسطينيّ، أمام مدينتين ورد إسماهما على الشكل التالي: «Jerusalem» عاصمة إسرائيل و « AL - Quds» عاصمة الفلسطينيين.

أمّا بشأن المُقدّسات الإسلاميّة، فيمكن مدُّ جسر بين «القدس العربيّة» وبين هذه المُقدّسات تمكّن المسلمين من الصلاة والتواجد في الأقصى، ولعلّ هذا ما يُفسّر قول الناطقين بإسم البيت الأبيض، والخارجيّة الأميركيّة، إنّ الرئيس ترامب لم يحدد أي قُدس هي عاصمة إسرائيل، وأنّ الأمور متروكة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لرسم حدود المدينة، والموقف ذاته أبلغه ريكس تيلرسون وزير خارجيّة أميركا في جولته الأخيرة، لوزير خارجيّة مصر.

قضيّة المُقدّسات الإسلاميّة هي الأخرى وُضعت على نار حامية لتوفير، «حل شرعي» لها. فبعض الدوائر (بالتعاون مع دوائر أزهريّة؟). أعادت الإعتبار إلى فتاوى إبن تيمية، الذي حصر القدسيّة بالمسجد الأقصى، مؤكداً أنّ ثلاثة مساجد هي المقدّسة عند المسلمين: المسجد الحرام في مكّة، ومسجد الرسول في المدينة، والمسجد الأقصى في القدس، نازعاً في الوقت نفسه، بعبارات واضحة، القدسيّة عن «الصخرة» ومسجدها، مُنكراً أن يكون النبيّ مُحمّد قد داسها حين امتطى البُراق ليلة الإسراء، وأن يكون قد أودع عندها عمامته. وبالتالي، ووفقاً لإبن تيمية، تسقط القداسة عن مدينة القدس، لتصبح مجرد مدينة كباقي المدن يمكن التفاوض عليها، من دون أن يَمُسَّ ذلك الدين الإسلاميّ ومعتقداته بأي أذى، شرط أن تُصَانُ قُدسيّة «الأقصى»، وهنا تأتي فكرة الجسر بين «القدس العربيّة» و «الأقصى» حلاً لهذا الأمر.

مثل هذه الفتاوى، الراكدة في بطون كتب الفتاوى التاريخيّة، والتي أُعيد إحياؤها، لتلتقي مع مشروع ترامب، وجدت لدى الدوائر الملكيّة في عمّان ردّ فعل سلبياً، لأَنَّها تتعدى على «الولاية الهاشميّة»، للمُقدّسات الإسلاميّة في المدينة المُقدسة.

من أثار هذه المعركة على «الولاية» على الأقصى، ما كشف عنه مؤخراً رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي، عن قطع المساعدات الماليّة عن الأردن، ما دفع عمّان لزيادة الأسعار بشكل عام في البلاد، طبعاً، يدور هذا الصراع خلف الأبواب، بينما رئيس السلطة الفلسطينيّة يقف حائراً، باحثاً عن بديل للولايات المتحدة، يستأنف رعاية المفاوضات مع إسرائيل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا أوسلو النافق.