عقيدة المسلمين بالمهدي المُنتظر (عح)

22/1/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

 

للعلاّمة الخطيب الدكتور

 

الشيخ أحمد الوائليّ (قده)

 

 

 

جاء في كتاب هوية التشيع(عح) للدكتور الشيخ أحمد الوائليّ (قده)، طباعة وإخراج دار الزهراء ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 1400هـ. 1980م. تحت عنوان عقيدة المسلمين بالمهدي(عح) ما يلي:[ إنّ فكرة الإمام المهديّ في نطاق العقيدة الدينيّة بغض النظر عن تفاصيلها موضع اتفاق جمهور المسلمين فإنّ روايات المهديّ وإنتظار الفرج على يديه وظهوره ليملأ الأرض عدلاً، وردت عند كل من الشيعة والسُنّة، وممّن رواها من أئمة السُنّة:

 

الإمام أحمد في مُسنده، والترمذي في سُننه، وأبو داوود في سُننه، وابن ماجة في سُننه، والحاكم في مُستدركه، والكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان(عح) وابن حجر العسقلانيّ في القول المختصر في علامات المهديّ المُنتظر(عح)، ويوسف بن يحيى الدمشقيّ في عقد الدرر في أخبار الإمام المُنتظر(عح)، وأحمد بن عبدالله أبو نعيم صاحب الحلية في نعت المهديّ(عح)، ومحمد بن إبراهيم الحموي في مُشكاة المصابيح(عح)، والسمهودي في جواهر العقدين(عح) وعشرات من أعلام السُنة غيرهم(1)،لا أريد الإطالة بذكرهم.

 

وقد أخرج أئمة السُنّة أحاديث المهديّ عن طريق الإمام عليّ (عح)، وابن عباس وعبدالله بن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدريّ وأم سلمة وغيرهم.

 

ومن تلك الأحاديث ما رواه ابن عُمر بسنده عن النبيّ (ص): يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كأسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ذلك هو المهديّ، وكقول النبيّ (ص)، المهديّ من عترتي من ولد فاطمة، وقد صحح هذه الأحاديث وغيرها ممّا ورد في الإمام المهديّ: ابن تيمية مُستنداً إلى مُسند الإمام أحمد بن حنبل وصحيح الترمذي، وسُنن أبي داوود(2).

 

وقد ذهب إبن حجر تبعاً للنصوص إلى تكفير مُنكر المهديّ، فقد أجاب في الفتاوى الحديثية حين سئل عمن ينكرون خروج المهديّ المُنتظر فقال: فهؤلاء المنكرون للمهديّ الموعود به آخر الزمان وقد ورد في حديث عن أبي بكر الإسكافي أنّ النبيّ (ص)، قال من كَذّْبَ بالدجال فقد كفر، ومن كَذّْبَ بالمهديّ فقد كفر، إلى أن قال: ونملي عليك من الأحاديث المُصرّحة بتكذيب هؤلاء وتضليلهم وتفسيقهم ما فيه مُقنع وكفاية لمن تدبره: أخرج أبو نعيم أنّه ، قال: يخرج المهديّ وعلى رأسه عمامة ومعه مُنادٍ ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه، ثُمّ أخذ يورد الأحاديث الواردة في المهديّ(3). هذه بعض المأثورات السُنيّة في الإمام المهديّ، أمّا الشيعة فرواياتهم في موضوع الإمام المهديّ بكل جوانبه كثيرة واردة عن النبيّ (ص)، وأهل بيته، وقد ألفوا في ذلك كتباً كثيرة استوفت وغطت كل التساؤلات حول موضوع الإمام المهديّ: مثل كتاب الغيبة(عح) لمحمد بن إبراهيم النعماني، وكمال الدين وتمام النعمة(عح) لمحمد بن عليّ بابويه القميّ، وكتاب الغيبة(عح) لمحمد بن الحسن الطوسي(4) وغيرهم كثير قد تناولها، فكتب بالمهديّ كل من الصدوق في علل الشرائع(عح)، والمرتضى في تنزيه الأنبياء(عح) والمجلسيّ في البحار والمفيد في الفصول وفي الإرشاد(عح)، ومن المتأخرين كتب عشرات المؤلفين بالمهديّ وأشبعوا الموضوع. وقد استعرضوا الأدلة في موضوع المهديّ، وأذكر من أدلتهم دليلين فقط:

 

1ـ فمن الأدلة العقليّة التي أوردوها دليل اللطف ومفاد هذا الدليل: أنّ العقل يحكم بوجوب اللطف على الله تعالى وهو فعل ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصيّة ويوجب إزاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل إلى حد الإلحاد لئلا يكون للنّاس على الله حجة، فكما أن العقل حاكم بوجوب إرسال الرسل وبعثه الأنبياء ليبينوا للنّاس ما أراد الله منهم وللحكم بينهم بالعدل: كذلك يجب نصب الإمام ليقوم مقامهم تحقيقاً لنفس العلّة، فإنّ الله لا يُخلي الأرض من حُجّة، وليس زمان بأولى من زمان في ذلك، إلى آخر ما أوردوه.

 

2ـ أمّا من الأدلة النقليّة فذكروا ما يلي: قال الله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ{ سورة النور، 55، فقد فسرت هذه الآية كما عن الإمام جعفر الصادق (عح)، بخروج المهديّ وتحقيق هذه الأشياء على يديه (5) وقد قيل أن لسان هذه الآية عامٌ يشير إلى تحقيق هذه الأمور على أيدي المسلمين، فأجابوا أن القرائن تفيد أنّ هذه الأمور لم تتحقق على النحو الذي ذكرته هذه الآية من مجيء الإسلام حتى يومنا هذا، ووعد الله لا بُدّ من تحقيقه، وتلك قرينة على تحققه في المستقبل، يُضاف الى ذلك أنّ من أساليب القرآن الكريم أن يُعبِّرَ عن الخاص بصيغة العام وعن المفرد بالجمع في كثير من الموارد، وكذلك قال الفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ{ سورة المائدة 54.

 

قال إنّها نزلت في أبي بكر بقرينة أنّه هو الذي قاتل المرتدين مع أنّ لسان الآية عام (6)، ومن الأحاديث التي استدل بها الشيعة في موضوع المهديّ ما رواه الطوسيّ في الغيبة عن النبيّ (ص): لا تذهب الدنيا حتى يلي أمتي رجل من أهل بيتي يقال له المهديّ(7).

 

هذه فكرة موجزة أردت بها الإشارة إلى إجماع المسلمين على موضوع المهديّ. وحينئذ لا تبقى قيمة لأقوال المهرجين الّذين يريدون إبعاد الفكرة عن الإسلام غير عابئين بما ورد فيها من آثار ونصوص(8).

 

الهوامش:

 

(1) راجع «أعيان الشيعة» ، ج4، ص 348.

 

(2) نظرية الإمامة، ص 405.

 

(3) الإمام الصادق، ج6، ص 146.

 

(4) أعيان الشيعة، ج4، ص 388.

 

(5) أعيان الشيعة، ج4، ص 389.

 

(6) تفسير الرازي، ج3، ص 416.

 

(7) أعيان الشيعة، ج4، ص 390.

 

(8) هوية التشيع» للدكتور الشيخ أحمد الوائليّ، ص 195 ـ 196ـ 197ـ 198.