الحكمة في تدرُّج مراحل تحريم الخمر

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم الأستاذ يوسف حيدر أحمد

تشعَّبت الأحاديث بيني وبين بعض الأصدقاء المثقّفين ثقافة عصريّة، وتطرَّقنا إلى مسألة الخمر فقالوا بأنّ الإسلام لم يُحرِّم الخمر فتساءَلتُ: وما حُجَّتكمُ ودليلكم على ما قٌلتُم؟ فأجابوا بعرض بعض الأمثلة كما في الآية القرآنيّة التالية التي تقول: }إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ سورة البقرة، الآية 173.

وقالوا أَنّ كلمة التحريم فيها مُطلقة، وهذا يعني بعُرْفهم ـ أنّها مُباحَة.

حاولتُ إقناعهم بشرح ما تَعنيه تلك الآيات، فلم يَقتَنِعوُا وتشبّثوا بموقفهم، الأمر الذي حدا بي إلى شحذ الهمَّة والفكر، للبحث في مسألة الخمر من مُختلف جوانبها، وما يدور حولها من التباس وشُبُهات إنْ وُجدَتْ وبدأتُ بالتفتيش، والتمحِيص في كل ما يمُتَّ بصلة إلى الخمر من آيات قرآنيّة، وأحاديث نبويّة وأقوال أئمة أهل البيت i، وما ورد عن الصحابة، وأهل الفكر المستنير من أهل الشرق والغرب...

وتأسيساً على ذلك، أصبح بإستطاعتي الإستفاضة والتحرُّر من الإلتباس في هذا الموضوع بالقول:«كان حكم الخمر مسكوتاً عنه أمداً طويلاً، كما سُكت عن حكم بعض المُحرمَّات إلى وقت البيان حسبما تقتضيه الحكمة الإلهيّة.

وقد تستدعي الحكمة الرفق والتدرِّج في بيان الحكم وقيل: إنّ بيان حكم الخمر كان من هذا الباب، لأنّ المسلمين كانوا قد ألفوها في الجاهليّة، فلو مُنِعُوا عنها دفعة واحدة لشقَّ عليهم ذلك » (1).

كما أنّ القرآن، في معالجته لهذه الأمراض الإجتماعيّة المُزمنة، لم يأخذها بالعنف والمفاجأة، بل بتلطف في السير بها إلى الصلاح، على مراحل مُترتبة، متصاعدة. حتى يصل بها إلى الغاية، فنعرف ما كان منها من شأن الخمر، وأنّه لم يُبطله بجرَّة قلم، بل لم يحرِّمه تحريماً كلياً إلاّ في المرحلة الرابعة من الوحي (2).

وحسب الترتيب الزمني، نستطيع القول بأنّ مسألة الخمر مَرَّت بأربع مراحل حتى وصلت في النهاية إلى التحريم القطعيّ.

المرحلة الأولى: الإيحاء وتصوير الواقع المُعاش: تقول الآية القرآنيّة الكريمة: }وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ سورة النحل، الآية 67.

تدُلُّنا هذه الآية التي نزلت أوائل أيام فجر الإسلام على أنّ الأرزاق والخيرات هي من عند الله.

وتوحي إلينا أَنّ مسألة شُرب الخمرة كانت شائعةً منذ أقدم عصور البشريّة. كما كانت معروفة في العصر الجاهليّ في بلاد الحجاز لا سيما بين الأغنياء وتجار مكّة (3)، ويُومىءُ القرآن برفق إلى أنّ ما يُتخذ سكراً ليس من الرزق الحسن، دون أن يقول أنّه رجسٌ واجب الإجتناب (4).

المرحلة الثانيّة: تبيانُ منافعٌ ومضار الخَمر

إذا نظرنا إلى الخمرة، نظرة وجوديّة، بغضِّ النظر عن الأحكام الفقهيّة القطعية بشأنها، نجد أنّ في طياتها إيجابيات وسَلبيَّات كسائر الأشياء في هذه الحياة وبمنظور نسبيّ...

وعليه فللخمر أيضاً مضارٌ ومَنافع، طبعاً قبل تحريمها القطعيّ فمنافع الخمر هي مادِّية، عن طريق الإتجار بها، وجَني الأرباح منها، ومنافع روحيّة، وهي الشعور باللذة والسعادة الوقتيّة لمن يتعاطاها...

أمّا مضارها، فهي بالإضافة إلى الأضرار الجسديّة المُتعددِّة التي تُصيب شاربها ففي حال سكره منها يفقدُ هيبته وكرامته وإنسانيته، فيتصرف كالحيوان الهائج فيرتكب الهفوات والمُحرَّمات دون وعي أو إدراك.

يقول العلاّمة الشيخ محمد جواد مُغنية عن حكم هذه الآية أنّها لا تدلُّ على تحريم الخمر صراحة، لأنّه لم يَقُلْ الخمرُ حرام، ولكنه يدل عليه بالإلتزام لقاعدة درء المفسدة أولى من جلب المصلحة (5).

فإذا كانت هذه الآية لا تدلُّ على تحريم الخمرة، وإنّ كلمة الإثم فيها لا تَعْنِي الخمرة حصرياً لكن بالمُقابل نرى الآية الثانية تقول: }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ{ سورة الأعراف، الآية 33.

فكلمة «الإثم» هنا في هذه الآية تعني الخمرة، وقد أكدَّ ذلك الشعر الجاهليّ والإسلاميّ ـ وهو ديوان العرب ـ هذا المعنى حيث يقول الشاعر الجاهليّ الكبير أمرؤ القيس الذي تأسَّف بما يُشبهُ الشعور بالذنب على فُقدانه صوابه بسبب معاقرته للخمرة:

شربتُ الإثمَ حتى ضلَّ عَقْلي

كذاك الإثمُ تفعلُ بالعقولِ

كما يُذكرنا شاعر الرسول حسَّان بن ثابت، بعد نهي النبيّ عن الإقتراب من الزنى أو شرب الخمر فيقول:

نهانا رسولُ اللهِ أن نَقرُبَ الخمرا

وأن نشربَ الإثم (6) الذي يُوجبُ الوزرا(7)

وعليه فكلمة الإثم في هذين البيتين من الشعر تدلُ على معنى الخمر، وبالتالي على مخاطرها وأضرارها التي تُخامِرُ العقل وتُفقده صوابه...

المرحلة الثالثة: النهيُ عن شرب الخمر في أوقات الصلاة: تقول الآية القرآنيّة الكريمة: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ{ سورة النساء، الآية 43.

هذه الآية نزلت قبل آية المائدة، التي هي أشدّ وأغلظ، والحكمة هنا، ربَمَّا تستدعي التَدَرُّج في بيان التحريم على أن لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى، لا دلالة فيها على حليّة الخمر في غير الصلاة. وتقول الرواية بأنّ أحدهم كان يُصلي إماماً وكان سكراناً. فقرأ الآية هكذا: }قل يا أيّها الكافرون أعبدُ ما تعبدونْ{ بدل من أن يقول: }لا أعبدُ ما تعبدون{ فنزلت الآية تأمر المُصلّي أن يكون صاحياً واعياً. وكان هذا تمهيداً للتحرّيم القطعيّ حيث أنّ بعضهم بتأثير هذه الآية إبتعد ولو إلى حدٍّ ما عن تناول الخمر (8).

المرحلة الرابعة: التهديد والتحريم القطعي للخمر: تقول الآية القرآنيّة الكريمة: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ{ القمار }وَالأَنصَابُ{ الأصنام }وَالأَزْلاَمُ{ قطع من الخشب على هيئة السهام. كان أهل الجاهليّة يستقسمون بها }رِجْسٌ{ الشيء القذر }مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{ سورة المائدة، الآية 90 ـ 91.

لقد نسب الله شرب الخمر ولعب القمار وعبادة الأصنام والإستسقاء بالأزلام، نسب هذه إلى الشيطان لأنّه يُحبِّذها ويُغري بها، وضمير فعل «إجتنبوه» يَعُود إلى الرجس وهو أمر بالإجتناب، والأمر يدلُّ على الوجوب، بخاصّة عند بيان السبب، وقد بيَّن هنا أن سبب وجوب الإجتناب هو الفلاح ولو لم يكن من دليل على تحريم الخمرة إلاَّ مُساواتها مع عبادة الأصنام لكفى (9).

وأمّا قوله }فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{ظاهرٌ في التهديد والنهي لأنّ معناه إنتهوا. والنهي يدل على التحريم، ولذا قال المسلمون بعد سماع هذه الآية: إنتهينا (10).

وهذه الآيات القرآنيّة الأربع، التي ورد فيها ذكر الخمر بصيغ مختلفة. بحسب المناسبات والحكمة الإلهيّة هذه، الآيات لا تَهافُت فيها ولا تناقض إو إنتقاص إنّما يُكمل بعضها بعضاً. وكما يقول الإمام عليّ:« القرآن يُنطِق بعضه بعضاً ويُشهدُ بعضه على بعض» (11).

وإذا ما إلتبس على المسلمين فهمه من الآيات المتشابهات، فالرسول يقومُ بشرحه وتوضيحه، لأنّ هو قرآن الله، الناطق وتُرجُمانه.

فالقرآن الكريم هو المصدر الأوّل للتشريع، والأحاديث النبويّة هي المصدر الثاني له، وقد أمر الله نبيّهُ العظيم بشرح القرآن وتبيانه للناس بقوله تعالى: }لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ سورة النحل، الآية 44.

أمر المسلمين بالإقتداء بالنبيّ في أوامره ونواهيه، في أقواله وأفعاله وتقريراته، بقوله تعالى: }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا{ سورة الحشر، الآية 7.

وفَصلُ الخطاب، هو ما بيَّنهُ الرسول وَحَّذر منه بشأن الخمر بقوله w:« كلُّ مُسكرِ خمرٌ وكل خمر حرام»(12).

كما تشدَّد في تحريم الخمر حتى لعن عشرة أشخاص من أجلها: غارسها، حارسها، عاصرها، شاربها، ساقيها، حاملها، والمحمّولة إليه، ومُشتريها وآكل ثمنها(13).

وطلباً للإصلاح والخير دعا إلى اجتنابها بقوله:« اجتنبوا الخمر، فإنّها مفتاح كل شر» (14).

وقالت السيّدة عائشة أم المؤمنين أنّ الرسول سُئِل عن البَتْع (نبيذ العسل) قال: «كُلُّ شرابٍ أسكر فهو حرام»(15).

والأصناف المعروفة التي حرّمها الإسلام هي: الكحول، المشروبات، الخمرة، العرق، الروم، الويسكي، الشمبانيا، الجعة، البيرة، والنبيذ ونحوها (16).

ولم يُحرِّم الإسلام الخمر إلاّ لضررها الصحي والعقلي والنفسي والإجتماعيّ، فالصحابيّ طارق بن سُوَيْد سأل النبيّ عن الخمر فنهاهُ عنها، أو كَرِهَ أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها الدواء، فقال: أنّه ليس بدواء ولكنه داء (17).

ولعلاج شوائب المجتمع، ونظافته الإجتماعيّة من أدران الخمر يقول طبيب ألماني شهير:« إقفلوا نصف الحانات، أضمن لكم الإستغناء عن نصف المستشفيات والسجون».

وكان العباس بن فرداس رئيس قومه في الجاهليّة، وقد حرَّم الخمرة على نفسه بفطرته. ولمّا قيلَ له في ذلك قال: «ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيّد قوم وأمسي سفيههم»(18).

ويقول المفكر الغربيّ بتنام في كتابه «أصول الشرائع»، النبيذ في الأقاليم الشماليّة، يجعل الإنسان كالأبله وفي الأقاليم الجنوبيّة يصير كالمجنون، وقد حرّمت ديانة مُحمّد جميع المشروبات وهذه من محاسنها (19).

ومن بعض اضرار الخمر على سبيل المثال لا الحصر أنّه يحدث التهاباً مُزمناً في الأعصاب والكلى، وتصلباً في الشرايين، تحجُراً في الكبد، وضعفاً في القلب ويحدث ضعفاً في قوة الإرادة والحكم، وتزداد به الإنفعالات النفسيّة وهذا هو الخطر (20).

وتأسيساً على ما تقدّم، يعتبرُ الإسلام الخمر فقهاً وشرعاً من الكبائر، ثَبٌت ذلك بضرورة الدين، وشارب هذه الخمرة عن تهاون مع العلم بتحريمها، هو فاسِقٌ، يُحَدُّ بثمانين جلدة رجلاً كان أو امرأة (21).

ويمكن القول بأنّ جميع الأديان الإبراهيميّة قد حَرَّمت الخمر نظراً لمضاره، وكانت غاية الإسلام من هذا التحريم هي الحفاظ على كرامة الإنسان وإنسانيته وخُلُقيته، وبأنّه خليفة الله على الأرض.

وقد أجمع الفقهاء المسلمون على إختلاف مذاهبهم على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام (22).

 

 

الهوامش:

(1) محمد جواد مغنية «التفسير الكاشف» المجلد الأوّل، دار الجواد ـ بيروت، طبعة ثالثة 1981، صفحة 328.

(2) د. محمد عبدالله دراز «دراسات إسلاميّة في العلاقات الإجتماعيّة والدوليّة»، دار القلم، الكويت طبعة ثانية 1974، صفحة 156.

(3) أحمد اسماعيل السبع مقالة بعنوان «إجتناب الخمرة والمخدّرات» جريدة «اللواء» زاوية حديث اليوم الأربعاء 1/1/1997م. صفحة 15.

(4) د. محمد عبدالله دراز «دراسات إسلاميّة في العلاقات الإجتماعيّة والدوليّة»، مصدر سابق، صفحة 157.

(5) مغنية «التفسير الكاشف»، المجلد الأوّل، مصدر سابق، صفحة 328.

(6) حسين الشامي، «كلمة الإنسانية العليا» لا.د. طبعة رابعة 1971م. صفحة 113.

(7) من أسماء الخمرة أيضاً، السُلاف (الخمر الجيِّدة). المُدَام، والحندريس (الخمر المُعتَّقة).

(8) أحمد إسماعيل السبع، مقالة بعنوان «إجتناب الخمرة والمُنحدرات»جريدة «اللواء»، مصدر سابق، صفحة 15.

(9) محمد جواد مغنية «التفسير الكاشف»المجلد الثالث، دار العلم للملايين ـ بيروت 1980م، ص 122.

(10) نفس المصدر السابق، المجلد الأوّل، صفحة 329.

(11) نفس المصدر السابق، المجلد الثاني، دار الجواد، طبعة ثالثة 1981م. صفحة 12.

(12) عفيف عبد الفتاح طبارة، «روح الدين الإسلاميّ» دار العلم للملايين ـ بيروت، الطبعة العشرون 1981م. صفحة 438.

(13) مغنية، «فقه الإمام جعفر الصادق t» المجلد الرابع، دار الجواد ـ بيروت، طبعة رابعة 1982م. صفحة 385، وعفيف عبد الفتاح طبارة، صفحة 438.

(14) عفيف عبد الفتاح طبارة، صفحة 438.

(15) محمد بن إسماعيل البخاري «صحيح البخاري» دار الكتب العلميّة ـ بيروت.

(16) جريدة «اللواء»، مصدر سابق، ص 15.

(17) مُسلم بن حجاج النيسابوري «صحيح مُسلم»، دار الكتب العلميّة ـ بيروت، طبعة أولى، 2001م. «باب الأشريّة»، جريدة 1984م. فقرة 12، صفحة 78.

(18) محمد جواد مغنية «التفسير الكاشف»، صفحة 329.

(19) عفيف عبد الفتاح طبارة، «روح الدين الإسلاميّ» مصر سابق، صفحة 440.

(20) نفس المصدر السابق، صفحة 438.

(21) مغنية، «فقه الإمام جعفر الصادق t»، مرجع سابق، صفحة 384 ـ 385.

 

(22) نفس المصدر السابق، صفحة 386.